كيت كات.. كيت كااات.. كيت كاااات!

ناني واصف
Hebrewnany@hotmail.com

2020 / 5 / 21

"الكيت كات"
تلك التحفة السينمائية الفنية العبقرية المأخوذة عن رواية "مالك الحزين" للروائي العبقري إبراهيم أصلان

ما يجعل فيلم الكيت كات لحناً عابراً في سيمفونية إبراهيم أصلان، هو قرار ارتكبه المخرج العبقري داوود عبدالسيد، حيث تعاطي شخصية "الشيخ حسني" صانعًا منها شخصية محورية في أحداث فيلمه، وكأنه تلقي لحنًا أعجبه، فنسخ منه مقطوعة مستقلة،ولولا مركزية الشخصية لما أدرك الفيلم ما أدركه من مكانة سامية في قلب السينما المصرية، الأمر أشبه بما حدث مع تحفة الروائي العظيم نجيب محفوظ "أفراح القبة"عند تحويلها إلي عمل تلفزيوني، والمقصود هنا هو قدرة صانع العمل الفني علي قراءة السياق الأدبي كعالم كامل وكبير وواسع، واستهلاك أدق التفاصيل في بناء العالم السينمائي أوالتلفزيوني، كاستعمال شخصيات مهمشة أو عابرة أو حتي إضافة شخصيات جديدة، وهذا مفهوم الإبداع، فالروح الابتكارية تكن على دراية كبيرة جدًا بأن التأويل البصري للأعمال الروائية لا يعني صياغة العمل الروائي في شكل نص سينمائي فحسب.

ربما كل من أسعده الحظ وشاهد تلك التحفة السينمائية قد شعر بهذا..
ذلك الانغماس الكلى فى ذلك العالم الخاص جداً والافتتان بشخوصه ومفرداته..تلك النكهة المصرية التى لا يمكن أن تخطئها عين أو اذن..ذلك الافتتان الباقى أبدا بشخصية الشيخ (حسنى) والتى تبقى فى ذهنك كثيرا جدا بعد انتهاء الفيلم..تلك المتعة البصرية والذهنية والعقلية الخالصة التى تستحوذ عليك تماما طوال مشاهدة الفيلم وربما تدفعك لتعيد النظر فى أمور كثيرة ظننت إنها من ثوابت الحياة..

و الذي جعل الكيت كات يحمل كل هذه الخصوصية و الجمال ليومنا هذا..
أولاً..

الحكاية البسيطة الشعبيةالتى صاغها بعبقرية (داوود عبد السيد) استنادا على رواية للمبدع المهضوم حقه (إبراهيم أصلان)..حكاية بسيطة ولكنها ككل أفلام (داوود) تحمل نكهة فلسفية عميقة..فهو يتحدث عن العجز..الحلم..الحياة والموت..إرادة التغيير..إرادة الحياة..يتحدث أساسا (فى وجهة نظرى) عن المسافة الشاسعة بين طموح الانسان اللامحدود وقدراته الأرضية المحدودة..كل هذا فى اطار حكاية بسيطة يمكن لأى أحد أن يفهمها..

ثانياً

شخصية الشيخ (حسنى)..ذلك الرجل الحالم الذى فقد نعمة البصر منذ طفولته..والذى يحمل فى داخله خليط عجيب من الفيلسوف والفنان المتشبث بالحياة..مازال غير قادر على الاعتراف بما فقده.يخفى فى داخله أطنان من الحزن ولكنه يأبى الاعتراف بهذا...يحاول الهروب من واقعه المظلم بالعزف على العود الذى ورثه عن أبيه..يريد أن يتحرر من جسده العاجز وينطلق بعيدا .. (نفسى أطير .. أطير)..ذلك المزيج الساحر والذى أداة بعبقرية لن تتكرر (محمود عبد العزيز) فى أروع أدواره على الاطلاق والذى ربما يكون هو أحد الأسباب الرئيسية فى جعل هذا الفيلم لا يقاوم..

ثالثاً..
بالطبع لا نغفل قدرات العبقري داوود عبد السيد الاخراجية..اختياره للكادرات وحركة الكاميرا المتمهلة تارة (لتسمح لنا بالتأمل) مثل مشهد موت عم (مجاهد), والسريعة تارة لتسمح لنا بالشعور بالانتصار, مثل المشهد الأشهر للشيخ (حسنى) على الموتوسيكل. نجح العبقري (داوود) فى اظهار الجوانب المتناقضة للشيخ (حسنى) المتواثبة بين أقصى الحزن وأقصى العبث دون فذلكة اخراجية زائدة أو استعراض عضلات. اختياره أيضا للممثلين كان موفقاً جداً..

رابعاً..
لا نغفل قطعة الموسيقى التصويرية العبقرية لـ(راجح داوود)والتى بدونها أعتقد كان الفيلم سيخسر الكثير..تحمل الموسيقى فى طياتها روح الفيلم نفسه..فهى موسيقى مصرية خالصة..حزينة بعض الشىء..ولكنها ليست كئيبة..موسيقى تعانق الأرواح و ظلت و ستظل موجودة في أرواحنا للآبد كما تفعل موسيقاه دائماً

و هي في الفيلم كأنها تقول: نعم الواقع مظلم ولكن الأمل موجود دائما..فى مشهد الموتوسيكل بدأت الموسيقى مرحة نوعاً ما لترافق المشهد الكوميدى للشيخ الضرير وهو يقود الموتوسيكل بسرعة وسط الحارة المزدحمة..ثم لم تلبث الموسيقى إن سلكت مسلكاً مختلفاً أقرب للتأمل وكأن ليس المطلوب فقط أن نضحك مع الشيخ (حسنى) ولكن أن نشعر شعوره..
فهو قد حقق حلمه بالطيران على الرغم من كل شىء..
باختصار لم يتوفر لفيلم مصرى (قديماً أو حديثاً) كل هذه العوامل الناجحة والتى تجعله أقرب للاكتمال..

خامساً أغنية صهبجية التي للمبدع سيد درويش لن و لم ننساها بصوت الشيخ حسني في قعداته في دكانه، و أغنية يلا بينا تعالوا بصوت الشيخ حسني و إبنه يوسف و تجلياتهم على العود في مشهد عظيم و كلماتها للراحل عبقري الكلمة سيد حجاب و ألحان إبراهيم رجب..

هذا الفيلم لم يُصنع لتشاهده مرة واحدة..بل بالعكس
كلما تقدم بك العمر سترى فيه أفاقاً جديدة لم ترها من قبل..

درجن..درجن..درجن..درجن..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن