كيف جرى خلق مزاد البنك المركزي لاستنزاف المال العام

سعد السعيدي
s.alsaidy@yahoo.com

2019 / 9 / 23

توطئة : العراق عبارة عن بنك استولى عليه مجموعة من اللصوص ، ليس لهم علاقة لا بالسياسة ولا بحكم ولا بإدارة دولة. محمد حسنين هيكل ، صحفي وكاتب مصري.

تنتاب الكثيرين الاسئلة المشروعة حول مزاد البنك المركزي للعملة الذي يهدر المال العام. إذ يلاحظ حرص جميع المستفيدين منه على التكتم على اسراره. فلم يتقدم شخص واحد سواء من السياسيين او ممن يسمون انفسهم بخبراء الاقتصاد لتوضيح الفكرة وراء اجرائه. فالكل يتظاهر بالبلاهة الخلاقة حيث ان من اوائل من دشن هذه الطريقة كان المحتال المدعو سنان الشبيبي محافظه الاسبق الهارب. هذه البلاهة المفتعلة والتعتيم المستمران تدفعان المرء للذهاب للبحث عن الحقائق المغيبة بنفسه خصوصا وان ثمة اعضاء في مجلس النواب غير الموقر وحتى الحكومة هم ممن يمتلكون المصارف والمصالح التجارية او حصصا فيها او يمثلون مالكيها ممن يحققون الفوائد عبر هذا المزاد.

قبل البدء من المهم التوضيح بانه ليس من وظائف البنوك المركزية مزاولة التجارة او تحقيق الارباح لصالحها هي فقط. وهو ما وجدته من خلال المقارنة مع قانون البنك المركزي لعام 1976 الملغى وتدقيق التعاريف المتعلقة بالبنوك المركزية على الشبكة. وهو امر منطقي حيث ان وظيفة البنك تنظيمية ورقابية لصالح الدولة وبالتعاون معها بشكل وثيق. وتعريف البنك المركزي باختصار هو انه مؤسسة الدولة المسؤولة عن ادارة اموالها والإشراف على نظامها النقدي. وهو من يضع الخطط المالية لحكومة الدولة حيث يساهم في تنفيذها ، ويصدر العملة ويحافظ على قيمتها النقدية وينظم كميات عرض النقد. وللبنك المركزي سلطة رقابية على المصارف التجارية حيث يحق له التأثير على نشاطاتها ومتابعة كافة العمليات الخاصة بها بما يحقق السياسة الاقتصادية الخاصة بالدولة. ويكون الادارة والإشراف عن طريق القوانين التي تُحدّد بموجبها الواجبات والأهداف الخاصة بالبنك والتي كانت تشرعها الحكومات في السابق وحاليا كان يجب ان يكون مجلس النواب. ولا توجد اية دولة تحرص على نظامها المالي يتصرف بنكها المركزي بشكل مستقل بعيدا عن سلطتها وعن سياستها ، إلا في حالتين هما بريطانيا وامريكا. فبنكهما المركزيان هما شركتان خاصتان تحوز على اسهمهما مصارف خاصة.

من خلال التدقيق في القانون الحالي للبنك المركزي (نسخته موجودة على موقع البنك) وجدت فيه عدة مواد اساسية مما جرى بمعيتها تحديد مسألة الاستقلالية بعيدا عن الدولة. احد واهم هذه هي المادة (2) التي تحت عنوان الصفة القانونية والاستقلال ، تقول بان البنك هو (كيان قانوني يتمتع بالاهلية الكاملة للتعاقد والتقاضي والتعرض للمقاضاة والقيام بالمهام التي ينص عليها هذا القانون). ثم فصّلت الفقرة التالية بذكر بان (البنك المركزي يتمتع بالاستقلال فيما يقوم به من مساعي بغية تحقيق اهدافه وتنفيذ مهامه. ولا يتلقى اية تعليمات من اي شخص او جهة بما في ذلك الجهات الحكومية ولن يقوم اي شخص او جهة بالتدخل في نشاط البنك المركزي العراقي). نص هذه المادة واضح كونها فصلت ارتباط البنك بالدولة حينما لم يحددها بالاسم. ووضع محلها اعادة تعريفه بكونه كيان قانوني مع اهلية كاملة. ثم اضافت مرة اخرى حول استقلاليته عندما عنت بان البنك حر في اتخاذه لقراراته بعيدا عن الدولة ، اي دون النظر ولا الارتباط بمصلحتها. بينما في قانونه السابق كان ارتباطه بالحكومة واستقلاله قد حُدد بالمالي والاداري فقط.

كذلك في القانون الحالي هناك المادة (27) التي حددت امر الاعمال التجارية. فهذه تحت عنوان ادارة الاحتياطي الرسمي من النقد الاجنبي تنص على ان (يعقد البنك المركزي صفقات على الاصول الاجنبية). وهذه تشمل النقد الذهبي الموجود في خزائنه والعملات الاجنبية. لابد من التوضيح من ان عقد الصفقات او مزاولة الاعمال التجارية لن يكون بذي هدف لو ان البنك قد جرى فصله عن الدولة التي تجعل لنشاطه هدفا ونتيجة. بالنتيجة فعندما سيقوم باي نشاط تجاري مثل هذا ومع المادة المذكورة في الفقرة السابقة فاننا سننتهي بلا شك الى مزاد العملة الحالي الذي يستنزف المال العام. وفي القانون السابق الملغى للبنك كان عقد الصفقات او ما سمي فيه استثمار موجودات البنك الاجنبية قد حدد ليكون وفق السياسة التي يحددها مجلس البنك. وهذا كان معينا من قبل الدولة ويعمل لصالحها ويمثل وزارات الحكومة ، لا بعيدا عنها كما هو الحال في قانون البنك الحالي. كذلك في القانون السابق كانت اهداف البنك مذكورة في اطار السياسة العامة للدولة. بينما لا نرى اي من هذا في الحالي حيث جعل الامر هائما. وللقراء والمتابعين المقارنة بانفسهم بين القانونين لاستكشاف الفروق الاخرى بينهما.

نتيجة هذا القانون هو ان البنك وبفقرة الاستقلالية عن الدولة قد مُنح الحرية ليفعل ما يشاء بعيدا عنها من دون اية رقابة او تدخل منها. اي ان صفقات البنك قد صارت تثمر عن ما خلقت لاجله وهو هدر واضاعة المال العام. ويكون الاستنتاج هو ان اموال الدولة او المال العام المودع في البنك لم يعد مخصصا لخدمة الوضع المالي للبلد ، بل للتشتيت والتسريب الى اية جهة كانت خارج سلطة الاخير. وهو في حالتنا هنا قد انتهى لصالح المصارف ومكاتب الصيرفة الخاصة وتجار الاستيراد مع نتائجه الاخرى التي هي الجيوب الخاصة مثل غسيل الاموال وتهريب العملة. وقد ساهم هذا المزاد في تحقيق وفرة في ارصدة هؤلاء اللصوص ليصبحوا من اصحاب الملايين. وحسب الاخبار فقد ادت فقرة الاستقلالية وساهمت باستنزاف الاحتياطي المالي للدولة (مصدره الميزانية) الى النصف فترة الحرب على داعش. وما زال يتسبب باستنزاف هذا الاحتياطي حتى من دون هذه الحرب وهو هدف انشائه. ووفقا لاحصاءات المركزي في تموز العام 2014 ذكر بان العراق قد باع من الدولارات في (12) شهرا ما يعادل ثلث ميزانيته لذلك العام. وللقراء ان يتصوروا عدد السنوات التي فقد بها العراق كامل ميزانيته بهذا الشكل منذ 16 عاما.

ويتظاهر مجلس النواب ومعه لجانه كالمالية والنزاهة والاقتصاد واعضاء الحكومة بالحرص على المال العام بينما هو في حقيقة الامر يسكت عن تسريبه وهدره بطريق العوبة استقلالية البنك هذا. ولا يريد اعضاء المجلس ولا الباقين الحفاظ على البنك بشكله الحالي إلا لاجل ان تهبط ارباحه بجيوب الجهات التي دفعتهم ليمثلوها في مجلسهم. وتشتيت وهدر الاموال العراقية باية طريقة كانت من اهداف السياسة الامريكية. والتغاضي هنا وادعاء البلاهة الذي هو انعكاس تلاقي المصالح يتضح جليا ويؤكد كون الاولين ليسوا إلا امتدادا للاخيرين.

ان مزاد العملة كما يرى هو مؤامرة على البلد قد خلقها المحتلون حيث كان تغيير قوانينه هو احد اهداف الغزو. وهذا القانون كان قد شرع خلف ظهورنا جميعا في آذار 2004 في فترة لم يكن هناك من مجلس نواب منتخب ولا من حكومة تمثل البلد ، بل مجلسا للحكم قد اختير كل اعضائه من قبل المحتلين. ويصبح الامر البديهي بالنتيجة هو قيام هؤلاء بتنفيذ ما يريده المحتلون من مثل تشريع قانون البنك المركزي هذا ثم الصمت عنه لاحقا. وهو ما نراه ايضا مع كل القوانين الاخرى المشبوهة التي اصدرها بريمر ومررها هؤلاء. وسيكون مضحكا والحال هذا المطالبة بمعرفة كيف جرت النقاشات حوله في مجلس الدمى هذا إن حصلت. ولا ادري إن كان قد دار بخلد اعضائه علمهم انهم بموافقتهم على تمرير مثل هذه القوانين كانوا سيفرطون باستقلال البلاد مما يجعل منهم عملاء للمحتلين. ومهما كانت درجة معرفة زمرة مجلس الدمى غير المنتخبة بالقانون فإن تمريره بالسر والصمت عنه يجعله غير شرعي.

بسبب قانون البنك الحالي ونتائجه الكارثية على الاقتصاد والبلد يكون تعديل مواده آنفة الذكر باجراء عاجل امرا ملحا. وبانتظار حصول هذا التعديل يكون من المهم جدا في السياق ايقاف العمل بالمادة (27) او تجميدها لايقاف نزيف المال العام. لذلك فكل تأخير او مماطلة لاجراء هذا التعديل يثلم في مصداقية مجلس النواب بشكل اكبر. ويؤكد التوطئة في بداية المقالة القائلة بان كل هؤلاء ممن استولى على البلد هم ليسوا إلا مجموعة من اللصوص ليس لهم علاقة لا بالسياسة ولا بحكم ولا بإدارة دولة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن