نحن.. و (البوعزيزي)

محمد عبد حسن
basrah64@gmail.com

2019 / 9 / 11

لم يُحدث الخبر الذي تداوله بعض الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي والخاص بانتحار رجل ستيني من الطابق السادس في مستشفى البصرة التعليمي.. لم يُحدث هذا الخبر ضجة بمستوى الحدث.. على عكس أخبار كثيرة تبدو أقلّ أهمية بكثير ولا تؤشر إلى يُؤشر إليه. فقد انحصرتْ التعليقات، وهي قليلة، بين الأسف والترحّم على الفقيد، ووجه آخرون انتقاداتهم إلى الحكومة بشقّيها: المحلّي والاتحادي.. فيما حاول البعض التقليل من شأن الحدث وطلب عدم المبالغة في نقله وتضخيمه كون مركز الأورام في المستشفى، والذي يراجعه المريض دوريًّا لأخذ العلاج، مكوّن من طابقين فقط!
الحكومة المحليّة، من جهتها، قدّمت تصريحات متناقضة في تعليقها على الخبر. ففي الوقت الذي أكّدتْ في دائرة صحة البصرة، ونقله موقع موازين نيوز بتاريخ31/8/2019، أنّ المريض استلم دواءه كاملًا.. أشار مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في المحافظة، في تصريحه لموقع شفق نيوز بتاريخ 1/9/2019، أنّ "التخصيصات تمرّ في أنفاق وأزمات عديدة من نقص التجهيز الذي يصل أحيانًا إلى 20% من الخدمات العلاجية". وكان موقع راديو المربد على الإنترنت قد نقل التصريح ذاته بتاريخ 31/8/2019 مضيفًا إليه (كشفًا) لعضوٍ في مجلس محافظة البصرة قال فيه أنّ انتحار المريض كان "لعدم توفر العلاج اللازم لمرضه وعدم امتلاكه الأموال لشرائه".
وإذا أردنا إطفاء عينٍ عن دور الدولة ومسؤوليتها عن توفير العلاجات باهظة الثمن التي لا يستطيع المواطن العادي تحمّل تكاليفها.. وإغماض الأخرى عمّا تنفقه لعلاج البعض ممّن لا دور له غير رفع اليد، أثناء التصويت، أو خفضها؛ إذا أردنا تجاوز ذلك وكثير غيره.. أقول: هل توجد دراسة جادّة من جهة يُعتدّ برأيها عن أسباب هذا المرض وزيادة انتشاره؟ وإنْ وجدت.. ما هي التوصيات التي خرجت بها لمحاصرته؟ وهل تتولّى الجهات الحكومية، بشقّيها الاتحادي والمحلّي، متابعة تنفيذ هذه التوصيات؟
وإذا كان انتشار الأمراض السرطانية هو نتيجة الحروب غير المجدية التي خاضها النظام الدكتاتوري السابق؛ أليس المواطن العراقي المنكوب، الذي لا يجد حيلة ولا يستطيع سبيلًا، أولى بصرف الأموال من جيوش (مجاهدين) وهميين يعيشون في (جنّة) توفّرها لهم دول اللجوء أو الاستيطان؟!
انتحر الرجل الذي لم نعرف اسمه.. انتحر، كما يقول الخبر، لأنه لا يملك ثمن العلاج الذي يجب عليه تعاطيه لمعالجة ورم سرطاني كان يعاني منه. ولمَنْ لا يعلم.. فإنّ زيارة واحدة، ولو عرضيّة لأيّ من مستشفياتنا، تكفي لرسم صورة عن حجم المعانات التي يعيشها مواطنو المحافظة ممّنْ يراجعون هذه المشافي.. وليس المصابون بالأورام السرطانية وحدهم.
ونحن نتحدّث عن ذلك؛ سألني ولدي، وقد تجاوز العقد الأول من عمره، إنْ كان هذا الرجل المنتحر سيذهب إلى النار! قلت له: نحن مَنْ سندخل النار لأننا لم نفعل شيئًا له، وتركناه هكذا.. يواجه قدره وحده. وبعد لحظات ثبّتَ فيها بصره على شاشة هاتفه المضاءة عاد إليّ ليسألني: لماذا لا ننفذ انتحارًا جماعيًّا ( وكان يعنينا نحن أسرته) ما دام الأمر كما تقول؟
لا أدري إنْ كان قد اقتنع بما أسهبتُ في شرحه له، فشاشة هاتفه أخذته منّي ليتركني وحدي مستذكرا (طارق الطيّب محمد البوعزيزي) الذي أسقطتْ جنازته نظامًا بأكمله. تُرى.. كم من أمثال (البوعزيزي) نحتاج لننتبه؟!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن