الشاعر سعد نعيم ذهب سعد القصيدة ونعيم الشعر وذهب القوافي الحلقة الثانية

سعدي جبار مكلف
saadimek@yahoo.com

2019 / 11 / 7


ناي من الجنوب مجبول بحب الحنين والحسرة واللوعة والأسى ، شاعـر شـاب بكل ما تعنيه صفات الشاعر ، يكتب الحانه من أعماقه الحزينة البائسة ليرسم صورا شعرية تحاكي المستمع وتعيش معه زمنا طويلا مع خلجات روحه وحزنه وبؤسـه ، يكتي بشوق هديل المحبة وصلة الرحم لناسه وطائفتـه ويعيش بمحراب الحنان الـذي يربطه بكل ما هو إنساني،فأبدع بهذه الطائفة النورانية تفاعل مع الحياة بكل شمـوخ وكبرياء وترك بصمة واضحة بمسار الشعراء المندائيين المحدثين من عائلة جميعهم شعراء محنكين يصوغون الكلمة لتترك صرخة مدوية وبصمة في سماء الشعروكما قال الحكماء والفلاسفة ( كل شيء في طريقـه للـزوال بإستثناء الإبـداع والشعر الذي يظل مشعلا يمنح العطاء بعد رحيل صاحبه) وشاعرنا اليوم كبير السعادة نعيم الحياة ذهبي الأصل خالـد الكلمـات إنـه الشاعـر{ سعد نعيم ذهب } شاعـرا كبيرا رحمه الله تشهـد لـه جميع قصائـده التي تركها لنـا وحصلت على قسم منها فهو يكتب الإبوذيـة والزهيـري والقصائـد الطويلة ويرتجل أيضا كثير من الأشعار والتي تنـم عن قابليـة في كتابة الشعـروبرؤية شفافة واضحة المعاني والحّس والإدراك سلك طريق غيـره من الشعراء الكبار فوضع بصمة واضحة ، حيث لكل شاعر صفة واضحة يضعهـا على سفر حروف قصائده ليجعل منها عائدية تامة له يمكن التعرف عليه من جـراء قراءة ومطالعة نصوصه فنلاحظ شعر الشاعر( سوادي چثير) يحتـوي على التهجـم الشديد بينما الشاعر ( درويش ) يحوي رائحة البرتقال وكذلك شعر( النواب ) حيـث يختـار أبطـال قصائـده من الأحـداث الإجتماعيـة وقـادة الثـورات ضد الظلم . وهـذا شاعـرنا الكبير ( سعد نعيم ذهـب ) رحمه الله يمتلك من اللغـة الكثيـر حيث يستخدم بعض الكلمات من اللغة المندائية الحبيبة ويضعها في المكان المناسب لتصدح وتشع نـورا بهيا وعطرا وافـرا يستمر ويتـألق مع مـرور الزمن ، شاعرنا الجنوبي شاعـر المواقف الحاضر الإرتجال البديع الزاهي فهو طيرمن الجنوب يعـزف على ناي من الحزن بإبتسامة كبيرة وفرح وسعادة من أجل الاخرين ، علمي المنطق سهل الطرح والفهم تعمـّد بالماء الجاري وردد العهد للإخوّة والمحبة والصدق وإتخذ من الشمـال قبلة له ليسير في ركب النوارس البيضاء المسالمة الوفية المعطاء أصحاب القامـات العاليـة وبيـارغ التآخي الإنسانـي ، جميع الشعـراء القدمـاء من المندائييـن أهل شجن ونـواح إذ تجد هاتيـن السمتيـن تطغيـان على كل شيء في حيـاة النـوارس البيضـاء المسالمة النورانية حتى في غنائهم وفي مواسم أعيادهم وفي مناسبات الفرح نجدهم لا يعبرون عن الفرح بكلمات تنم عن الإنشراح وطيب الخاطر وإنما تبقى مفرداته هي نفسها التي يعبّر فيها عن حزنـه وأنينه الدائمين.. الحـزن والشجـن هما صفتان للشعر التراثي المندائي، إن الحياة والبيئة والعيش في تلك الحقبات الزمنية فرضت هذه الأمـور القاسية فباتت معهم بصورة دائمية عشقوها وتغنوا بها ، لم يتنـاول أي باحث أو كاتـب دراسة الأرث المندائي العظيم من خلال الأشعار التي وصلتنا وقـد كتبـوا شعرائنـا بمختلف أنـواع الشعر الشعبي من الإبـوذية والدارمي ومن أصعـب الكتابات هي في الزهيـريات وفي هذا المقال أتناول الشاعر الكبيـر المرحوم (سعد نعيمذهب ) الذي لم يصلنا من شعره إلا القليل لقد غادرنا المرحوم الشاعروهو في ريعان الشباب ، إن شاعرنا الخالد طيب الذكر والمعشر سريع البديهية ذات أخلاق عالية هاديء الطبع رقيق المشاعر... لقد إختطفته ايادي القدر في عز شبابه ، رحل وترك قلوبنا حزينة من ألم الحزن والفراق ، كتب المرحوم الإبوذيّة والزهيري كما ذكرنـا في الحلقـة الإولى وكتب القصائـد الطويلـة وهـذه الميزة ينفـرد بها الشعـراء العظماء الكبار ويكادالمرحوم ( سعد ) الوحيد الذي كتب الإبوذية بأكثر من عشرة أبيات ..لنعيش لحظات في قراءة بعض المقاطع من قصيدة التجليبه اتي تخاطب بها المرحوم ( رسول لفته ذهب )
أجلبنك يليلي والدموع أنهـار
وزفيري من الگلب ليهوب مثل النار
إبموتـة إبو سعيد حاير ومحتأر
بس أصفگ بدي شي ايرده ويجيبه

إبو سعيد إمعـدّل لو حچه إبديوان
إمراضيهه كلهه الزلم والنسـوان
عمت عيني من أشوف إمعزّل الدكان
گلبي إبسيف تتگطع شراشيبه

ندمان وحزين وحاير إبفرگـاك
وأنـه المعتاد ما أسلك بليـّاك
متعلم تجي كل يوم وأتلگاك
إبو سعيد محنـّه يفيض ترحيبـه
يكتب شاعرنا الشعـر بلغة مفهومة سهلة للمستمع قوية اللغة كبيرة الموسيقى خالية من الوقفات والعثرات ..كلمات شاعر مقتدر تطاوعه الحروف التي يكتبها ويسطرها ..يرسم صور شعرية واضحة المعالم يشع منها الحزن والشجن والألم وهـذه هي ميـزة الشعـر الشعبي العـراقي ...وتهـب ريـاح النهـاية وتأخـذ معها كـل الذكريـات والهـواجس والأمنيـات ..يترنـم بمرسى الأخوة وصلة الرحـم القوية التي تربطه بناسه وطائفته لم يذق السعادة ولا تحفظ له الذاكرة الشعرية أي لحضات فرح وكأنه على موعد مع النهاية والموت والوداع كان يعيش هموم الآخرين يضيفها الى أشجانه وشعوره الإنساني والحياتي،لقد ماتت كل مواسم الشعروتأخر المطروإرتدت الوجوه الحداد ، لقد كان أبجدية الشعر الشعبي المندائي الحديث بدون منازع توارثه عن عائلة عريقة مثقفة جميع أبنائها فطاحل الشعر المندائي الراقي في هذه القصيدة حوّل مفـردات الرحيل والنحيب والبعـد والهجر والشتـات الى صور شعـرية كبيـرة تشع منها كـل الإخوّة والوفـاء والحنيـة والذكرى .. حوّل جميع هـذه المفـردات الى قاموس شعري ثري العطاء عظيم المحتوى والموضوع ، قاموس حافل غني أنيـق من المديح والثناء الجميل الرقيق ..فكانت كلماته لحنا خالدا وفيا ..
أجلبنك يليلي وگلبي ينـزف دم
عله إفراگ الأحبه هواي متألم
أظل طول العمـر حزنان متـالم
ومرضه بالگلب صعبان تطبيبه

انه إمضيّع عزيز البينكم يحباب
وامضيّع رسول وخوّة الأصحاب
حلاة اللي يفارگ كون عنده اسباب
چـا شنهـو السبب بجفـاك گلّي بـه
وقد كانت عباراته إضاءات عالية زاخرة بالمعاني الوجدانية الحقيقية وهذه صفات الشاعر العظيم الواسع الإحساس والمتفحص للنص الشعري بعين الخبير الذي يملك خبرة لغوية واسعة ومهمة يتداولها في نصوصه ،لقد كان في جميع كتاباته كالإبوذية والزهيريـات والقصائـد الطويلـة التي إمتـاز بها وهـي موضوع هذه الحلقة يحلق في سماء الحزن والدموع والذكرى ويبوح بأسرار إشتياقه وهيامه وذكرياته ..
يبو سعيد سوالف إلي وياك إهواي
يا حلو المحاچي وبـالأخص وياي
چنت من نتسامر تفتره دنيـاي
چـا گلّي إشگد شايل وفه وطيبه
يبو سعيد أبد متروح وتغـادر
تظل بيناتنه وشخصك يظل حاضر
انته البيـرغ اللـي يجبـر الخـاطر
الشباب إتخذتك نبـراس والشيبه
لقد دوّن هذه القصيدة الماحمة بتاريخ 17 / 9 / 1992 كانتقصة من المأساة يفوح منها عطر الإخوّة والقربة وصلة الرحم وهذه جميعها مؤشرا على وفاء شاعرنا رحمه الله .
القصيدة الكبيرة الواسعة الأطراف والمحتوى صعبة الكتابة والمغامرة بها لإنها تحتاج لإفق شعري وخزين لغوي متباعدد الأطراف مركز المعاني يدل على إطلاع الشاعر وإمكانيته وكبريـاء وشموخ شعره ، في القصيـدة الثانيـة التي قالها المرحوم في وصف أحد رجال الدين وهو الشيخ ( خلف عبد ربه – أبو زيدون ) لمواقفه المعروفة بعمل الخير من أجل ناسه حيث يقول في مقدمتها ....
إلك حب بدليلي هنا .. يبو زيدون
عون العاشرك شيخ ولإلك ممنون
شيخ إموّقر.. ابحچيك إلك ميزان
مـن تگعـد وتتكلـم وسط ..ديـوان
انته إمعّـدل اليسمعك قاصي ودان
نتلمـس إبحديثـك حچـي.. موزون
إلك حب إبدليلي.. هنا يبو زيـدون

مسرورين من يـوم الوصلت الدار
بعقوبه إرتجّـت والحشرتك ذي قار
صرت للطـائفه.. ابهاليوم إبناً بـار
إلـك برگابنـه ليوم الحساب إديـون
إلك حب إبدليلي ...هنا يبو زيدون
لاحظنا الكلمات فإن شاعـرنا يمتلك ناصيـة الشعـر وسلطانها دون منافس على الساحة المندائية ، حيث يمتلك ملكوت الشعر بالفطرة ..صنع الشعر وتذوقه وسمعه من الآباء والأجداد ، حيث كتبه منذ صباه وشبابه في بيئة عائلية إجتماعية تتنفس الشعر وتقدر الشعراء وتشتهر بكثرة شعرائها العظماء الكبار فمنذ شبابه كتب الكثير من الشعر الإرتجالي ...
ولو ادري الصعوبه العارضوك إكثار
بـس أفعـال كـل رجـلاً ...كبيـر إكبـار
الديـن إنـدفـن.... لـو مـا همـة الأخيار
وابنـاء التـراث أجدادنـه .....يحيـون

آنه إبمجلـس ديالـى إمكيـّف ومـرتـاح
يـا شـدّة ورد منهـه العطـر ....فوّاح
عله المنـداي نـور.. الدين هـّل ولاح
يصطفون .. ويرشمون .. ويبرخون

والفـرحـه الچبيـره .. إبفتحـة المندي
يسـوّه الدنيه يا حضرات الخير عندي
بعد هـالديـن....... آمن جدّك وجـدّي
يديـن المعـرفـه.. وبسملتـه إشميهـون

يـدين آدم وبيـّه .... آنـه من نسل آدم
سلام وعلـه گلـوب الناس سال وعّم
نظـافـه وهيمـنوثـه ..وگصه بي تلتـم
ومـن كـل فاحشـه أبنـائنـه إيصونـون
إن مقدرة الشاعر الموروثة من العائلة الكريمة الذين يتصفون أغلبهم بقول الشعـر منذ القـدم ..إن قـول الشعر المبكـر الناضج الجميل ، حيث كان معروفا بإرتجاله الشعر في جميع المناسبات لذا كان يعرفه الأصدقاء والمعارف حيث جعل منه شاعرا بشق طريقه في هذا المضمار الصعب بثقة وإقتدار ويبسط أشعاره وسلطانها على قلوب السامعين ....
يـا محلـه الحياة من أبـرخ..وأرشم
ومن ريهـات هيـي إمعطـّر وأشتـم
بشمـات هيـي ربي اخالق الأعظـم
نبـدي والبدايه أحسن كـلام إيكـون

والتعميـد للمنـداي .... ركـن هـام
نبـرخ ابيـردنـه...المصبتـه بهـرام
نتعمـد ونبـرخ ... والصيـام إلـزام
بـالت,حيـد والـزدقـه ملينـه الكـون
نلاحظ إستخدامه بعض الكلمات من اللغة المندائية ويسخرها ضمن السياق العام للقصيدة دون أي خلل أو نقصان بل عكس ذلك زاد توازن ورقـّة الكلمات وشموليتها كانـت البساطة المفهومـة رمـزا ومسرحـا لشاعريـة ( سعد نعيم ذهب ) فدائمـا سيـد المعاني ونعيم الطرح وذهب السطوع والديمومة ( هيمنوثه – بشميهون ) ...الخ من المفردات المندائية الجميلة ضمن السهل أن تستمع وتستوعب صوره الشعرية ...
يا المنداي صلب الدين خمس أركان
إتخذنـاهه وحفظنـاهه سدى وعنوان
إبكتـاب الگنـزربـا إيگوله الرحمـان
نتقيـّد جميعـاً ...نلتـزم وانصـون

يريت إنسافـر لبعقـوبه ... ونعيّد
ونبـارك أيـادي .. التبنـي واتشيـّد
والزاد الفخر مجهود .. إبو هنيـّد
نشاطه وهمتـه إتعادل ألـف مليـون

والإخـوان بالمجلـس... الروحـاني
السويتو اسرنـي إهـواي أرضـانـي
عـاجـز عن شكركـم عـاجـز إلسانـي
والـديـن إبـإسمكـم مـزدهـر مصيـون
نلاحظ أن الشاعر يستخدم لمه في كتابة مقدمة لقصائده قوية جداً وتستمر هذه القـوة والمتانـة على طول مجريـات الصور الشعريـة حتى النهاية ويتوجه بوصف رائع يوزعه على جميع مسرى الكلمات ببراعة يراعه الكامل المتعشق لكل ما هو جميل وحسن ، فهو ينتقل من وردة الى أخرى بين باقات وروده التي يقدمها الى المستمع وهكذا يبقى الحزن والشجن صفتان لشعر هذا الشاعر الكبير.
لنا لقاء معكم في الحلقة الثالثة



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن