فيروس كورونا والأزمة الرأسمالية

سيد صديق

2020 / 4 / 19

ترجمة سيد صديق

يدفع وباء فيروس كورونا نحو ما قد يكون أعمق أزمة اقتصادية في حياتنا.

تقوم الرأسمالية في جوهرها، كما أشار كارل ماركس، على دورةٍ متتابعة، حيث يستخدم الرأسماليون رؤوس أموالهم لتجميع المواد الخام والميكنة وقوة العمل في مواقع العمل، ومن خلال استغلال قوة العمل ينتجون السلع والخدمات. يبيعون هذه السلع والخدمات لغيرهم من الرأسماليين، أو للعمال، على أمل الحصول على ربح يُمدِّدون به رؤوس أموالهم، ومن ثم يشترون المزيد من المواد الخام والميكنة، ويُوظِّفون قوة عمل أكبر، ليستأنفوا العملية نفسها مُجدَّدًا.

إذا انكسرت هذه الدورة في أيِّ نقطةٍ منها، لأيِّ سببٍ كان، تندلع أزمةٌ اقتصادية.

دورة الرأسمالية تنكسر
لننظر الآن إلى تأثير وباء كورونا. قُيِّدَ نشاط قوة العمل عبر كافة بلدان العالم، وتعطَّلَت إمدادات المواد الخام والميكنة، علاوة على توقُّف بيع الكثير من السلع والخدمات. نبعت هذه التأثيرات في الأصل من الصين، التي احتلَّت في العقود الأخيرة الموقع المركزي من شبكات الإنتاج العالمية في مجالاتٍ مثل صناعة الإلكترونيات. لكن هذه التأثيرات أصبحت الآن عامةً على الاقتصاد العالمي ككل.

وتزداد حدة كلِّ ذلك بسبب الارتباط الشديد لسلاسل الائتمان بمُكوِّنات الاقتصاد العالمي. إذ لا يقتصر الأمر فحسب على المبالغ الطائلة من الديون الاستهلاكية، في شكل رهونات عقارية وقروض وبطاقات ائتمانية، إلخ، بل توسِّع الشركات الائتمان إلى بعضها البعض، فتقترض من البنوك، أو تدخل مباشرةً إلى الأسواق المالية. على سبيل المثال، هناك أسواقٌ تُقدَّر بأكثر من تريليون دولار في صورة “أوراق تجارية”، تسمح للشركات بالاقتراض من الأسواق المالية، لبضعة أيامٍ أو أسابيع عادةً، من أجل تمويل أنشطتها اليومية.

يتسبَّب الوباء الآن في تعطيل مثل هذه الأسواق، فمَن قد يرغب في إقراض المال لمعظم الشركات الآن؟ وانكماش هذا النوع من الأسواق يخاطر بـ”أزمة ائتمان”، حيث ببساطة لا يكون المال متوفِّرًا لتشحيم عجلات العربة الرأسمالية.

ازدادت حدة هذا الاضطراب الاقتصادي بعد أن اختارت السعودية وروسيا هذه اللحظة بالتحديد للانخراط في حربٍ على أسعار النفط، بعد تواطؤهما لسنواتٍ لتقييد إمدادات النفط، من أجل الحفاظ على الأسعار مرتفعةً نسبيًا، مِمَّا جَعَلَ إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة باهظ التكلفة نسبيًا.

من شأن وباءٍ بهذا النطاق الشاسع، بالتوازي مع حرب أسعار النفط، أن يتسبَّبا في مشكلاتٍ كبرى للاقتصاد العالمي في أيِّ وقت. غير أن السبب وراء ما تحمله مخاطر هذا الوباء من ركودٍ عالميٍّ حاد يكمن في العملية طويلة الأمد السابقة على ظهور الوباء نفسه.

فقاعة الائتمان
نشأت آخر أزمة كبرى، في 2008 و2009، من فترةٍ طويلةٍ من مُعدَّلات الربح المنخفضة، وبالتالي تباطؤ مستويات الاستثمار، عبر النظام الرأسمالي برمته. كان النظام يسير قُدُمًا، منذ الثمانينيات، نحو التوسُّع في الائتمان، والنتيجة كانت سلسلةً من “الفقاعات” -في السلع في أوقاتٍ كثيرة، وفي الإسكان، وفي الأسهم في شركات التكنولوجيا الفائقة- تدعمها فقاعةٌ ائتمانية ضخمة. وجاءت أزمة العام 2008 حين بَلَغَ هذا النوع من التوسُّع أقصى حدوده. بدأت الأزمة في إحدى الفقاعات -سوق الرهونات العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة- لكنها سرعان ما انتشرت عبر النظام المالي واسع التمدُّد، قبل أن تجرّ الاقتصاد بأكمله إلى الركود.

حين اندلعت الأزمة، ولَّدَت إمكانيةً لتصفيةٍ شاملة للشركات غير المُربِحة، الأمر الذي من شأنه أن يمهِّد الطريق لانتعاشٍ في الربحية وفترةٍ جديدةٍ من التوسُّع السريع. غير أن هذا لم يحدث، وفي المقابل تدخَّلَت الدول والأجهزة المركزية للإنقاذ. كان نهجهم في ذلك هو حِزَم التحفيز، والاستحواذ على البنوك، والتيسير الكمِّي -حيث تشتري البنوك المركزية الأصول من الشركات المالية من أجل زيادة السيولة- علاوة على مُعدَّلات الفائدة المنخفضة بشدة.

إن كانت هذه الإجراءات قد أخرَجَت الاقتصاد من عثرته بالفعل، فقد تركَت المشكلة الرئيسية لانخفاض الربحية كما هي دون مساس. ولهذا كانت مستويات الاستثمارات ونمو الإنتاجية بائسةً على مدار العقد الماضي. وعلاوة على ذلك، فاقَمَ التيسير الكمي، ومُعدَّلات الفائدة الصفرية أو السالبة، من الاضطراب المالي. ذَهَبَ جزءٌ كبيرٌ من موجة الائتمان إلى أنشطة مضاربة محفوفة بالمخاطر، ما حَمَلَ أسواق الأسهم إلى ارتفاعاتٍ مُذهِلة، فقط لتنهار بعد تفشي وباء كورونا المُستجَد.

غير أن الائتمان الرخيص قد استُخدِم هو الآخر لإبقاء الشركات “العائدة من الموت” على قيد الحياة، تلك الشركات التي كانت قادرةً على الاستمرار ببساطة من خلال خدمة ديونها، في حين لا تفعل شيئًا آخر إلى جانب ذلك. لطالما كان ذلك موضوعًا شائع التناول بين الكُتَّاب الماركسيين، لكنه صار الآن مُعتَرَفًا به في الأوساط السائدة أيضًا. ذَكَرَت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أن “الشركات كانت مُتخَمةً بالديون الرخيصة على مدار عقدٍ من الزمان”، فيما طَرَحَت أن شركات صناعة السيارات، مثل جنرال موتورز وفورد، وكبرى سلاسل متاجر التجزئة الأمريكية، مثل نوردستروم وكولز، كانوا في خطرٍ داهمٍ بسبب اعتمادهم على الديون.

حدود خطط الإنقاذ
أما استجابة الطبقة الحاكمة، حتى وقت كتابة هذا المقال، فهي، من بعض الجوانب، تردِّد أصداء الإجراءات التي اتُّخِذَت في 2008-2009. وتتضمَّن هذه الإجراءات موجةً جديدة من التخفيضات الطارئة لمُعدَّلات الفائدة وتوسُّعًا في برامج التيسير الكمي.

تدخَّل بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهو البنك الأمركزي الأهم في العالم، أيضًا في بعض المجالات الرئيسية في الاقتصاد التي عانت من الأزمة السابقة. وتشتمل هذه المجالات على أسواق الأوراق التجارية وأسواق “الريبو” الأمريكية، حيث تحصل الشركات على تمويلٍ قصير الأمد مقابل ضمانات مثل السندات. وسَّع بنك الاحتياطي الفيدرالي أيضًا من “خطوط المبادلة”، التي تسمح للبنوك المركزية في بلدانٍ أخرى بالحصول على الدولار، زيت التشحيم الأساسي لعجلات النظام العالمي، ومرةً أخرى انهار ذلك في أزمة الائتمان قبل أكثر قليلًا من عقدٍ مضى.

كشفت الأزمة عن حدود ما يمكن للبنوك المركزية أن تفعله؛ فمُعدَّلات الفائدة، على سبيل المثال، وَصَلَت بالفعل إلى مستوياتٍ منخفضةٍ بشكلٍ غير اعتيادي، والتيسير الكمي جرى بالفعل على نطاقٍ واسعٍ لكن من غير المُرجَّح أن يطمئن المستثمرين هذه المرة.

هذا هو السبب وراء الاتجاه إلى تدخُّل حكوميٍّ مباشرٍ في الاقتصاد. وهذا يتضمَّن تقديم أو تأمين القروض للشركات، أو التأميمات الجزئية للشركات. حفَّزَت هذه الإجراءات دعواتٍ تذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث ضمان الدخول، وتنظيم إنتاج السلع والخدمات الأساسية، وما إلى ذلك.

كلَّما تطوَّر ذلك، أصبحت الحجج أوضح في صالح الاقتصاد المُخطَّط والمُنظَّم على أساس الإنتاج من أجل الاحتياجات -بعبارةٍ أخرى؛ الاقتصاد الذي يسير على خطى اشتراكية. لكن إدارة الدولة الرأسمالية للشركات ببساطة لا تعني ذلك، فالاقتصاد الاشتراكي الحقيقي يستلزم سيطرةً ديمقراطيةً من أسفل، وتجميد الكثير من الركائز التي يُعتَقَد أنها من أبجديات الرأسمالية على الأقل يفتح الباب أمام هذا البديل.

لقد حفَّزَت الأزمة بالفعل قدرًا كبيرًا من التضامن بين الناس العاديين الذين يُجبَرون على تحمُّل التأثير المزدوج للانهيار الاقتصادي مع حالة الطوارئ الصحية عبر العالم. وعلى اليسار أن يترجم هذا التضامن لضرب المنطق الذي تقوم عليه الرأسمالية، المنطق الذي شهدناه يفشل مرارًا وتكرارًا.

– هذا المقال مُترجم عن مجلة سوشياليست ريفيو البريطانية



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن