وهم القوامة الإسلاموي والعوكة النّسوية

زاهر رفاعية
zaher.refa@gmail.com

2020 / 1 / 3

بقلم: زاهر رفاعيّة "الباب الخلفي"

لا أجزم ولا أنفي إن كان الإسلام قد كرّم المرأة أم لا, ولكن الّذي لا لبس فيه أنّ رجال الدين الإسلامي قد حجّموا دور المرأة في المجتمعات العربيّة والشرق أوسطيّة عموماً, وتتضح بداية هذا التحجيم الممنهج مع بداية تأسيس بريطانيا وفرنسا لأنموذج المجتمع العربي الإسلامي في المنطقة العربية بعد تخلّي العثمانيين عن العرب و تركهم لمصيرهم , وأيضاً تمهيداً للانتداب العسكري الغربي المرتقب طمعاً بالثروات العربية وكسوق تصريف للمنتجات الأوروبية, بالإضافة لتهيئة الجو العربي المحيط بدولة الصهاينة المرتقبة.
وكلّ ذلك عن طريق دعم الحركة الوهّابيّة كممثّل أوحد للإسلام في المجتمع البدوي العربي بالإضافة لدعم التيّار الأزهري المصري في وجه حركات النهضة العربية الفتيّة آنذاك "كقاسم أمين والكواكبي" وقد جمع هؤلاء المفكّران ويا للمصادفة أمران هما : تيار التنوير والتجديد في الدين والمجتمع وخاصّة تمكين المرأة في الحكم والعلم, والموت الغامض بعمر شابّ نسبيّاً في فترة متقاربة بين عامي 1900 و 1905 م! "
كان الغرب يدرك تماماً أن إضعاف أي مجتمع يعتمد على تحجيم القدرة الإنتاجيّة لهذا المجتمع, وأي تحجيم أكبر من أن تنتزع من القوّة العاملة والمفكّرة نصف تعدادها وترميه لمهمّة واحدة كأنّه خلق لأجلها لا غير وهي إنجاب الأطفال وإعدادهم على الشكل التالي: الأولاد الذكور للعمل والتكاثر أمّا الإناث فلخدمة الذكور وإنجاب الأطفال .. وهكذا دواليك .
حالة المدجنة العربية هذه عملت عليها بريطانيا وفرنسا عن طريق دعم اتجاهات فكريّة في الإسلام ضمن المجتمع العربي الجديد كان قد طواها النسيان واعتبرت من مخلّفات عصر التسلّط العثماني على الأمّة, كالظاهرية والتيمية والسّلفيّة, بدليل أنّه في الوقت ذاته الذي مات أو قتل فيه المجددون العرب المسلمون وتمّ إخلاء السّاحة ليقظة الراديكاليّة و القمع الديني في المنطقة العربية, كانت الأمّة التركية قد لحقت بالرّكب العالمي وقطعت علاقتها بالإسلام العروبي الناشئ حتى بأحرف كتابة المصحف .
كما ظهرت آنذاك دعوات تركية لفهم أوسع للإسلام وقد لاقت رواجاً منقطع النظير حتى يومنا هذا, سواء في الداخل التركي العلماني الأتاتوركي, أو في المذاهب الصوفيّة للإسلام التركي المقبولة عالميّاً والبعيدة عن الغلو والعنف الراديكالي كالبابيّة و البهائيّة.
وبذلك فشل الغرب في تجهيل الأتراك وسلبهم مكوّناً أساسيّاً من مكوّنات المجتمع, فترى المرأة التركية اليوم ممكّنة في جميع مفاصل المجتمع, وتعتمد عليها الأمّة في حمل المسؤوليّة الملقاة على عاتقها كامرأة وكفرد فاعل في المجتمع, ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها.
أمّا عند العرب فقد نجحت الخطّة الغربية, وسادت في المجتمع آيات القوامة وقرن في بيوتكنّ, مع أنّ الآية موجهة لزوجات النبي لأنهن ببساطة حالة خاصّة ضمن المجتمع الإسلامي في عصر النبوّة, إلّا أن تركيز الدّعاة الوهابيين والأزهريين على الجانب الذكوري في فهم الآيات بالإضافة لمخاطبة روح البداوة في الإنسان العربي وربط القيم البدوية الرفيعة كالشرف بالأعضاء التناسلية لإناث المجتمع أتت أكلها وزيادة, وتخلّص الغرب من القوّة الناعمة في المجتمع الشرق أوسطي, ولم تعد الأنثى العربية المسلمة تشكّل خطراً على الغزاة بعد ذلك, لا من خلال القتال المباشر ولا التطوير المجتمعي والعلمي ولا حتّى بالمشورة على الرجل في تكتيكات استراتيجية مجابهة الغزو الثقافي والعسكري للمنطقة العربية.

قبل مطلع القرن العشرين كانت الجامعات في أوروبا كالحانات مخصصة للرجال فقط, وعلى الرّغم من تبوء النساء لمناصب ملكيّة قبل ذلك العصر بكثير فقد كانت الأوجه الملكيّة النسائية وراثة أو بالزواج ولم يكن هناك من ذكر لنساء متفوّقات بذواتهنّ في الميدان العسكري أو العلمي يذكر.
ولكن مع مطلع القرن العشرين أخذ الغرب يتبنّى شيئاً مما يمكن أن يسمّى التقدّم الموازي للتقدّم العسكري , وذلك بترسيخ العوامل التي تؤدي لرجوح كفّة مجتمعهم على باقي المجتمعات التي سيرثها الغرب عن السلطنة العثمانيّة بعد بضعة أعوام, ومن إحدى ركائز هذا التقدم كما أسلفنا في الجزء الأوّل كان تحييد المرأة العربيّة المسلمة عن المشاركة في الدولة والمجتمع, بالإضافة لاغتيال وإسكات الأصوات التقدّميّة في المجتمع العربي الإسلامي كقاسم أمين والكواكبي! في الوقت ذاته "1900م" شهدت جامعات ألمانيا أولى الطالبات الملتحقات بالمقاعد الجامعيّة بعد أن كانت عبر التاريخ مكاناً مخصصاً للرجال. أي قبل عامين من تأسيس الدولة السعودية 1902 م الجديدة التي لا تزال تقمع النساء العربيات المسلمات إلى يومنا هذا.

عام 2019 وبعد قرابة 120 عاماً على التحاق الطالبة الألمانيّة الأولى بالجامعة, فاقت نسبة الإناث في الالتحاق الجامعي نسبة الذكور بقليل ولأوّل مرّة في التاريخ, وبحسب الإحصائيّة الألمانيّة كانت نسبة الذكور في المقاعد الجامعيّة تفوق ال75 بالمائة عام 1947 بينما تقلّ نسبة الإناث عن 25 بالمائة !
*WBS GRUPPE STATIKA
وعلى المستوى السياسي شاركت النساء في ألمانيا بالانتخاب والترشح بداية من عام 1919 أي في نفس الفترة من سيطرة الدولة السعودية الجديدة على كامل منطقة نجد , والتي منعت النساء حتى من قيادة السيارة إلى وقت قريب.
مضى هذا التوازي في تجهيل المرأة العربية مع إثقال كاهل معيلها الذكر, وذلك كان موجّهاً من الغرب المستعمر بدقّة نحو الرّجل البدوي المهيأ نفسياً للثراء القادم, حتى ينغمس في النعيم ويتشتت في المسؤوليات النسائية ولا يفكّر سوى بقمع أخته والإنفاق على زوجته , والأهم كي لا يسخّر أموال البترول لإقامة نهضة حقيقية لمنطقته وبني أمّته, كما في حالة عدنان خاشقجي الملياردير السعودي ونجل الطبيب الشخصي لمؤسس المملكة السعودية , ويمكنكم البحث عن هذه الشخصية في الانترنت فلا أريد الإطالة.
وبمنهجيّة رصينة عمد الغرب من خلالها تلقين الذكر العربي ضرورة تولّيه أمور نساء قبيلته أو عائلته في المأكل والمشرب والملبس والتفكير والتخطيط و الدفاع والقتال والتطوير والتحبيش والتنبيش والتقبيش الخ الخ ... حتى وجد الرّجل العربي نفسه محاطاً بكافّة المسؤوليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولكنه لا يقوى على فعل شيء في مواجهة أنظمة غربية غاشمة تسخّر حتى أدمغة الدجاج والأرانب لديها كي تضع خطة نهب الأمم الأخرى على الأقل مائة سنة لاحقة.
وبذلك ضمن الغرب أن الرّجل العربي لن يجد الوسائل المتاحة من مال ووقت وجهد للتقدم بأمّته والتفكير بنهضتها , لأنّه مستنزف بالخوف على أصابع رجل أخته من غدر عيون الغرباء, وبالإنفاق على زوجاته الأربع وأطفالهنّ الخمسون "الموحّدون لله من خير أمّة أخرجت للناس... " , وكلّ تلك القبيلة لا تساوي ثمن صاروخ موجّه يتعلّم مبادئ صنعه والتحكّم به فتاة يافعة في كليّة الهندسة التقنية في أصغر جامعة غربيّة! ..
مائة عام من ثقافة العورة, مائة عام والمسلمون يحررون المولودات من الوأد في الأرض إلى الوأد في المطبخ وغرفة الفراش, مائة عام منذ أن بعث المستشرق الفرنسي رينان لسادته في الغرب ملاحظاته حول شخصيّة الرّجل العربي, وإلى اليوم لا زال العرب يعيشون على أنغام ريشة رينان.
وقد يجزم البعض أنّ الإسلام قد كرّم المرأة, وقد يكونون على حقّ, ولكن المسلمين ولاسيّما العرب منهم قد أهانوا المرأة وحقّروها وحجّموا دورها ونصّبوا الذكّر وصيّاً على أفعالها وأقوالها, وحرموا المجتمع العربي من المؤازرة المنشودة من العنصر النسوي في السياسة والمجتمع, ولم يستطع الذكر أن يلبي كافة المطالب لنهضة الأمة بسبب تراكم المسؤوليات الشخصية و المجتمعية على عاتقه, فكانت الكارثة! وكان للغرب ما يروم ...
"ما أفلح قوم ولّوا أمورهم امرأة" "الرجال قوامون على النساء" "وقرن في بيوتكنّ" "أو لامستم النّساء" "فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ " .. وغيرها الكثير من الأمور التي ركّز عليها خطباء المساجد وأئمّة الجهل منذ احتضار السلطنة العثمانيّة حتى يومنا هذا, مدعمين مواقفهم بأن خطة الغرب لتدمير العرب والإسلام تقتضي أن تحصل المرأة المسلمة على حريتها ... والحقيقة تكمن في العكس تحديداً, فخطة الغرب كما رأينا تقتضي بالضبط أن تبقى المرأة المسلمة على وضع الإسبات التي هي عليه , هذا على فرض أن الغرب بحاجة لأن يضع خطة تجهيل للعرب المسلمين بعد اليوم, وبعد ان خطط العرب المسلمون لأنفسهم أقسى الفخاخ في التاريخ (أترضاه لأختك)
أما التحرر المزعوم فقد وقع في فخّه المسلمون والعلمانيون العرب على حدّ سواء, فبدل أن نرى الفتاة العربية -دون تعميم- حين تهاجر لبلاد الغرب وبدل أن تنزع الأغلال وترفق بالرّجل العربي المسلم المتعب من التجهيل وتحاول النهوض بنفسها وبمجتمعها عن طريق الفهم والتنوير, نراها تخلع لباسها الداخلي على الهواء مباشرة موهمة نفسها والأخرين أن التحرر هو التحرر من اللباس, مع أنّ اللباس مسألة شخصية لا تدخل في حسابات التقدّم والتخلّف, ولا في حسابات القوّة والضعف عند الأمم, ولكن بسبب جهل الأئمة والخطباء الذين اختزلوا شخصيّة المرأة العربية المسلمة في نوع اللباس الذي ترتديه, وذلك عبر سنوات بل وقرون طوال, قد ترك في شخصية المرأة المسلمة حقداً على أخيها الرّجل العربي المسلم, تجلّى في الانتقام منه بعرض محاسن جسدها على الهواء مباشرة ليراها و يستمتع بها كل ذكر حول العالم, لأنّها تعلم كما علم الغرب من قبلها, أن الرّجل العربي المسلم لا شيء يؤذيه أكثر من رؤية رجل من أمّة أخرى لجسد بنت قومه, لا شيء... ولا حتى مجازر صبرا وشاتيلا... مع دير ياسين ...
عام 2011 وأثناء إحدى المظاهرات المناهضة لحكم الطغاة, صدح صوت المكبّر بعبارة " البيت للنسوان والشارع للأبطال" وكان الهدف منه حثّ المتخاذلين في بيوتهم على النزول للشارع والمشاركة في الاحتجاجات, تصوّرت للوهلة الأولى -وقد كنت في الصفوف الأولى للمظاهرة- أنّ أحداً لن يردد الهتاف خلفه, لاسيّما وأنّه كان بالفعل معنا الكثير من النساء في المظاهرة, ولكن أمالي باءت بالفشل, وصار شعار "البيت للنسوان والشارع للأبطال" رمزاً من رموز الثورة السورية, وبذلك ضمن الطغاة كما ضمن المستعمر من قبلهم مكوث نصف المجتمع في البيت يطبخ ويغسل الثياب والصحون وأمرك ابن عمّي .
القائمة تطول ولكن الإطالة مبعث الملل, والحال تحت الحضيض بقليل, والأمل ينتزع انتزاعاً, والأمنيات كلها بالخير, وربّما سيكون للحديث تتمّة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن