حوار مع الوعي

توني جرجس توفيق
Tony_girgis1@yahoo.com

2019 / 8 / 25

"غوصاً في مياه البحار، طيراً أسرع من الرياح، ضوء حتى أن الصمت يصير له حينها صوتاً. بداخل الذرَّةِ أو فوق مجرَّة... حيث تسمو الأفكار صعوداً في ذلك اللولب الحلزوني، تنبض بالنور حين يراها الإنسان في ذاته. حينها يعلن كيانه أنه يعرف، وأنّ معرفته من ذاتٍ أسمى، ذات الوعي الأكمل، حيث يسكن النور عالِماً أنه في بيته. يستمع إلى نداء يصدر من غور عميق، يصِله كصوت رقيق حانٍ حاملاً معه معرفة الكون. حتى أن اضطراب أمواج البحر له حينها صوت مختلف، صوت يخبر الإنسان بالحقيقة. ان الحكمة هي الحقيقة... ولكن لأن هذه الحقيقة هي ذاتُ كل حقيقةٍ، فهي جميلة... الحكمة كلمة عظيمة، عندما تمتزج بالمحبة تظهر في بهائها الكامل، حتى أن الحفل العظيم لا يحضره إلا قليلون... قليلون هم مَن عرفوا الحِكمة..."

لعبت "مصر" دوراً هاماً كمصدر للشعلة الروحي... مدارس عِدّة ظهرت في تلك البلد الساحرة تبحث في الروح، تبحث في روحيات العالم الآخر، تتأمل في كل ما حولها، عالمة أن التراب الذي يملأ تلك الأرض يحمل معه علامات عدة من عالم الحكمة. تلك هي الرحلة المهيبة التي على المرء أن يسلكها بمفرده باحثاً عن المعلِّم، باحثاً عن المعرفة...

لكنني تردَّدت كثيراً في كتابة هذا الكتاب، ربما لأنّي أعرف جيداً أن المعرفة أعظم من أن تُصاغ في كلمات... إلا أن الرياح أحياناً ترشد الروح في طريقها... حينها عرفت أن كل مَن رأى، كل مَن عرف، كل مَن شعر بتلك النشوة الروحية، عليه أن يصف ما رآه لأنه إن لم يفعل يصير كمن أغلق بيديه أذنه صارخاً "أنا لا أسمع."

محتوى الصفحات القليلة القادمة:
يتكون الكتاب من جزأين، في الجزء الأول "عندما حاوَرَ الوعي" مجموعة من الموضوعات والمقالات المتفرقة التي تبحث في عدد من الأمور الروحية الفلسفية، تتناول المعرفة والرموز والسُّمو... حيث تحاول الكلمات البحث عن ذلك المعنى الذي يختفي وراء منطق المادة. "إن كان كل ما يحدث حولنا صدفة، فالصدفة إذاً هي قمة التدبير الكوني." تحاول الكلمات البحث عن تلك الصدفة، والبحث عن المعرفة.
المعرفة ذات كيان سامٍ، تظهر ملامح وجهها أحياناً من بين السطور، أو ترتدي رداء قصة، مثال أو أمثولة، لقطة خاطفة تومض في سماء الوعي تبعث بعضاً من إيحائها دون تفاصيل. كمن يقرأ كتاباً تظهر حروفه عند سماعه للموسيقى، أو يرى في الألوان بعض المشاعر. في الجزء الثاني "عندما حاورَهُ الوعي"، أحببت أن أصِف تعاليمها، لكنني فشلت في صياغتها في صورة مقالة. كلما حاولت أن أصِف أهداب ثوبها في كلمات على الورقة البيضاء، أجدها تهمس في أذني قائلة "ما الذي تفعله...؟!" عندها تركت لها القلم.
من سلسلة حوار مع الوعي -المقدمه



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن