رأس المال: الفصل الثاني عشر (49)

كارل ماركس
Jasim_737@yahoo.com

2020 / 5 / 15



تقسيم العمل والمانيفاكتورة
خامسا – الطابع الرأسمالي للمانيفاکتورة
إن تزايد عدد العمال تحت إمرة رأسمال واحد يشكل نقطة الانطلاق الطبيعية للتعاون عموما وللمانيفاکتورة على حد سواء. لكن تقسيم العمل المانيفاکتوري بدوره يجعل من هذه الزيادة في عدد العمال المستخدمين ضرورة تكنيكية. فالحد الأدنى من العمال الذين يجب على الرأسمالي الفرد استخدامهم إنما يفرضه الآن تقسيم العمل الموروث. ومن جهة أخرى فإن مزايا التقسيم الإضافي للعمل مرهونة بزيادة جديدة في عدد العمال، وهذا لا يتحقق إلا بمضاعفة زمر العمال. وبزيادة الجزء المتغير من رأس المال تنبغي زيادة جزئه الثابت أي توسيع شروط الإنتاج المشتركة، كالمباني والأفران وغير ذلك، علاوة على زيادة كمية المواد الأولية، التي تنمو بوتيرة أسرع من عدد العمال. وإن كتلة المواد الأولية التي يستهلكها عدد معين من العمال في فترة زمنية معينة تزداد بنسبة طردية مع نمو القدرة الإنتاجية للعمل إثر تقسيمه. وهناك قانون مطابق ينبع من الطابع التكنیكي للمانيفاکتورة ألا وهو تزايد الحد الأدنى من حجم رأس المال الذي يتوجب على كل رأسمالي مفرد أن يتوافر عليه، أو بتعبير آخر تزايد نطاق تحول وسائل العيش ووسائل الإنتاج الاجتماعية إلى رأسمال (1).

وفي المانيفاکتورة كما في التعاون البسيط، يكون جسم العمل الناشط شكلا لوجود رأس المال. فآلية الإنتاج الاجتماعية المؤلفة من جمهرة عمال جزئيين فرديين، إنما تخص الرأسمالي. من هنا فإن القدرة الإنتاجية، الناشئة عن تجميع مختلف أنواع العمل، تبدو بمثابة قدرة إنتاجية لرأس المال. والمانيفاکتورة الحق لا تكتفي بإخضاع العامل المستقل من قبل إلى إمرة وضبط رأس المال، بل تنشئ علاوة على ذلك بنية مراتب هرمية وسط العمال أنفسهم. وفي حين أن التعاون البسيط يترك نمط عمل الأفراد على حاله دون مساس عموما، فإن المانيفاکتورة تثوّره من القاع إلى القمة، وتقتلع قوة العمل الفردية من جذورها. إن المانيفاکتورة تحيل العامل إلى مسخ كسيح، فهي ترغمه على إنماء مهارة وحيدة بكبت عالم كامل من الميول والمواهب المنتجة، على غرار ما يقطع أبناء دول لابلاتا أوصال الحيوان طمعاً بجلده أو شحمه. ولا يقتصر الأمر على توزيع أعمال جزئية متفرقة بين شتى الأفراد، بل يتعداه إلى تجزئة الفرد نفسه وتحويله إلى آلة أوتوماتيكية لأداء عمل جزئي معين (2)، وبذا تتحقق أسطورة مبنينيوس أغريبا الغريبة (*) التي تصور الإنسان على أنه قطعة من جسده بالذات (3). وبينما كان العامل في البدء يبيع قوة عمله لرأس المال بسبب افتقاره إلى الوسائل المادية لإنتاج سلعة، فإن قوة عمله الفردية ذاتها لم تعد صالحة للخدمة الآن إلا إذا بيعت لرأس المال. وليس بمقدورها أن تنشط إلا في سياق لا يتوافر له، إلا بعد البيع، في ورشة الرأسمالي. وإذ يغدو العامل المانيفاکتوري عاجزاً بطبيعته عن فعل أي شيء بصورة مستقلة، فإنه لا يقوم بالنشاط الإنتاجي إلا كملحق تابع لورشة الرأسمالي (4). ومثلما كتب على جباه الشعب المختار أنه ملك الإله يهوه، فإن تقسيم العمل يدمغ العامل المانيفاکتوري بخاتم ملكية رأس المال.

إن خصال المعرفة والحصافة والإرادة التي يمارسها الفلاح أو الحرفي المستقل، مهما ضؤلت، مثلما يمارس المتوحش فن الحرب كدهاء شخصي، تغدو خصالا تستمد من الورشة برمتها. ويتسع نطاق القدرات الفكرية في جانب واحد لأنها تتلاشى تماما في الكثير من الجوانب الأخرى. وما يفقده العمال الجزئيون يتركز في رأس المال بمواجهتهم (5). وإن تقسيم العمل في المانيفاکتورة يضع القدرات الفكرية لعملية الإنتاج المادية في مواجهة العمال بوصفها ملكية غريبة وقوة تهيمن عليهم. وتبدأ عملية الانفصال هذه في التعاون البسيط حيث يمثل الرأسمالي وحدة وإرادة جسد العمل الاجتماعي إزاء العامل المفرد. ثم تتطور في المانيفاکتوره التي تشوه العامل وتحيله كسرة من حطام إنسان. وتختتم في الصناعة الكبرى التي تفصل العلم عن العمل، كقدرة إنتاج مستقلة، وتضعه في خدمة رأس المال (6).

وفي المانيفاکتورة نجد أن ثراء القدرة الإنتاجية الاجتماعية للعامل الكلي، وبالتالي لرأس المال، مرهون بإفقار القدرة الإنتاجية الفردية للعامل.

“الجهل أم الصناعة كما هو أم الخرافة. إن التأمل والخيال عرضة للخطأ؛ ولكن عادة تحريك اليد أو القدم ليست مرهونة بهذا ولا بذاك. لذا تزدهر المانيفاکتورات على أفضل صورة حيثما يكون العقل غائبا، وحيثما تكون الورشة آلة بأجزاء من بشر” (7). وبالفعل كانت بعض المانيفاکتورات في أواسط القرن الثامن عشر تفضل استخدام أشباه البلهاء لتنفيذ بعض العمليات البسيطة التي تشكل سراً من أسرار الصناعة (8).

يقول آدم سميث: «إن مدارك الشطر الأعظم من البشر تتحدد، لا محالة، بفعل ما يزاولون من مهن اعتيادية. والإنسان الذي يقضي كل حياته في أداء أعمال بسيطة وقليلة.. لا ينعم باي فرصة لاستخدام مداركه…. وهو يغدو، على العموم، على أقصى درجة من الغباوة والجهل يمكن أن يبلغها أي كائن بشري».. وبعد أن يصف آدم سميث غباوة العامل الجزئي يواصل قوله:

“إن رتابة حياته الساكنة تفسد بالطبع شجاعة عقله… بل تفسد حتى نشاط جسده وتجعله عاجزاً عن ممارسة نشاطه بحيوية ودأب في أي مهنة عدا ما تربى عليه … وهكذا تبدو براعته في حرفته الخاصة قد نمت على حساب مزاياه الفكرية والاجتماعية والقتالية. ولكن هذا هو الحال الذي يتمرغ فيه فقراء الشغيلة (the labouring poor) في كل مجتمع متقدم متمدن، أي السواد الأعظم من الشعب” (9).

وابتغاء الحيلولة دون انحطاط الكتلة الأعظم من الشعب بالكامل بفعل تقسيم العمل، يوصي آ. سميث أن تتولى الدولة تعليم الشعب، ولكن بجرعات علاج حذرة. أما غارنييه، الذي ترجم أعمال سميث إلى الفرنسية وعلق عليها، والذي ارتقى بصورة طبيعية إلى عضو في مجلس الشيوخ في ظل الإمبراطورية الفرنسية الأولى، فإنه يعارض رأي سميث بإصرار. وبرأيه أن تعليم الشعب يقوض أول قوانين تقسيم العمل؛ ومعه “يتقوض كامل نظامنا الاجتماعي”.

ويقول غارنييه: «إن انفصال العمل الجسدي عن العمل الفكري (10)، شان كل تقسيم للعمل، يزداد رسوخاً وعمقاً بمقدار ما يزداد المجتمع ثراء» (وهو يستخدم تعبير المجتمع للدلالة على رأس المال والملكية العقارية ودولتهما). “وإن تقسيم العمل هذا، كأي تقسيم آخر، هو نتيجة للتقدم في الماضي وسبب للتقدم في المستقبل… فهل يتوجب على الحكومة إذن أن تعارض تقسيم العمل هذا وتكبح سيره الطبيعي؟ وهل يتوجب عليها أن تنفق قسماً من مداخيل الدولة في مسعى لخلط ومزج هذين الصنفين من العمل اللذين ينزعان إلى الانقسام والانفصال؟”(11). إن وقوع قدر من تشوه العقل والجسد لا مفر منه حتى في ظل تقسيم العمل في المجتمع ككل. ولكن بما أن مرحلة المانيفاکتورة تمضي بهذا الفصل الاجتماعي بين مختلف فروع العمل إلى مديات أبعد، وبما أن تقسيم العمل الخاص بها يقلع حياة الفرد من جذورها، فإن مرحلة المانيفاکتورة هي وحدها التي تقدم للمرة الأولى المادة والحافز لعلم الأمراض الصناعية (12).
“إن تقطيع أوصال إنسان يعد إعداماً إذا استحق الحكم، واغتيالا إن لم يكن يستحقه … وتقطيع العمل اغتيال لشعب” (13).
إن التعاون المرتكز على تقسيم العمل، أو المانيفاکتورة، ينشأ، بادئ الأمر في تكوين عفوي. ولكن ما إن يبلغ قدرة من الرسوخ والاتساع حتى يكتسب شكلا واعياً ومنهجياً ومنتظماً لنمط الإنتاج الرأسمالي. ويبين تاريخ المانيفاکتورة الحق كيف أن تقسيم العمل الخاص بها يكتسب، في البداية، الأشكال المناسبة بصورة تجريبية بحتة، أو إن جاز القول من وراء ظهر الفاعلين، ويسعى بعد ذلك، على غرار نقابات الأصناف الحرفية، لأن يوطد الشكل الذي تم إيجاده مرة في تقاليد ثابتة، تستمر في بعض الحالات قروناً. ولن يطرأ أي تغير في هذا الشكل – باستثناء التغيرات الثانوية تماما – إلا بفعل ثورة في أدوات العمل. والمانيفاکتورة الحديثة – لا أقصد الصناعة الكبرى القائمة على الآلات – أما أن تجد أعضاء الشاعر المبعثرة (disjecta membra poetae) جاهزة بانتظار أن تُلمّ، كما هو الحال في مانيفاکتورة الألبسة في المدن الكبرى، أو أن مبدأ التقسيم حاضر في متناول اليد ولا يتطلب ببساطة أكثر من إسناد بعض أعمال الإنتاج الحرفي (كما في تجليد الكتب مثلا) إلى عمال خاصين. وفي مثل هذه الحالات يكفي أسبوع من التجربة لاكتشاف التناسب اللازم بين عدد الأيدي الضرورية للقيام بكل وظيفة(14). وبفضل تحليل النشاط الحرفي، وتخصص أدوات العمل، وخلق العمال الجزئيين، وحشد وتركيب هؤلاء في آلية كلية واحدة، يتمكن تقسيم العمل المانيفاکتوري من خلق التمفصل النوعي والتناسب الكمي لعمليات الإنتاج الاجتماعية، أي خلق تنظيم معين للعمل الاجتماعي وبالتالي إنماء قدرة إنتاجية عمل اجتماعية جديدة في آن واحد. وإن تقسيم العمل بوصفه شكلا رأسمالياً متميزاً لعملية الإنتاج الاجتماعية – علما أن الأسس التي يجدها متاحة ويرتكز عليها لا تتيح له التطور إلا بالشكل الرأسمالي – ما هو إلا طريقة خاصة لإنتاج فائض القيمة النسبي أو زيادة النمو الذاتي لقيمة رأس المال على حساب العامل، زيادة ما يسمى عادة بالثروة الاجتماعية أو “ثروة الأمم”، Wealth of Nations)) وما إلى ذلك. ولا يقتصر هذا التقسيم على تنمية قدرة إنتاجية العمل الاجتماعية لصالح الرأسمالي لا العامل، بل إنه ينميها بتشويه العامل الفرد. إنه ينتج شروطا جديدة تبسط هيمنة رأس المال على العمل. وإذا تبدى ذلك، من جهة، بوصفه تقدماً تاريخياً ولحظة ضرورية في عملية التكوين الاقتصادي للمجتمع، فإنه يتبدى من جهة أخرى كوسيلة لاستغلال أكثر رقياً، وأكثر مدنية.

إن الاقتصاد السياسي، الذي برز كعلم مستقل في مرحلة المانيفاکتورة بادئ الأمر، يعاين تقسيم العمل الاجتماعي عموما من زاوية التقسيم المانيفاکتوري للعمل (15) بوصفه وسيلة لإنتاج المزيد من السلع باستخدام الكمية نفسها من العمل، وبالتالي لجعل السلع أرخص وللتعجيل في تراكم رأس المال. وعلى النقيض التام من هذا التركيز على الجانب الكمي والقيمة التبادلية، يُعنى كتاب العصور الكلاسيكية القديمة عناية تامة بالجانب النوعي والقيمة الاستعمالية (16). وفي أعقاب الفصل بين فروع الإنتاج الاجتماعي ازداد صنع السلع اتقانا، وأخذت ميول ومواهب البشر على تباينها في انتقاء ميدان النشاط الأكثر مواءمة (17). وما كان بالوسع إحراز شيء هام لولا شيء من التقييد (18) وبذلك يتحسن المنتوج والمنتج بفضل تقسيم العمل. وحين يشير كتاب العصور الكلاسيكية القديمة أحيانا إلى نمو كتلة المنتوجات فإنهم يفعلون ذلك بالحديث عن وفرة القيم الاستعمالية لا غير. ولا نجد سطراً واحداً لذكر القيمة التبادلية أو رخص السلع. وتطغى وجهة نظر القيمة الاستعمالية عند أفلاطون (19) الذي يرى في تقسيم العمل الأساس لانقسام المجتمع إلى مراتب طبقية، وعند زینوفون (20) الذي يقترب أكثر من غيره من مبدأ تقسيم العمل داخل الورشة، بحكم ما يتميز به من غريزة بورجوازية. إن تقسيم العمل في “جمهورية أفلاطون” بوصفه المبدأ الأساسي لبنية الدولة، ليس إلا نسخة أثينية مثالية عن نظام الطبقات المغلقة المصري؛ فمصر بالنسبة للمؤلفين الآخرين المعاصرين لأفلاطون، ومنهم إيزو قراط مثلا(21)، كانت نموذج البلد الصناعي، وقد احتفظت بأهميتها هذه حتى في نظر الإغريق من عصر الإمبراطورية الرومانية (22).

في مرحلة المانيفاکتورة الحق، أي في المرحلة التي تعتبر المانیفاكتورة فيها الشكل السائد لنمط الإنتاج الرأسمالي، يواجه التحقق الكامل للميول الملازمة للمانیفاكتورة عوائق شتى. فعلى الرغم من أن المانيفاکتورة تضع العمال في مراتب هرمية، وتشطرهم شطراً بسيطاً إلى ماهرين وغير ماهرين، إلا أن عدد هؤلاء الأخيرين يبقى محدوداً جدا نظرا لتعاظم أهمية الماهرين. ورغم أن المانيفاکتورة تكيف العمليات المنفردة تبعا لتباين درجة نضج وقوة ونمو أعضاء العمل الحية، وتنزع بالتالي إلى الاستغلال المنتج للإناث والأطفال، إلا أن هذا الميل يمنى عموما بالإخفاق بفعل عادات واعتراضات العمال الذكور. ورغم أن تفكك الأعمال الحرفية يخفض كلفة تدريب العمل، وبالتالي قيمته، إلا أن فترة التمرن الطويلة تبقى ضرورية بالنسبة لبعض الأعمال الشاقة، وحين يغدو التمرن زائداً عن اللزوم فإن العمال يتمسكون به بقوة. ونرى في إنكلترا مثلا أن قوانين التمرن (Laws of apprenticeship)، البالغة سبع سنوات ظلت سارية حتى نهاية مرحلة المانيفاکتورة، ولم تتهاوى إلا بعد ظهور الصناعة الكبرى. وبما أن المهارة الحرفية هي أساس المانيفاکتورة، وبما أن الآلية الكلية العاملة فيها مجردة من أي إطار موضوعي مستقل عن العمال أنفسهم، فإن رأس المال يضطر على الدوام إلى مواجهة تمرد العمال.

ويقول صاحبنا أور: “تبلغ الطبيعة البشرية من الضعف مبلغا بحيث كلما ازدادت براعة العامل، غدا قوي الشكيمة عنيد المراس، لا يصلح لأن يؤلف جزءا منسجماً من منظومة آلية… بل ينزل بهذه المنظومة أفدح الضرر” (23). ولهذا تحفل مرحلة المانيفاکتورة كلها بالشكوى من افتقار العمال إلى الانضباط (24).

وحتى لو لم نتوافر على شهادات كتّاب ذاك الزمان، فإن الواقعتين البسيطتين التاليتين تنطقان بما يعادل مجلدات: أولا، ابتداء من القرن السادس عشر وحتى عهد الصناعة الكبرى فشل رأس المال في مسعاه للسيطرة على كامل وقت العمل المتاح للعامل المانيفاکتوري؛ وثانياً، إن المانيفاکتورات نفسها كانت قصيرة الأجل، تغادر أرضا بهجرة العمال منها، لتظهر في أخرى بنزوح العمال إليها. “يجب فرض النظام بهذه الطريقة أو تلك”، ذلك ما دعا إليه في العام 1770 مؤلف کتاب: بحث في الصناعة والتجارة Essay on trade and commerce الذي استشهدنا به مراراً. وبعد ستة وستين عاما يردد الدكتور أندرو أور قائلا إن “النظام”، غائب عن المانيفاکتورة القائمة على أساس “العقيدة المدرسية (**) لتقسيم العمل”، و”إن آرکرایت خلق النظام”.

بموازاة ذلك لم تكن المانيفاکتورة بقادرة على أن تغطي الإنتاج الاجتماعي بكامل مداه، ولا أن تغيره من أعماقه. وقد نهضت كصرح اقتصادي على قاعدة عريضة من الجرف في المدينة ومن الصناعة المنزلية في الريف. ولكن عند درجة معينة من التطور دخلت قاعدتها التكنيكية الضيقة في تناقض مع حاجات الإنتاج التي خلقتها هي نفسها.
لعل أكمل ما ابدعته المانيفاکتورة هو ورشة إنتاج أدوات العمل بالذات، وبخاصة الأجهزة الآلية المعقدة التي كانت تستخدم في ذلك الوقت.

يقول أور: «كانت ورشة الآلات بمثابة لوحة تعرض تقسيم العمل بدرجات متعددة. وكان لكل من المثقب والإزميل والمخرطة عامل خاص يحتل موقعه في التراتب حسب درجة المهارة»(***). وإن هذه الورشة، وهي منتوج تقسيم العمل في المانيفاکتورة، أنتجت بدورها الآلات. وإن هذه الآلات هي التي تنقض النشاط الحرفي بوصفه المبدأ الناظم للإنتاج الاجتماعي. وبهذا يزول الأساس التكنيكي لتقييد العامل مدى الحياة بوظيفة جزئية معينة، من جهة. وتتداعى، من جهة أخرى، القيود التي كان هذا المبدأ يضعها في وجه سيطرة رأس المال.



_______________

(1) “لا يكفي أن يكون رأس المال”، (كان ينبغي أن يقول: وسائل العيش ووسائل الإنتاج) “اللازم لتقسيم الحِرف متوافراً في المجتمع؛ فلا بد له أيضا من أن يتركز في أيدي أرباب العمل بمقادير كبيرة بما فيه الكفاية بحيث تتيح لهم القيام بالإنتاج على نطاق واسع… وبمقدار ما يتشعب تقسيم العمل، فإن الاستخدام الدائم لعدد معين من العمال يتطلب إنفاقاً متزايداً من رأس المال في الأدوات والمواد الأولية، إلخ”. (شتورخ، دروس في الاقتصاد السياسي، طبعة باريس، المجلد الأول، ص 250 – 251). (Storch, Cours d ‘ Economie Politique)، “إن تركز أدوات الإنتاج لا ينفصل عن تقسيم العمل مثلما لا ينفصل تركز سلطة الدولة عن تضارب المصالح الخاصة في ميدان السياسة”. (کارل مارکس، [بؤس الفلسفة، باريس، 1847]، ص 134).
(2) يسمي دونالد سنيورات العمال المانيفاکتوربین بـ «آلات أوتوماتيكية حية تستخدم في أعمال جزئية». (دونالد ستيوارت، المرجع المذكور، ص 318).
(*) [تقول الأسطورة إن النبيل الروماني مینینیوس أغريبا (ت 494 ق. م) اقنع عوام روما، بالعدول عن الثورة على الاشراف والاستسلام، بذكر أمثولة عن أعضاء من الجسم البشري تثور على المعدة فيهلك الجميع. شبه مینینیوس المجتمع بجسم الإنسان، حيث يمثل العوام اليدين اللتين تغذيان المعدة، أي الأشراف. وإن فصل اليدين عن المعدة يسفر عن موت اليدين وهلاك الجسم. وأفاد مینبنيوس أن رفض العوام تنفيذ واجباتهم يؤدي إلى هلاك دولة روما. ن. برلین].

(3) في الشعب المرجانية يمثل كل فرد فعلا معدة للجماعة كلها. ولكنه يغذي الجماعة ولا يسرق قوتها كما فعل أشراف روما مع العوام.
(4) “إن العامل الذي يتقن حِرفة كاملة يمكن أن يعمل ويكسب عيشه أينما كان؛ أما الثاني”، (العامل المانيفاکتوري) فعلى العكس، ليس سوى ملحق، لا يملك، بمعزل عن رفاقه، القدرة على العمل ولا الاستقلالية الضرورية لذلك، ويجد نفسه مرغماً على قبول أي قانون يحلو للمرء أن يفرضه عليه . (شتورخ، [دروس في الاقتصاد السياسي، طبعة بطرسبورغ،] 1815، المجلد الأول، ص 204).
(Storch, [Cours d’Économie Politique, Éd. Pétersbourg), 1815, T. I, p. 204).

(5) “كسب الواحد ما خسره الآخر”. (آ. فيرغسون، Ferguson A.، المرجع المذكور، ص 281).
(6) “ثمة هوة عميقة تفصل رجل العلم عن العامل المنتج، وبدل أن يكون العلم بمثابة الوصيفة بين يدي العامل لزيادة قدراته المنتجة، نراه يقف في مواجهة العمال في كل مكان تقريبا … وتتحول المعرفة إلى أداة قادرة على الانفصال عن العمل والوقوف ضده”. و. تومبسون، بحث في مبادئ توزيع الثروة، لندن، 1824، ص 274.
(7) فيرغسون، المرجع المذكور، ص 280.
(8) ج. د. تاکیت، تاريخ وضع السكان العاملين في الماضي والحاضر، لندن، 1846، المجلد الأول، ص 148.
(J. D. Tuckett, A History of the Past and Present State of the Labouring Population, London, 1846, V. I, p. 148).

(9) سميث، ثروة الأمم (A . Smith , Wealth of Nations , b . V , Ch . 1 , art . II) کان آ. سميث بوصفه تلميذا لفيرغسون، الذي أظهر العواقب الضارة لتقسيم العمل، يتميز بوضوح كامل في هذا الصدد. ففي مقدمة كتابه يمجد تقسيم العمل بخبرة المختص (ex professo)، لكنه يشير بصورة عابرة إلى أنه مصدر لانعدام المساواة الاجتماعية ولا يورد آراء فيرغسون إلا في الكتاب الخامس المكرس لموارد الدولة. ولقد شرحت في كتابي بؤس الفلسفة، بإسهاب الصلة التاريخية بين فيرغسون و آ. سميث وليمونتي وساي في نقدهم لتقسيم العمل؛ وهناك ايضا اشرت للمرة الأولى إلى التقسيم المانيفاکتوري للعمل بوصفه شكلا خاصا لنمط الإنتاج الرأسمالي. (کارل مارکس، بؤس الفلسفة، باريس، 1847، ص 122 وما بعدها). (10) سبق لفيرغسون أن قال في مؤلفه: تاريخ المجتمع المدني.History of Civil Society) .(281 . Edinburgh “إن التفكير نفسه، في عصر الانفصال هذا، يغدو مهنة”.
(11) ج. غارنيه G . Garnier، المجلد 5، من ترجمته [لسميث]، ص 4 – 5.
(12) نشر راماتسيني، بروفيسور الطب التطبيقي في بادوا، في عام 1700 مؤلفه: “الموت الاصطناعي” ((De morbis artificum الذي ترجم من ثم في عام 1777 إلى اللغة الفرنسية وطبع من جديد عام 1841 في موسوعة العلوم الطبية، الجزء السابع، المؤلفون الكلاسيكيون.
(Encyclopédie des Sciences Médicales, 7éme Division, Auteurs Classiques).

ومن البديهي أن مرحلة الصناعة الكبيرة زادت كثيراً لائحة أمراض العمال المهنية التي وضعها.
وفي عام 1854 عينت جمعية الفنون (م) لجنة لدراسة الأمراض الصناعية. ويمكن العثور على جدول الوثائق، التي جمعتها هذه اللجنة، في لائحة متحف تویکنهام الاقتصادي. وتقدم تقارير الصحة العامة Reports on Public Health مادة هامة جدا. أنظر كذلك: إدوارد رایش، طبیب، حول انحطاط الإنسان. (1868 ,Eduard Reich , M . D . Ueber die Entartung des Menschen. Erlangen)
(م) جمعية الفنون (Society of Arts)، جمعية تنويرية خيرية تأسست عام 1754 في لندن، بهدف تشجيع الصناعة والتجارة، سعت إلى لعب دور الوسيط بين العمال ورجال الأعمال. [ن. برلین].

(13) “To subdivide a man is to execute him, if he deserves the sentence, to assassinate him if not… the subdivision of labour is the assassination of a people.”
د. أورکهارت، کلمات مألوفة، لندن، 1855..D . Urquhart , Familiar Words , London .(119 .p ,1855 وكانت لدى هيغل آراء مارقة حول تقسيم العمل. فهو يقول في مؤلفه فلسفة الحق، [الفقرة 187]: «نقصد بالإنسان المتعلم، بداهة، ذلك الشخص الذي يستطيع أن يفعل كل ما يفعله الآخرون».

(14) إن الاعتقاد الساذج. بالإبداع العبقري الذي يبديه الرأسمالي، الفرد قبلياً (a priori) في مجال تقسيم العمل، لم يعد قائماً اليوم إلا وسط الأساتذة الألمان من أمثال السيد روشر الذي يخلع على الرأسمالي “شتى الأجور” مكافأة له على تقسيم العمل الذي انبثق جاهزاً من رأسه على غرار الإله جوبيتر. إن سعة تطبيق تقسيم العمل مرهوناً اصلا بضخامة حافظة النقود لا بحجم العبقرية.
(15) إن الكتّاب الأسبق زمناً، مثل بيتي أو المؤلف الغفل لكتاب مزايا تجارة الهند الشرقية

Advantages of the East – India Trade وإلخ، يشددون أكثر من آدم سميث على الطابع الرأسمالي التقسيم العمل في المانيفاکتورة.

(16) ثمة قلة من كتّاب القرن الثامن عشر مثل بيکاريا وجيمس هاريس تشكل الاستثناء عن الكتّاب الحديثين، حيث تكرر رأي القدماء في مسالة تقسيم العمل حرفياً على وجه التقريب. ويقول بیکاریا: “يعرف كل امرئ بالتجربة أن استخدام اليدين والذكاء على الدوام في العمل نفسه والمنتوجات نفسها، يجعل إنتاجها أيسر، وبوفرة أغزر، وبنوعية أفضل، مما لو عمد كل فرد إلى صنع الأشياء التي يحتاجها بنفسه… وعلى هذا النحو ينقسم البشر إلى طبقات ومراتب بما يجلب النفع الخاص لهم والنفع للجماعة”. (سيزار بيکاريا، عناصر الاقتصاد العام، القسم الحديث، طبعة كوستودي، الجزء الحادي عشر، ص 28).
(Cesare Beccaria, Elementi di Economia Publica, Ed., Custodi, Parte Moderna, T. XI, p. 28).
أما جيمس هاريس، الذي أصبح الكونت مالمزبري، والشهير بكتابة «يوميات» (Diaries) عن فترة اقامته سفيرا في بطرسبرغ، فيقول هو ايضا في حواشي كتابه: حوار حول السعادة (م2)، لندن، 1741.(1741 ,Dialogue concerning happiness, london) الذي أعيد نشره فيما بعد في ثلاث أطروحات، إلخ، الطبعة الثالثة، لندن، 1772، [ص 192].
“إن سائر الحجج للبرهنة على أن المجتمع شيء طبيعي، بفعل تقسیم الأشغال”، …. “مستقاة من الكتاب الثاني، جمهورية أفلاطون”.
(م2) هذه زلة قلم من مارکس فمؤلف كتاب “حوار حول السعادة”، ليس الدبلوماسي جيمس هاريس، الذي كتب “يوميات ومراسلات”، بل والده الفيلسوف جيمس هاريس (1709 – 1780)، والمقتبس مأخوذ عن كتاب هذا الأخير، المعنون ثلاث أطروحات، إلخ، ص 292. [ن. برلین].
(17) هكذا نقرأ في الأوديسة، النشيد 14، البيت 228: “كل امرئ يجد مسرته في مزاولة عمل مختلف”، أما سكتوس أمبريكوس فينقل عن ارخيلوخوس قوله: “يختلف الرجال في الأشياء التي تشيع المسرة في قلوبهم” (م3).
[(م3) يقتبس مارکس هذه القولة من ارخیلوخوس نقلا عن كتاب سيكستوس أمبريكوس الموسوم: خصام علماء الرياضيات.(Adversus mathematicos, Buch 11 , Para 4A) [ن. برلین].
(18) “یزاول الكثير من الأعمال، دون أن يتقن شيئا”. كان الأثيني بوصفه منتجاً للسلع يشعر بتفوقه على الأسبرطي لأن هذا الأخير كان يتوافر على كثرة من المحاربين ولا شيء من النقود، مما جعل توكيديدس يقول على لسان بیرکليس في الخطاب الذي يدعو فيه أهل أثينا إلى الحرب البيلوبونيزية إن الذين يزاولون العمل لكفايتهم الذاتية مستعدون لتقديم أجسادهم قبل نقودهم في الحرب، ترکیدیدس، الكتاب الأول، الفصل 141. ومع ذلك ففي مجال الإنتاج المادي بقي مثلهم الأعلى هو الاكتفاء الذاتي المتميز عن تقسيم العمل: “فمن الأول يأتي الرخاء ومن الثاني الاستقلالية”. ولا بد من الإشارة في هذا الصدد أنه حتى في عهد خلع الطغاة الثلاثين (م4) كان عدد الأثينيين المحرومين من ملكية الأرض أقل من 5000 شخص.
[(م4) في العام 404 ق.م، في نهاية الحرب البيلوبونيزية. ن. برلین].
(19) عند أفلاطون ينبع تقسيم العمل داخل الجماعة من تعدد حاجات الأفراد وأحادية قدراتهم. وتقوم فكرته الأساسية في وجوب أن يتكيف العامل مع العمل وليس العمل مع العامل، – وهو أمر لا مفر منه إذا مارس العامل فنون عديدة في آن معاً، مما يجعل هذا الفن أو ذاك ثانوياً. ذلك لأن العمل لن ينتظر وقت فراغ من سيعمله، بل ينبغي أن يكرس العامل نفسه للعمل بجد وليس كشيء ثانوي – هذا ضروري – وعليه سيجري إنتاج أشياء أكثر على نحو أيسر وأفضل إذا كان الشخص يكرس نفسه بما يتفق مع ميوله لصنع شيء واحد في الوقت المناسب ومن دون الانشغال بأعمال أخرى.. [افلاطون]، الجمهورية (.De Republica, II , 2nd ed . Baiter , Orelli etc) ونجد أنكاراً مشابهاً عند توكيديدس أيضا، الكتاب الأول، الفصل 142: «إن الملاحة البحرية هي فن مثل أي فن آخر ولا تمكن مزاولتها كيفما اتفق كمهنة عابرة؛ وبالأحرى فإن المهن العابرة الأخرى لا يمكن أن تمارس إلى جانبها». ويقول أفلاطون: إذا كان العمل سينتظر العامل فإن لحظة الإنتاج الصحيحة غالبا ما تضيع ويفسد المنتوج. ويتردد صدى هذه الفكرة الأفلاطونية أيضا في احتجاج أصحاب معامل قصر الأقمشة الإنكليز ضد تلك الفقرة من قانون المصانع التي تحدد ساعة ثابتة لوجبة غداء سائر العمال. وهم يقولون إنه لا يمكن تكييف العمليات تبعا للعمال. “ففي مختلف عمليات السفع والشطف والقصر والكي والصقل والصباغة يستحيل التوقف في لحظة معينة مسبقا بدون المجازفة بالتلف… وإن فرض ساعة غداء إلزامية واحدة لسائر العمال يعني تعريض منتوجات ثمينة للتلف بسبب عدم اكتمال العمليات”. تُرى أين ستعشعش الأفلاطونية بعد!.
(20) يقول زینوفون إن تناول الطعام على مائدة ملك الفرس ليس شرفاً عظيماً وحسب بل لذة كبرى، لأن هذا الطعام الذ من سواه. “ولا عجب من ذلك، فمثلما أن سائر الفنون الأخرى متقنة اتقانا كبيراً في المدن الكبرى، كذلك فإن الأطعمة الملكية تعد إعداداً لا مثيل له من حيث جودته. أما في المدن الصغيرة فيقوم شخص واحد بالذات بصنع الأسرة والأبواب والمحاريث والمناضد؛ وعلاوة على ذلك يبني المنازل أحيانا، ويفرح تماما إن وجد ما يكفي من الزبائن لإقامة اوده. ومن المستحيل إطلاقا على أي شخص يؤدي كل هذه الأعمال الكثيرة أن يحسن صنعها. أما في المدن الكبيرة، حيث يجد كل صانع الكثير من الشراة، فيكفي إتقان حرفة وحيدة لإقامة أود من يزاولها. بل لا حاجة بالمرء لمعرفة كاملة، فثمة من يصنع الأحذية للرجال، وآخر الأحذية للنساء، وهنا أو هناك يقوم هذا بالخياطة، وآخر بتفصيل الجلد، أو أن هذا يفصّل الثوب وذاك بخيط القطع معا. يترتب على ذلك أن من ينفذ أبسط الأعمال إنما يتقنها خيراً من سواه. والشيء ذاته ينطبق على فن الطهي. زینوفون، سیروبيديا (م5).

[(م5) كتاب تاريخي وضعه زینوفون عن الشرق إثر زيارة لبلاد ما بين النهرين في 401- 399 قبل الميلاد. ن.ع]. إن أنظار زینوفون تنصب على نوعية القيمة الاستعمالية، رغم أنه يدرك أن مستوى تقسيم العمل يتوقف على سعة السوق.
(21) «إنه» (بوزیریس) أنتم الجميع إلى طبقات مغلقة خاصة… وأمر بأن يمارس الأفراد أنفسهم مهنة واحدة على الدوام، ذلك لأنه يعرف أن من يغيرون مهنهم كثيراً لن يتقنوا شيئا؛ أما الذين يلتزمون دوماً مهنة واحدة فإنهم يبرعون بها حد الكمال. وبالفعل نجد أن المصريين تفوقوا على منافسيهم في مجال الفنون والحرف بأكثر من تفوق المعلم على الصانع المتمرن، وأن المبتكرات لحماية السلطة الملكية ودستور الدولة بلغت عندهم درجة من الكمال بحيث أن الفلاسفة الشهيرين الذين تطرقوا إلى هذه المسالة أغدقوا الثناء على دستور الدولة المصري أكثر من سواها. إيزوقراط، بوزیریس .(8 . Isocratis, Busiris , cap).
(22) أنظر: دیودورس الصقلي، [المكتبة التاريخية، المجلد الأول، 1831، الفصل 74].
(Diodor[us) Sic[ulus), (Historische Bibliothek, ch 74 B.I, 1831]).
(23) أور، [فلسفة المانيفاکتورات]، ص 20. .(20Ure , [ Philosophy of Manufactures ] , p).
(24) يصح هذا القول على إنكلترا بدرجة أكبر من فرنسا، وعلى فرنسا بدرجة أكبر من هولندا (**) حرفيا: سکولائية، وهي مدرسة فلسفية – لاهوتية من القرون الوسطى المسيحية. ويمكن اعتبار الكلمة مرادفة لـ النصية الجامدة. [ن. ع].
(***) أور، المرجع نفسه، ص 21. [ن. برلین].



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن