التظاهرات في العراق ... ثمة تساؤلات مشروعة؟

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2019 / 11 / 5

مرة أخرى يندلع لهيب العراق بمظاهرات ساخنة منذ الأول من شهر تشرين الأول في مدينة بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق , مطالبة بأبسط حقوقها التي كفلتها لهم قوانين الأرض وشرائع السماء المتمثلة بتوفير العيش الكريم وفرص العمل اللائق الذي يحفظ لهم كرامتهم وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية والرعاية الإجتماعية المناسبة في بلاد حباها الله بالخير العميم الذي يحسدها عليه الكثيرون, بعد أن طفح كيل حكامهم الفاسدين والمفسدين الذين أوصلوهم إلى سدة الحكم , وذاق الناس بهم ذرعا حيث فقدوا صدقيتهم جراء وعودهم الكاذبة بمحاربة الفساد والمفسدين وإستعادة الأموال المنهوبة , بينما يزداد الفساد ويتفشى في جميع مفاصل الدولة وقطاعات واسعة في المجتمع لدرجة يكاد ان تضمحل فيها الدولة التي عرفوها سنين طويلة بعد أن أصبحت الرشى ونهب المال العام من مفردات حياة الناس اليومية , بل الأخطر من كل ذلك إنهيار القيم الأخلاقية والقيمية في المجتمع في وقت تتعالى فيه الشعارات والخطب والمواعظ الدينية بصورة لم يشهدها العراق في أي وقت مضى.
ومرة أخرى تسعى أطراف وجهات سياسية مختلفة لتوظيف هذا الحراك الذي يحلو لبعض وسائل الإعلام وصفه بحراك الشباب العفوي , لتحقيق غاياتها ومآربها وهو أمر متوقع في هكذا حالات . وإبتداءا نقول يتوهم كثيرا من يصف هذا المد الجماهيري الواسع والتجييش الإعلامي الهائل , حراكا عفويا على الإطلاق وليس بعيدا عن الأذهان حراك "شباب الفيسبوك" الذي وصفوه حينها "بالربيع العربي" في بعض البلدان العربية الذي حركته جهات خارجية وداخلية في إطار الفوضى الخلاقة التي روجت لها الإدارة الأمريكية عند غزوها وإحتلالها للعراق عام 2003 وما آلت إليه هذه البلدان من دمار وفتن وصراعات ما زالت فصولها جارية حتى يومنا هذا . نقول لا توجد في السياسية التي تتداخل فيها المصالح وتتصارع الإرادات ما يمكن وصفه بالعفوية , بل هناك خطط تعد في السر والعلن وتنفذ في الأوقات المناسبة بعد تهيئة مطلباتها والظروف اللازمة لها . فهل يعقل أن مايحدث في العراق ولبنان دون غيرهما في آن واحد وبشعارات سياسية واحدة جاء عفويا ؟ .
وبصرف النظر عمن يحرك هذه المظاهرات , فإن ذلك لا يلغي شرعية مطالبها في كلا البلدين بل وفي جميع البلدان العربية التي تعاني من التبعية الأجنبية وإستشراء الفساد وتكميم الأفواه وإنعدام الحريات بدرجات متفاوتة. ولأن هذه التظاهرات ليس لها قيادة موحدة ولا تمتلك رؤية سياسية واضحة معبر عنها ببرنامج سياسي , فلا عجب أن نرى شعارات مختلفة يرفعها المتظاهرون , فالبعض يطالب بإصلاحات محدودة لتحسين أحوال الناس المعيشية ومحاربة الفساد وتعديل سلم الرواتب وما إلى ذلك, وآخرون يسعون لإصلاح النظام السياسي الحالي عبر تعديل الدستور وقانون الإنتخابات وإعتماد النظام الرئاسي بدلا من النظام البرلماني الحالي, بينما يطالب فريق ثالث بإقتلاع النظام السياسي الحالي من جذوره دون أن يقدموا صورة واضحة لمشروعهم السياسي المنشود .
لم يقدم ألمنادين بهذه الشعارات أية آليات لكيفية تنفيذ مطالبهم , فتعديل الدستور مثلا يتطلب موافقة أكثرية الشعب العراقي على أية تعديلات عبر إستفتاء شعبي لعموم سكان محافظات العراق بشرط عدم رفضها من سكان ثلاث محافظات . فهل هم حقا واثقون من عدم إعتراض سكان إقليم كردستان على إجراء أية تعديلات تمس جوهر مكتسباتهم التي حصدوها من الدستور المعتمد حاليا والذي لعبوا دورا أساسيا بإعداده وتشريعه وضمنوه فقرة بمساعدة إدارة سلطة الإحتلال بعدم المساس بمكتسباتهم التي ضمنها لهم الدستور بصورة لم يتضمنها أي دستور في العالم بتعطيل إرادة شعب بمعظمه إلاّ بموافقتهم . تشير جميع المعطيات أن إقليم كردستان الذي لم يشارك سكانه بهذه المظاهرات وتعلن سلطته مساندتها للحكومة العراقية الحالية , لن يوافق على أية تعديلات تعيدهم إلى حجمهم الطبيعي بوصفهم جزء من العراق , بينما هم اليوم يتمتعون بسلطة الدولة تماما وكأنهم دولة مجاورة للعراق ولا يعترفون بهويتهم العراقية ويؤكدون على هويتهم الكردية ,ويتصرفون بثروات الإقليم لحسابهم ويعقدون الإتفاقات مع الكثير من الدول دون الرجوع لحكومة المركز, ويتمتعون بنفوذ واسع في الدولة العراقية , بينما لا تمتلك الحكومة المركزية أية سلطة في الإقليم إطلاقا , والأدهى والأمر تتحمل الحكومة المركزية نفقات حكومة الإقليم ومليشيات البيشمركة التي يقال أنها جزء من منظومة القوات المسلحة العراقية ولكنها لا تخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة العراقية , بل تتلقى توجيهاتها من رئيس إقليم كردستان حصرا . وكذا الحال لمحافظات المنطقة الغربية وبقية محافظات العراق , إذ يكفي أن تعترض ثلاثة محافظات لتعديل الدستور إذا ما رأت بعض الجهات أن هذه التعديلات قد تقوض من مصالحها . وخلاصة القول هنا أن تعديل الدستور الملغوم بفقرة الثلاث محافظات المعطلة للتعديل تتطلب حصول نوع من الإجماع الوطني عبر حوارات هادئة ولا تحققه المظاهرات الصاخبة التي يمكن أن تحرك المستنقع السياسي الراكد. كما أن الوعود الحكومية المعلنة بتعديل الدستور ما هي الأخرى سوى ضحك على الذقون , إذ مضى أكثر من ستة عشر عام ومجالس النواب المتعاقبة لم تتمكن من إجراء أي تعديل ولو بسيط على الدستور على الرغم من وجود فقرة واضحة في الدستور تطالب بالتعديل , لا بل أن هذه المجالس الفاشلة لم تتمكن من تشريع قانون النفط والغاز الذي نص عليه الدستور بأنه ملك لجميع العراقيين , بينما تتمتع سلطات الإقليم بثروات الإقليم إنتاجا وتسويقا على هواها .
وهناك من يطالب بتعديل الدستور لتحويل نظام الحكم من نظام حكم برلماني نيابي إلى نظام حكم رئاسي دون أن يبين كيفية تجاوز ما قد يعترضه من معارضة شديدة متوقعة من جهات أخرى ترى فيه إضرارا بمصالحها, علما أن هذا المطلب ليس بمطلب جديد بل هو مطلب تبناه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الأسلامية في فترة رئاسته , وكذلك دعوته إلى الغالبية السياسية بدل التوافقية السياسية المعتمدة حاليا . وهذه الدعوة هي الأخرى يتوقه لها أن تصتدم بمعارضة كردية قوية ومعارضة المحافظات الغربية , إذ يخشى منها أنها قد تؤدي إلى هيمنة سياسيي مكون معين على زمام السلطة وتهميش سياسيي المكونات الأخرى . وهناك من يسعى لتقويض نظام الحكم الحالي برمته من منطلق تصفية حسابات خاصة به قبل أي شيئ آخر , ولا مانع لديه من الإستعانة بدول أجنبية ,وكأنه يعيش في الماضي دون أن يدرك متغيرات الوضع الداخلي العراقي والوضع الإقليمي والدولي الراهن متوهما بأن سوء الإدارة الحالية والفساد المستشري كافيان للإنقضاض على السلطة , دون أن يجري مراجعة وإعادة نظر بمجمل السياسات السابقة التي أفضت إلى ما آل إليه حال العراق .
ويتوهم كثيرا من يعول على إنقلاب عسكري لإستلام السلطة , إذ لم تعد السلطة محصورة بفرد زعيما أوحدا , يكفي قتله أو نفيه وإذاعة البيان رقم (1) لإنهيار السلطة , ذلك أن السلطة الحالية موزعة في أكثر من مكان ولدى أكثر من جهة , فضلا أن هناك جيوش عراقية وليس جيشا عراقيا واحدا وجميعها مدججة بالسلاح وإرتياطاتها متعددة , بدءا بالجيش النظامي وقوات الشرطة الإتحادية ومكافحة الإرهاب مرورا بقوات اليشمركة الكردية ووصولا لفصائل الحشد الشعبي. ناهيك عن قوات ما يسمى بالتحالف الدولي والقوات المسلحة الأمريكية الموجودة حاليا في العراق. وربما يتطلع البعض إلى تدخل الإدارة الأمريكية بهذا المسعى كما تروج لذلك بعض وسائل التواصل الإجتماعي.
يلاحظ أن بعض المتظاهرين قد إنحرفوا عن مسار التظاهر السلمي بالإعتداء على بعض الممتلكات العامة والخاصة والإحتكاك المسلح ببعض قوات مكافحة الشغب , وكذلك قيام بعض أفراد هذه القوات بالعنف المفرط وإستخدام السلاح ضد المتظاهرين, مما نجم عنه قتلى وجرحى من الطرفين لا مبرر لها ولن تخدم قضية أحد. وهو أمر طالما يحصل في هكذا حالات كما هو حاصل في تظاهرات هونغ كونغ وتشيلي ودول أخرى كثيرة . كنا نتمنى أن لا يحصل ذلك ولا نرى أن هناك ما يبرره. ولا يصح إبدا تحت أي مبرر قطع الطرق وسبل المواصلات الداخلية والخارجية وتعطيل عمل الموانئ والمنافذ الحدودية والمنشاءات النفطية التي جميعها تمثل عصب حياة العراق الإقتصادية, أو مهاجمة سفارات وقنصليات الدول الأخرى.
أن جلّ ما نخشاه الآن أن تتحول هذه المظاهرات إلى صدامات طائفية لا تحمد عقباها ولن تصب في مصلحة أحد , إذ بدت تتعالى بعض الأصوات الطائفية الكريه من هذا الطرف أو ذاك , بين طرف شامت بما آل إليه حال الطرف الآخر , وطرف محرض على شحذ الهمهم لمواجهة الطرف الآخر خوفا لما قد يلحق به من تصفيات . كما لا نرى مبررا لإستعداء وشيطنة دولة معينة بذاتها وتحميلها دون سواها بما آل إليه حال العراق , إذ نعتقد أن ما آل إليه حال العراق من سوء وتدهور وفساد , إنما يحق في المقام الأول على عاتق العراقيين أنفسهم قبل غيرهم هذا من جهة , كما أن الدول جميعها ( يبدو عدا العراق ) تسعى لتوسيع نفوذها وتحقيق مصالحها كلما أمكن ذلك من جهة أخرى . ونتساءل هنا هل أن إيران وحدها تتدخل بشؤون العراق ؟ ماذا عن الولات المتحدة الأمريكية التي لها أكبر سفارة في العالم وقواعد عسكرية في العراق وترتبط بإتفاقية أمنية مع الحكومة العراقية , وفوق هذا وذاك هي من إحتلت العراق ودمرت الدولة العراقية برمتها وسلمت زمام الأمور للحكومة العراقية منذ العام 2003 وما زالت تحضى بحمايتها شاء من شاء وأبى من أبى ؟ والقائمة تطول لتشمل المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات التي إنطلقت منها القوات الغازية بدعم وتمويل حكوماتها لإحتلال العراق وتدمير كل مقومات حياته , وإقتطاع جزء من أراضيه وحرمانه من بعض ممراته المائية للكويت دون وجه حق . ولم تكتف هذه الدول بما حل بالعراق من دمار بل راحت تمول وتدرب الجماعات الإرهابية وترسلها للعراق بهدف إشعال الفتن الطائفية التي ما زال يعاني منها العراق حتى يومنا هذا, وما حدث في الموصل وصلاح الدين والأنبار خير شاهد ودليل . ولا يختلف الحال كثير لبقية دول جوار العراق وبعض الدول العربية . وبرغم كل ذلك يتناسى البعض سلوك تلك الدول المشين تجاه العراق . أن ما أردنا قوله هنا أن ليس في مصلحة العراق إستعداء الدول وبخاصة في ظروفه الحالية , بل العمل على تعميق الروابط المشتركة معها من منطلق التكافؤ والتعايش السلمي وتبادل المصالح والكف عن إثارة الأحقاد والضغائن بين الشعوب تحت أي مسوغ إذ أن لا ذلك لا يصب في مصلحة العراق . كان الأجدر بالمتظاهرين التركيز على مطالبهم بالإصلاحات وصيانة وحدة العراق وإستقلاله بعيدا عن المحاور الدولية والإقليمية وبما يضمن حقوق شعبه من منطلق أن العراق أولا, أو في الأقل التعامل مع كل الدول التي أساءت للعراق والعراقيين بمكيال واحد.
وفي الختام نقول أن الصخب والضجيج الإعلامي لا يخدم القضية العراقية بل يزيدها سوءا وتعقيدا أكثر وبخاصة أن المشهد العراقي بات اليوم أكثر تشابكا وتعقيدا , حيث إختلطت فيه الأوراق وتداخلت الخنادق وإشتبكت المصالح . ومما يثير الإستغراب حقا أن الجميع حكاما ومحكومين يطالبون بالإصلاح ومحاربة الفساد وحرية التظاهر , وكأن الأشباح هي المسؤولة عن كل ما جرى ويجرى في العراق ولا يتحدث أحد من سينفذ برنامج الإصلاح وينقذ البلاد والعباد من شرور الفساد . ولا شك أن تشخيص المرض سيمهد الطريق لمعالجة المريض الذي نتمنى أن لا يكون مرضه من الأمراض المستعصية . وكإسعاف أولي نقترح تنفيذ الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية الإجراءات الآتية :
1. تشريع قانون إنتخابي على أساس الدوائر الإنتخابية المتعددة والترشيحات الفردية, بتكليف خبراء قانونيين مستقلين من ذوي الخبرة والمشهود لهم بالنزاهة والكفاءة , وعلى أن تجرى الإنتخابات النيابة على وفق هذا القانون بأسرع وقت ممكن.
2. تشكيل حكومة وطنية على وفق ما تفرزه هذه الإنتخابات من نتائج.
3. تكليف خبراء في القانون الدستوري لإعداد دستور عراقي جديد يواكب روح العصر ومتطلبات الدولة المدنية الحديثة بعيدا عن كل أشكال الإقصاء والتهميش, وعلى أن يتم إستحصال موافقة ما لا يقل عن نسبة ثلثي المشاركين في التصويت .
4. تكليف خبراء ماليين دوليين بتدقيق جميع حسابات الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية كافة منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , ومحاسبة المقصرين وكل من تسبب بهدر أو نهب المال العام قانونا لضمان إستراده بكل الوسائل المتاحة.
5.حصر السلاح بأيدي القوات المسلحة العراقية من جيش وشرطة وقوات أمنية فقط , وإنهاء جميع مظاهر التسلح الأخرى.
6. إخلاء جميع عقارات الدولة وممتلكاتها من جميع شاغليها خلافا لقانون بيع وإيجار عقارات الدولة فورا .
7. خضوع جميع المطارات والموانئ والمنافذ الحدودية لسيطرة الدولة حصرا.
8.إلغاء جميع الرواتب التقاعدية الممنوحة لأعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات , وأية إمتيازات أخرى ممنوحة لآخرين خلافا للقانون .
9. منع جميع من يحملون جنسيات مزدوجة من إشغال الوظائف القيادية والوظائف الحساسة في الدولة حاضرا ومستقبلا.
10. إصلاح منظومة والتربية والتعليم على وفق منظور وطني , بما يواكب تطور العلوم والمعارف المختلفة , ويلبي متطلبات الوطن والمواطن.
11. التأكيد على الهوية الوطنية وإشاعة ثقافة روح التسامح بين الناس ونبذ كل أشكال العنف والكراهية .
12. تنشيط عجلة الإقتصاد العراقي بشقيه الزراعي والصناعي بتوظيف موارد العراق المالية والكف عن سياسة الإقتراض من المصارف الدولية .
13. إبعاد العراق عن سياسة المحاور الدولية والإقليمية وعدم الإنحياز لهذ الطرف أو ذاك على حساب مصلحة العراق تحت أي ظرف كان.
14. تعويض المواطنين عن كل ما لحق بهم من ضيم وحيف عبر السنين المنصرمة وذلك بتوفير فرص العمل المنتج اللائق بهم , وتقديم كل أشكال الرعاية الصحية والإجتماعية اللازمة لهم .
وبذلك نكون قد وضعنا العراق في المسار الصحيح وتفادينا الإنزلاق في آتون الصراعات الدامية والفوضى العارمة التي سيحترق فها الأخضر واليابس وتزهق فيها أرواح الناس وتهدر ثروات العراق هباءا.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن