قراءة في تطورات ما بعد الاول من تشرين الاول في العراق

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2019 / 10 / 24

شكل حجم ومظهرية وأستقلالية التظاهرات الأحتجاجية في العراق يوم الاول من تشرين الأول 2019 وما بعده صورة مغايرة تماما عن تلك النمطية التي طبعت غالب الأحتجاجات الشعبية بدأ من عام 2011 وما تلاه، هذا التغيير ليس في كونها قد خرجت بسقف عالي من المطاليب ولا بتخلي الكثير من القوى التي أعتادت على الخروج مناديه أما بالإصلاح أو الدعوة لتقديم خدمات أو ضروريات أساسية في حياة المواطن، ويمكن أن نلاحظ أيضا أن ميزات هذه الأحتجاجات أنها أنطلقت من قاعدة أن الشعب قد فقد تماما الثقة بكل العملية السياسية رموزا وأحزاب وتوجهات، مما يعني أن هذه التظاهرات لم تهادن السلطة ورموزها لأنها تنتمي لجزء منها أو تنحاز لفريق ضد فريق، المظاهرة كانت عراقية بعنوانها وجوهر حركتها وأهدافها العليا.
الظاهرة الأخرى والتي أشار إليها الكثير من الباحثين والمتتبعين لحركة الأحتجاج في العراق أن غالب المشاركين هم من شريحة أجتماعية محددة، بالعمر والبيئة وتنوع إنتمائتها التكوينية وأيضا نوعية الفعل الذي أبرزته في مواجهة القوى الأمنية القمعية، مما يعني ان هذه التظاهرات تختلف من حيث تكتيك التعامل ونوعية الفعل ورد الفعل المتبادل بين المتظاهر ورجل الأمن، هذا يؤشر إلى جدية الذين خرجوا لمواجهة السلطة والتنديد بفسادها، فهم لا يعرفون التكتيكات السياسية ولعبة المصالح المتبادلة، كما أنهم يتعاطون مع قضية الفساد والسرقات والفشل في سلة واحدة مصرين على نيل كامل إرادتهم مهما كان الثمن، هذا التحول مؤشر على خطورة هذه الأحتجاجات على مجمل النظام السياسي المهزوز، لذا فلا نعجب على ردة الفعل التي قوبلت بها بالرغم من التشكيك وحتى الإدانة التي سبقت خروجها ومحاولة إلصاق الفعل الجماهيري الغاضب بجهات وأجندات محددة.
الخصيصة الأهم والتي قد تشكل علامة فارقة على طبيعية ونوعية الأحتجاج هذا أنه كان يملك تصور مسبق عن وجوبية الأستمرار في الحراك وبلوغ غاية التصعيد تدريجيا، وهو يعلم أيضا أن السلطة ليس بوسعها تحمل الضغط المتزايد بعد سلسلة من الهزائم النفسية التي منيت فيها في الأسابيع التي سبقت موعد التظاهرة، من قضية قمع أحتجاجات حملة الشهادات العليا مرورا بقضية الفريق الساعدي وأنتهاء بما روج عن تنازلات غير دستورية من المركز نحو إقليم كردستان، هذه الإنتكاسات لحكومة عادل عبد المهدي فضلا عن ركاكة تشكيلها والأخطاء الدستورية والقانونية التي رافقة عمرها بعد سنه، والتنافس الحامي والحاد بين زعماء الكتل والأحزاب حول الحصة أو الحصص من الكعكة العراقية، قد لا يسمح لها أن تمنح التظاهرات قوة أضافية من خلال أستمرارها في النزول للشارع لأيام عدة، حتى أن بعض الجهات والشخصيات كانت تدعو من خلال تواصلها مما يعتقد أنها رموز للحركة الأحتجاج للظهور إعلاميا ودعوة الجموع لتأجيل أو أنهاء المظاهرات بموجب أتفاق على تنفيذ ممنهج للمطالب.
كل تلك العوامل والملامح التي ذكرتها جعلت من هذه الحملة الشعبية الرصينة قادرة على فرض إرادتها بقوة على الشارع ومنه على السلطة وقواها التي وجدت نفسها اليوم بين مطرقة قوة الشارع وضغطه على مسارات العمل السياسي، والخوف على مستقبل وجودها وهي تشعر لأول مرة أن محشورة في الزاوية الضيقة التي تفقدها الخيارات في أن تلعب لعبتها السابقة في المماطلة والتسويف وتخدير الشارع بوعود وإصلاحات ترقيعيه لا تقدم ولا تؤخر من حتمية التغيير القادم.
والسؤال هنا هل بإمكان الجماهير الشعبية أن تستمر ومعها كل المشروعية في المطالبة بالتغيير الجذري ليس في لبناء السلطوي الفوقي، بل بجذور وأساس العملية السياسية. وأيضا يقابلها سؤال أخر هل تعي الحكومة ومؤسساتها أن فرص الإصلاح ما زالت ممكنة وقادرة على تأخير الأنفجار في الشارع وأمتصاص الغضب الشعبي بأقل الخسائر الممكنة؟ أظن أن تكرار التظاهر والأحتجاج والإصرار على عملية الضغط المتواصل يمكن أن يعزز من صمود الشارع برغم الخسائر الهائلة في صفوف المتظاهرين، وهذا ما ستكشفه حركة الأحتجاجات القادمة بدأ من يوم 25 تشرين الثاني وما بعده، أما الجواب على السؤال الثاني فلا أظن أن الحكومة ومؤسساتها وداعميها ولاعبيها الأساسين يمكنهم هذه المرة المناورة والذهاب بالمشكلة إلى التأجيل أو محاولة الإفلات من قبضة الشارع، والدليل أنها حتى لم تتوفق في حصاد نتائج اللجنة التحقيقية التي شكلتها بضغط من المرجعية وقوة الصدمة من الخسائر التي مني بها المتظاهرون من دماء وتضحيات عزيزة، في أن تلقي الكرة في ملعب الصغار لتنجو هي وحيتان الفساد والفوضى من المسائلة والمحاسبة.
إن المتتبع لحركات طرفي القوة في العراق الشعب بمطالبه ودعواته للتغيير من جهة والحكومة والأحزاب والكتل التي تحاول إستمالة الشارع نحو حلول لا تغني ولا تشبع ولا تعالج أساسيات الفساد والخراب، سوف تصل إلى تفاهمات أو الالتقاء في نقطة عودة أو محاولة التوفيق بينهما، المسألة المحسومة في نظري أن ما يمكن أن تفعله السلطة الحاكمة اليوم وحقنا للدماء والحفاظ على الدولة ومؤسساتها تكمن في إقرارها بالعجز عن تلبية مطالب حركة الأحتجاج وأن تذهب إلى البرلمان لتقدم أستقالتها بشكل جماعي، وعلى البرلمان أن يعيد حساباته الوطنية ويكلف شخصا من خارج العملية السياسية من تشكيل حكومة وحدة وطنية مرسوم لها خطط وأهداف تحت سقف زمني مهمتها وضع قانون أنتخاب جديد وتشكيل لجنة برلمانية ومن المتخصصين لتعديل الدستور والبدء بإجراءات المسائلة والمحاسبة الصارمة والقانونية لكل مظاهر وشخصيات ورموز الفساد دون أن تمنح حصانة لأحد.
وعلى الحكومة المكلفة أو الشخص المكلف أن يختار من بين المتخصصين ومن ذوي المهنية والاحتراف وممن لم يشارك في فساد الطبقة السياسية منذ عام 2003 ولليوم مهمة العمل على ترجمة وتطبيق إصلاحات بنيوية في الأقتصاد والمال وحتى في البنية التحتية القانونية التي دمرتها الأستثناءات والامتيازات خارج القانون، والعمل مع جهات دولية وإقليمية على استرداد الأموال والثروة العراقية المنهوبة، بمساعدة الأمم المتحدة وتفعيل دور المؤسسات الرقابية الأهم في البلد وهي مؤسسة ديوان الرقابة المالية وحث هيئة الإدعاء العام على تنفيذ واجباته وأختصاصته القانونية.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن