إيليا إيرنبورغ : كاتب المقالات الأعظم

جودت هوشيار
jawhoshyar@yahoo.com

2020 / 3 / 26

ايرنبورغ صحفياً

حين شن الجيش الهتلري هجوماً واسعاً على الأتحاد السوفييتي في 21 حزيران عام 1941 ، توجه مشاهير الكتّاب والأدباء السوفيت الى مقرات الصحف السوفيتية الكبرى ، للعمل كمراسلين لها . يقول إيرنبورغ في مذكراته الرائعة " الناس والأعوام والحياة " أنه ما ان سمع من الأذاعة خبر الهجوم الألماني حتى هرع الى إدارة صحيفة" كراسنايا زفزدا " أي " النجم الأحمر" اليومية الناطقة بأسم وزارة الدفاع السوفيتية ، وقال لرئيس التحرير : " اضع نفسي تحت تصرفكم للقيام بأي مهمة في جبهات القتال " . وهكذا أصبح مراسلاً حربياً للصحيفة ، وشارك في تغطية المعارك الكبرى بين الجيشين السوفيتي والألماني . ولم يكن يبعث بالأخبار الحربية الساخنة فقط ، بل أن جل إهتمامه إنصب على استنهاض همم الشعب السوفييتي وخاصة قواته المسلحة . كان يكتب أكثر من مقال يومياً ، ينشر على الفور في الصحف المركزية " برافدا" و" ازفيستيا" و" كراسنايا زفزدا" . ويذاع أيضاً من محطات الأذاعة باللغة الروسية .

وكان يكتب في الوقت نفسه مقالات للمحطات السوفيتية الناطقة باللغات الأجنبية ، وخاصة تلك الموجهة الى الرأي العام الغربي. فقد كتب مقالات عديدة لمجلة "تايم" وصحيفة" نيويورك تايمس " الأميركيتين ، وصحيفة " التايمس " البريطانية . وكانت وكالات الأنباء العالمية توزع مقالات ايرنبورغ على آلاف الصحف الورقية في انحاء العالم . فعلى سبيل المثال ، كانت وكالة " يونايتيد بريس " الأميركية توزعها على أكثر من ( 1500) صحيفة ورقية .

عاش ايرنبورغ الجزء الأكبر من حياته في باريس والعواصم الغربية الأخرى مراسلا لصحيفة " ازفيستيا " ، ويعرف ثقافة الشعوب الأوروبية معرفة عميقة ، لذا كانت المقالات الموجهة الى الغرب ، تختلف عن تلك الموجهة الى الشعب السوفيتي .

كان المواطنون السوفييت وخاصة أفراد الجيش ، يتلهفون لقراءة مقالاته أو سماعها من محطات الأذاعة المركزية . كان ايرنبورغ يسخر في مقالاته من جنود هتلر ويتهكم عليهم . ولقد شاع لقب ( فريتس ) الذي اطلقه على الجنود الألمان ، وانتشر يسرعة ، كما النار في الهشيم عبر سلسلة مقالاته " فريتس الفيلسوف " و" فريتس الكاتب " و" فريتس البيولوجي " و و" فريتس المؤرخ " و" فريتس المتهتك " و" فريتس الرقيق" . كان الضباط السوفييت يقرؤون مقالاته على الجنود قبل بدأ المعركة . ومن الطريف ، ان السجائر لم تكن متوفرة للجنود في جبهات القتال ، لذا كانوا يلجؤون الى صنع ( سجائر اللف ) من أوراق الجرائد . وقد أصدرت قيادة احدى الفرق العسكرية أمراً ينص على جواز استعمال ورق الجرائد للف السجائر ، ما عدا تلك التي تحتوي على مقالات ايرنبورغ .

كان تأثير هذه المقالات قوياً الى درجة أن هتلر أصدر أمراً بإعدام إيرنبورغ فور دخول الجيش الألماني الى موسكو .ولكن حلم هتلر تحطم على أبواب مدينة موسكو البطلة .

كان ايرنبورغ اللسان الناطق للشعب السوفيتي - المتعدد القوميات والأديان - وسلاحه الفكري والنفسي البتار ، لذا خصصت الحكومة السوفيتية قوة لحمايته من أي إعتداء قد يقوم به عملاء هتلر الذين كانوا يخططون لأغتياله . مقالات إيرنبورغ خلال سنوات الحرب الدامية بين الجيشين السوفيتي والالماني - الذي يطلق عليه الروس اسم " الحرب الوطنية العظمى " – يربو عددها على ثلاثة آلاف مقال - جمعت في ثلاث مجلدات ضخمة وصدرت في عدة طبعات . كل مقال منها نموذج لا يجارى للمقال الصحفي الجاذب ، بجمله القصيرة كالطلقات وافكاره وصوره ه المؤثرة في العقول والنفوس . فهو بحق كاتب المقالات الأعظم دون منازع بين الكتّاب الذين يشكل المقال جانبا كبيرا من أعمالهم ، وهويستحق هذا الوصف أكثر من جورج أورويل .
كان ايرنبورغ يعتقد أن المادة الخام للصحفي والكاتب هي من منبع واحد وهو الحياة وإن اختلفت في الصياغة لدى كل منهما .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن