الاحساس بالزمن

محمد خضير سلطان
sultann1958@yahoo.com

2006 / 6 / 21

سئل مرة المحلل الستراتيجي محمد حسنين هيكل عن قراءته في مستقبل احدى القضايا الشائكة فاستدرك قبل اجابته، بان مفردة ( المستقبل ) هنا عائمة ومطلقة ، فهي تعني الثلاثة اسابيع القادمة مثلما تعني السنين الثلاث القادمة ايضا ثم يحدد نظرته الدقيقة الى اقل مدى مفتوح من المستقبل ، يمكن حسابه بدقة لكي يتم ضبط الدقة على افق اوسع منه سنينا وقرونا........حينئذ تنأى القراءة المستقبلية عن الامل الزائف وتفحص تقاطيع الافكارعلى راحة الزمان والتنبوء والتكهن والتوقع من خلال مكعبات الزهر ، وتصبح تحليلا متصلا بالحاضر الذي يتكامل مع تحوله الزمني ، بشكل خطي ، رويدا للامام ، وبتلك القراءة التزامنية للمستقبل المحسوبة بالقيمة الاقل وعدم اطلاق النظرة الى زمن مفتوح دون ان تكون لحظاته شديدة الوثاقة ببعضها فتفلت من اسار الاشتباك والتعقيد الى الهروب نحو زمن وهمي ، سرابي ، يتحايل على حاضره ولا يتحقق بشكل ملموس على الارض .
هل بوسعنا في ضوء هذه النظرية البراغماتية لحساب الزمن، السؤال عن مستقبل المعضلة العراقية اذا ما اعتقدنا بان هذه النظرية ، تنضوي على كمية اقل من الوهم ورصيدا اكثر من الواقع الملموس .
ما هو مصير كفاح اهلنا اليومي بين الموت والخبز ، ومتى نضع عناءاتنا الثقيلة في ساحاتنا العامة اولا، ثم نصنع منها رموزا لانصاب تذكارية ،ونقول ، هذه الرموز صنعناها وصنعتنا ...ابتكرناها وابتكرتنا ،، متى نحدد خارطة وطننا على الارض قبل ان تعلنها وقائع الموت في نشرات الاخبار ،،، متى ندرك الزمن الانتقالي من الدائم .
هل يحدث هذا بعد اسبوع ام شهر ، هل يحدث هذا بعد سنة ام قرن، كان بابلو نيرودا يردد ، كم قرنا في السنة ، وكم سنة في الاسبوع ، وكم شهرا في الاسبوع ، واذا كان الشاعرعبر استعاراته الزمنية المشرقة ، يختزل الاكبر في الاصغر على خلفية الماضي ليعبر عن مخزون اللحظة من الزمان المنصرم ، فلا نستبعد ان نجد ملامح اللحظة في زمنها المفقود على المستقبل .
وبخصوص معضلتنا العراقية ، ربما تكون المسألة اصعب اذا اكتشفنا ، باننا لم نبدأ بعد حساب الزمن الحقيقي، زمن الفعل المنتج ذي المعطى المجدي ، زمن استنفاد الحمم البركانية التي ما زالت تتفجر منذ ثلاث سنين ، زمن تهلكة الاهل في ما بينهم ، زمن الصراعات التي لم تكشف عن ملامح صورة لنهايتها ، أنه الزمن الراسي الذي يمثله الشان العراقي بوصفه احد معطيات الصراع الدولي ومظاهره السياسية النازلة من عل ، زمن اطلاق الوضع المجتمعي العراقي في وجه التاريخ، ليخبط الخطى ، فاقدا الزمن ثم يدخل تجربة دموية هائلة ، تبعث عواء شرسا لا يهدأ وهجيرا قاسيا لا يسكن .
ولكن ، هل يظل هذا الزمن الراسي في مداه الفاصل بين اسقاط الاستبداد وانتظار التحقق الفعلي للعدالة دون ان يكون عونا لنا في اكتشاف زمننا، لقد كان هذا الزمن الراسي عونا لنا في لحظته الفاصلة التي اسقطت الطغيان منذ ثلاث سنين فيما يجب ان نمتلك زمننا بعد ذلك الا اننا عشنا دراما حياتية صاخبة ، واستعرنا الزمن الفني اللاشعوري بدلا من الزمن الحقيقي ، وهو نوع جديد من الدراما التي تهدر زمن شعوبها وتبدد طاقاتهم في القوانين الانسانية والطبيعية.
تبعا لذلك ، ما احوجنا الى عملية تفكير بحساب الزمن الفعلي قبل ان ندعو الى قراءة المستقبل، ان نكتشف خطوتنا الاولى ونسعى الى استتباع اثرها ، ان نتخطى اللحظة التي سقط فيها الاستبداد الى آخرى جديدة .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن