خريف سنمار الإخباري

احمد جمعة
ahmedjuma44@yahoo.com

2020 / 4 / 9

لم يصدق أنه إزاءَ الأميرة أفيين وجهاً لوجه وقد بدت دَهِشَة من وجوده معها، ولم تَخْفِ ابتسامتها الناعسة ملامحَ استغرابٍ صَبَغَت وجهها الذي خلا اليوم بالذات من التبرج، كانت بالبهو الملكي الخاص ولم يكن هناك سوى حارسَين خارج البهو على مسافةٍ بعيدة عن المكان، جلست على مقعد ذي كعبين من الصاج مغطى بقماشٍ أحمر من الحرير السميك، وفُرِشَت الأرضية بسجادة سوداء تتخللها دوائر بيضاء وأطرافها ذهبية اللون، فيما جلس الإخباري بمقابلها يميل على جانب اليمين من المكان، راحت تتفرس في وجهه الشاحب وعينيه الحمراوين، فقد بدا عليه الإنهاك وتملكه الذهول.
"غزو الدول يبدأ بغزو العقول ومتى ما عُطْب عقلك انهارت مملكتك"
غدت الابتسامة المشعة تعلو وجهها وإن لم يفطن وهلة لمغزى عبارتها لكنها عادت واسترسلت قائلة بنبرةٍ عطوفة.
"أنت مريض حقاً سنمار، أنا لن ألومك على إخفاقك الذي كاد يفضحنا في المشفى حيث كنت تُعالج من آثار الثمالة المفرطة، كدت تكشف سرنا وأنت تسأل عني إن كنت بخير؟ ماذا رأيت وأوحى لك بأني في ورطة أو شر؟"
حاول استرجاع ما مرَّ فيه من كوابيس وأحلام وصور تراءت له، بدت الآن بلا معنى لكن الأميرة أفيين فاجأته وهي تنهض وتدنو منه وتضع يدها فوق رأسه.
"ماذا يدور هنا؟ لاشك أن ما رأيته كان له معنى رمزي وأنا أريد أن أصل للرسالة التي حملها عقلك الباطن والتي لاشك أن فيها إيحاءً لحدثٍ ما أو واقعة، لذا أريدك سنمار تذكّر ما جرى حتى أصل للرسالة"
روى لها باقتضاب ما أمكنه عقله المرتخي أن يتذكره، بدا له كل شيء حقيقيا، لم يشعر بحلمٍ أو كابوس، فقد لمس الأحداث بيديه وأحس بها وعانى منها، حتى آثار الدم طبعت ملابسه وهناك كدمات وخدوش على جسمه، لا يمكن أن تكون تلك أضغاث أحلام، أقسم لها بالإلهة شمس أن ما رآه كان حقيقياً، وأن ثمة من طعنها برمح سالت على إثره دماؤها، تملكه الهلع وهو يروى لها بعض التفاصيل التي أكد أنها تفاصيل حقيقية وليست مجرد أوهام وإلا من أين جاءت الكدمات والخدوش بجسمه وهو في عزلة تامة؟
"ربما هي تفاصيل العزلة، أوقات حينما تشتد عزلتنا وتبلغ ذروتها تكون التفاصيل خارج السيطرة عليها، حتى أنا سنمار أقع في هذه العزلة، هل تظن أن حياتي سهلةً لمجرد أني أملك السلطة والنفوذ، للسلطة عزلتها حبيبي"
انشرح قلبه لكلمتها الأخيرة في عبارتها، شعر بأنها ليست غاضبة منه رغم ما سببه من حرج في المشفى الذي عُولج فيه بين أوساط الحكماء وهو يتلفظ باسمها خوفاً عليها.
"هل كنت خائفاً عَلَيّ سنمار؟"
"ما لفت انتباهي سيدتي رؤيا آلهة السعادة، كان ثمة رسالة كدت أدرك مغزاها لكن سرعان ما فلتت الرؤيا مني"
تنهدت الأميرة أفيين وبدا على وجهها الوجوم، لمح فجأة تغيراً خطف لون وجهها وغيّر ملامحها التي كانت ساكنة فبدا تدفق الدم في وجهها، عادت لمقعدها واسترخت عليه متوترة فخالجه تكهن بأنه ذكر شيئاً ما كدرها، لكنها بادرت بالقول في نبرة ارتياب.
"ثمة ما يُطْبخ ضدي وضد المملكة سنمار"
"إذن خذي حذرك سيدتي"
فجأة داهمه ألمٌ حاد في رأسه، اهتز في مكانه فأسرعت المرأة تسنده، كان البهو مضاءً بحدة، صرخت تنادي أحد الحجاب الذي انبثق بغتة كأنه يقف خلف الباب، برز متوسط القامة مكشوف الرأس ذا خصلة من الشعر بالخلف، أشارت إليه بخفض الضوء، فقفز بخفة يسحب خيوطا متدلية من أطراف المشاعل خبأتِ النار وعمَّ الخفوت، أشارت للحاجب بالخروج ثم التفتت للإخباري مبتسمة.
"ماذا تذكر أيضاً من رحلة غيبوبتك؟"
تنهد وبدا مبتهجاً بهذه الرعاية الملكية والعاطفية التي لم يأملها منذ أمدٍ، شغل عقله وحاول تجميع الشظايا وذرات الصورة كلها، وجد نفسه في دوامة عادت به ثانية لمتاهةٍ من رذاذ الصور المتكسرة حاول تركيبها إلى أن استعاد بعض الشذرات.
"لم تكن غيبوبة أفيين، كانت حقيقة ملموسة شعرت بوخزها حتى كدت ألمسها فقد برزت بغتة هيئةُ جاريةٍ..."
على حين غرة اهتز كيانه وانتبه قبل أن يزل لسانه ويبوح برؤيته نسيم الليل التي انبثقت من بين فسيفساء المتاهة، ارتج كيانه عندئذ وأوشك أن يبوح بغريزة منفلتة باسم الجارية التي سلبت وجدانه قبل حين، لكن حدود المتاهة جمدت عند خط استواء الجمر المشتعل في عيني الأميرة، ما عقد لسانه وأوقف زلته قبل أن ينزلق في استحضار الجارية المختفية التي حُسْم أمرها حين توقف الجميع عن البحث في مصيرها.
حين يختلي بالأميرة أفيين يَجْمد بسحرها الأخاذ المسيطر، يشعر بخدرٍ من تأثيرها الأسطوري عليه يَأنَس لهذا الإحساس، هادئة طويلة البال، متحدثة فذة، تتحكم في غضبها، تتراءى سمراء فاتحة البشرة ذات شعر بني طويل مُتَحول وعينين كحيلتين طويلتين مع قوام متناسق، وفخذين مكتنزين لطالما أغريا الأعور، لم تكتفِ بكونها حاكمة جائرة وعاشقة مدلَّهة ولا امرأة ناضجة، أخذت هيئة إلهة حين اعتنقت الوثنية وأباحت لنفسها التحكم في مصير الأمة، تُمِيت من تشاء وتُعْز من تُريد وتُحْيي من تختار وتَعْشق من تهوى، لا يجاريها حتى الملك ذاته الذي استسلم لنزواتها وهو يدرك بأنها قادرة على حفظ مُلْكَه أكثر منه، فحين غاب عن المملكة وانبثقت انتفاضة الغوغاء لم يخمدها سواها بحكمة وغريزة من يحفظ بقاءه، كان الأمر حَياة أو فَناء حين خرجت من القصر تقود فرقاً انتحارية راحت تنكل في حشود الغوغاء ليستقر الأمر لها حتى قبل أن يعود ملكها من الخارج. هذه هي أفيين التي يجلس الآن قبالتها وكاد ينزلق لسانه ويزل بذكر نسيم الليل جاريته السالفة التي يعرف مدى غيرتها من ذكر أي امرأة غيرها.
"أعرف ما يخطر ببالك سنمار، كدت تلفظ منذ وهلة اسم جاريتك القديمة، لكنك خشيت غضبي، سنمار أنا لا أغير عليك من النساء حباً في تملكك، أنا أصون نفسي نظيفة طاهرة الجسد من أن تنقل لِي أمراض الجواري والمومسات، لا تظن أني أحبك نزوة، لقد سحرتني سنمار وفوق ذلك أَنْتَ مثلي قمري النزوات وهذا كافٍ لأحتكرك لي مثلما أنت تحتكرني"
صمتت برهة وسرحت في أفق المكان فيما جالت أصابع يدها اليسرى تلعب بخصلة من شعرها.
"تسأل كيف عرفت ما يجوب في رأسك بشأنها سنمار؟"
"نعم"
ردَّ مبتسماً وقد استغرب شعوره الهادئ الذي لم يطرق قلبه ولم يقلقه كما كان يتوقع.
"أنا ألج في عقول الناس وأرصد كل ما يفكرون فيه، أسمع ما يهمسون به، أقرأ حواسهم وأرى ردة فعلهم وأعرف كيف سيتصرفون في ضوئها، ماذا تسمي ذلك؟ لا تقل لي سحراً، أنا لا أؤمن بدينٍ ولا بِسَحَرة ولا بِآلهة"
"إذن أنت إلهة سيدتي، فالآلهة لا تؤمن بآلهة"
"لا وجود لإلهٍ ما لم يُوجد من يعبده، هل هناك من يعبدني سنمار؟"
قالت عبارتها وهي تحك أنفها بطرف إصبعها، فرد عليها الإخباري بنبرةٍ حملت تبجيلاً.
"أنا أَعْبدك سيدتي أفيين"
انخرطت في موجة ضحك ناعمة ودنت منه، وضعت يدها الرقيقة على كتفه وانحت بظهرها تهمس في أذنه.
"لو كنا بالسرداب لضاجعتك الآن"
ابتعدت خطوتين وأردفت بعد أن مطت شفيتها وعضَّت على الشفرة السفلى وقالت مبتسمة.
"هذه إحدى ذرائع عشقي فيك، عفويتك وغريزة الصدق بك"
فجأة غيرت بشراسة دفة الحديث وحرفَته بما لم يتوقعه حين بادرته على غير توقع.
"هل ما زلت تفكر بالجارية ما اسمها؟ نسيم؟"
"تُدعى نسيم الليل"
"هل تحمل لها مشاعر سنمار؟"
"مجرد ذكرى سالفة، نحن نحمل عادة ذكرى كل من نلتقي بهم عشوائياً في دروب الحياة الفسيحة، لا أخفي عَليكِ أفيين أمراً واحداً فكرت فيه ثم زال مع الوقت، أين اختفت هذه الجارية فجأة؟"
"ناس قالوا خُطِفت وناس قالوا اختفت وناس قالوا حية تُرْزق وناس قالوا انتحرت لكن أين الجثة؟"
ردت أفيين بنبرةٍ باردة.
ظل رأس الإخباري مسترسلاً في وعكته بأتون الكابوس أو الحلم أو الحقيقة، فهو غير واثق مما مر فيه ليومين أو ثلاثة لكنه واثق من أن ما رآه له مغزاه الدال على وقع حدث ما، حتى الأميرة ذاتها اعترفت بأن ما جرى له مغزى ذكرها بحدسٍ أنبأها أن هناك من يُدبر ضدها أمراً معضلاً، فاق لوقتٍ وسرعان ما استحوذ عليه شجنٌ غاص معه في لجَّة من متاهة تطفو وتغطس ما دفع الأميرة للتنبه له وسؤاله.
"ما زلت مهزوزاً؟ مم؟ ماذا رأيت بالضبط هناك خلف السديم غير نسيم الليل؟ أخبرني بالتفصيل لكي أقدر على سبر مجهول الآتي"
هز رأسه نفياً وقال بنبرة من يريد الهروب من الخوض في حالته دون أن يوحي لها بهذه الرغبة.
"لم تعد الصورة مكانها ذاته كذراتٍ في الهواء، لم أعد أذكر غير غرفة غمرها الضوء ووجوه أحاطت بي، لا تشغلي بالك أفيين كل هذه الزوبعة بسبب الخمر"
"ماذا عن رؤياك لآلهة السعادة؟"
"لا أذكر سوى أن الفصل كان خريفا، ووجه الآلهة..."
توقف بغتة يفكر محدقاً بين سقف المكان وضوء المشاعل، بدت عيناه ناعستين ووجهه مرهقا وصوته بُحَّ، أردف مستطرداً.
"آلهة الخريف، ضباع ودماء ومتاهة، حراب حادة تقطر بالدم، قوافل من الموتى يرقصون، هذا كل ما أذكر أفيين"
أدرك أنها لن تعتقه قبل أن تستحوذ على ما بداخله، واجه صعوبة في البوح بشعوره تجاهها من يرغب فيها بشغفٍ، وخشيته لو شَرَع بالحديث في سيرة الجارية نسيم الليل وما رافقها من شظايا صور تتبلور وتتلاشى لفتح على نفسه باباً لن يُغلق، لكنه من جهة أخرى وعى عاقبةَ الهروب من الحقيقة، ماذا لو كانت الأميرة على صلة بالآلهة وتعرف ما دار وأنها تدعي الوثنية كي تخدع من حولها وتسبر غورهم؟ ظل حائراً بين نظراتها إليه وابتسامتها ذات المغزى الجلي، وأخيرا حسم أمره وقال بنبرةٍ اكتست بالاستسلام.
"أنا مريض سيدتي وأظن أني على وشك الجنون"
قهقهت مستسلمة هي الأخرى وقالت وهي تسحبه من يده.
"أنت مجنون بحبي سنمار"
خرجت من البهو يتبعها الإخباري مشيرةً للحارسين بالخارج ألا يتبعاها.
"سأريك الآن الجنون بعينيه يا..."
سكتت برهة متأملة ثم استطردت.
"يا لص القمر"
*من رواية لص القمر* منعت في بعض الدول العربية



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن