إشكالية الشخصية العراقية المحيِّرة …

جلال الاسدي
jalalalasady787@gmail.com

2019 / 10 / 20

يقول المثل الانكليزي ( إذا استطعت أن تتحمل المناخ الانكليزي تستطيع تحمل كل شئ ) ، إذ يمتاز المناخ الانكليزي بتقلبه ومزاجيته ، فترى الجو صافٍ ورائق وسرعان ما يدلهم وتتلبد السماء بجبال من الغيوم وتمطر ، ثم يعود بعد فترة الى حال آخر من الروقان وهكذا ، أي أنه متقلب ومتلون حاله حال الشخصية العراقية المحيِّرة ! …
وعندنا في العراق إذا استطعت أن تفهم الشخصية العراقية بما فيها نفسك ، تستطيع فهم كل شئ … يقول عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي في معرض جوابه عن تركيبة وماهية الشخصية العراقية : ( العراقي من الخارج جيمس ستيوارت ومن الداخل حجي عليوي ) … جيمس ستيوارت ممثل امريكي من جيل الاربعينات والخمسينات … وكان مشهوراً بوسامته وأناقته ونجاحه في مهنته وكونه واجهه حضارية ، أما حجي عليوي فهو هنا رمزاً للبساطة والطيبة والتخلف والعشائرية ، وغيرها من الصفات التي يتحلى بها اهل العراق من الرعيل الاول وحتى الحالي …
يقصد الوردي هنا أن العراقي يظهر التحرر والحداثة والتقدمية ولكنه في داخله وفي حقيقته يحمل مايحمله حجي عليوي من تخلف ورجعية والميل الى القيم العشائرية البالية !
فأنت هنا أمام شخصية إشكالية ، مركبة … نفس الشخصية تتكون من عدة شخصيات ، تجمع الشئ ونقيضه ، الوداعة والشراسة الوضوح والغموض النفاق والصراحة النزاهه ونقيضها … الخ ، وإذا اردت أن تأخذ عينة من هذه الشخصية كوسيلة إيضاح فيمكنك أن تختار ما تشاء من السياسيين العراقيين ، المهيمنين على السلطة في العراق هذه الايام من الافندي الى واضع العقال والكوفية الى المعمم بالاسود والابيض … فالمعمم هذا مثلاً تراه يضع العمامة أثناء وجوده في العراق لزوم الشغل لخداع من يريد أن يُخدع ! وعندما يسافر الى الخارج للسياحة والاصطياف تراه يرتدي التي شرت والجينز الامريكي أو البدلة الافرنجية الحديثة ، ويمارس لعبة التنس مع اولاده من بنين وبنات ! ويتجول في الاسواق والمولات كأي حداثي !
وعندما تُقلب في القنوات ترى احدهم في قناة دينية يبدء حديثه بالبسملة والصلاة … ولا يتكلم بالدين إلا وأشبع المذيع والجمهور آيات وأحاديث وفقه ، وكأنك أمام الطبري أو العسقلاني أو الكليني ، ويسهب في الشرح والنقد والتمجيد والاستغفار وهو يلاعب خرز مسبحته السوداء دلالةً على الورع والتقوى ، وفي مشهد آخر على فضائية أخرى يتحول نفس القرد الى منظِّر لليسار العالمي ويتمنطق بالعلمانية ، ويدعمها بأقوال لمنظريها مما جهد نفسه في حفظه ، وينادي بالدولة المدنية والديمقراطية الليبرالية كحل لمشاكل العراق … أي انك أمام زئبق لاتعرف له وسيلة للامساك به ، فهو من مجيدي راكبي الامواج مهما على وطيسها …
يتكلم عن النزاهه وهو حرامي ويندد بالفساد وهو فاسد حتى النخاع ، يرفض الرشوة وهو مرتشي من الطراز الاول يدعوا الى الاصلاح وهو من أشد المعارضين له ، يخرج مع الخارجين في المظاهرات وهو من مسببيها ، يدعوا ويناشد الاخرين بالحفاظ على كرامة ومصالح المواطن وهو الذي يهدرها متى اتيحت له الفرصة في ذلك ، يدعو الى الحرية والديمقراطية وهو من أشد اعدائها !
مرة من المرات عندما كان رئيس جمهورية العراق عبد السلام عارف ( 1963 - 1966 ) في زيارة الى القاهرة ، وفي فترة إزدهار المد القومي في الستينات من القرن الماضي … سأله عبد الناصر عن عدد القوميين في العراق فأجابه عبد السلام : سبع ملايين ، ثم سأله عن عدد الشيوعيين فأجابه : سبع ملايين وعن عدد البعثيين فأعطاه نفس الجواب … إندهش الرجل وقال كم نفوس العراق إذن ، أجابه : سبع ملايين …
إزاي ؟ قال عبد الناصر بدهشة …أجابه هم نفسهم مرة قوميين وثانية شيوعيين وأخرى بعثيين …وهكذا
لانفترض التعميم هنا طبعاً ، إذ يخرج عن هذه القاعدة الاستثناء ، وما أكثرهم ؟! على مبدء لكل قاعدة شواذ … فالعراق زاخر بالخيرين والشرفاء وقاسمهم المشترك الطيبة والنخوة والرجولة …
الخوف كل الخوف من مدعي الشرف والنزاهه وماسكي اللحظة من الانتهازيين خاصة هذه الايام ، هؤلاء من يجب أن نحذرهم ، وعليهم ينطبق المثل القائل : ( حذاري من المرأة التي تتكلم كثيراً عن الشرف ! ) ، ينطبق هذا المثل على المرأة كما الرجل ، فالشرف ليس حكراً على المرأة فقط !



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن