حفريات اركيولوجية في نصوص الأسفار النبوية - أحزاب وتيارات.. مقتبس من كتاب لي بعنوان - السبي البابلي في قراءة مغايرة

عيسى بن ضيف الله حداد
haddad.issa@gmail.com

2019 / 8 / 23

[3]
حفريات أركيولوجية
في
نصوص الأسفار النبوية
" أحزاب أو تيارات "



" وصلّوا لأجل حياة بختنصر ملك بابل ولأجل حياة بلطاشاصر ابنه. لتكون أعمارها كأيام السماء على الأرض. وليعطينا الرب قوة وينير عيوننا، فنعيش في ظل بختنصر ملك بابل وفي ظل بلطشاسر ابنه. فنخدمها أياماً كثيرة فنظفر بالنعمة قدامهما ". " اميلوا أكتافكم واخضعوا لملك بابل " " وإن لم تسمعوا صوت الرب بأن تخضعوا لملك بابل أزيل من بلاد يهوذا وشوارع أورشليم، صوت الفرح وصوت الطرب وصوت العروس وصوت العروسة، وتكون الأرض كلها بلا سكانها "- باروخ/ 10-14





مدخل - في خضم ما تقدم من وقائع وعوامل ومؤثرات وتفاعل وصلات، تدفعنا جملة من المؤشرات، للتحري عن تشكّل تيارات ثقافية ونخب سياسية تتجه نحو هذا أو ذاك من بين المركز ين المصري أو البابلي..
هذا ما تلمسنا حضوره عبر عملية تطبيق منهجنا الخاص بالغوص الإركيولوجي في طيات نصوص الأسفار.
لعل النصوص النبوية بما تحتوي عليه من تفاعل جدلي مع الأحداث وتطوراتها، سيكون من شأن مادتها ابراز هذه الواقعة. على نحو جلي..
على ضوء هذه الوقائع في مظهرها وبما تخفي بين منعرجاتها يمكن النظر عن كثب بما له من صلة، في مقولة " السبي البابلي" - من وهم أو حقيقة..

إطلالة أولية
في البداية، يستدعي شأن هذا البحث- إلقاء إضاءة أولية على المجال النصي الخاص بهذه المداولة، وتناول مفهوم النبوة - كما بدا عبره هذا المفهوم وتطوّر لدى العبرانيين القدامى.
ظهرت مقولة لأدولف لودسADOLPHE LODOS ، في مقدمة مؤلفه تاريخ الأدب العبري واليهودي - يشير فيها: إلى عدم معرفة المؤلف الحقيقي للنص المقدس، إذ لا تظهر مجمل هذه الأسفار أو بالكاد، علاقة فعلية بأسماء أصحابها. كثيراً ما ُتجهل هوية مؤلفها الحقيقي. -
وعندما يتعلق الأمر بوحي لنبي، يكاد لا يوجد صلة وثيقة ودقيقة بين النص المقدس واسم صاحبه المفترض. -
في أسطع الحالات يمكن التعرف على الناشر، بالأحرى على الجهة التي تنطعت لعملية الجمع والتركيب والتوليف لجملة المكونات
المستقاة من المصادر المتعددة، وأحياناً يبدو الأمر متعذراً.""
لا شك يبرز أحياناً - على الأقل- مرجع نبوي ينسب إليه أدبية ما. بيد أن الكتاب الذي يحمل اسم هذا أو ذاك من الأنبياء، قد خضع بدوره إلى سلسلة من المراجعات والإضافات قام به من تلاه في فريق مدرسته أو حتى من آخرين في عصر مقارب أو متباعد عنه.
في نهاية مسيرة تنقل الكتاب يتقدم كاتب " ملهم " أو " مقدس "، ليقوم بإنجاز ما يكافئ مشروع الصياغة قرب النهائية له - للكتاب. "
يجدر بنا أن نشير إلى أن الكتبة في تلك الأزمنة قد تمتعوا في المراحل القديمة بحرية قصوى في أعمالهم الكتابية.
هذا ما أدركه عن كثب إيمانويل توف- الأستاذ الجامعة العبرية في القدس- من خلال دراساته الخاصة في مخطوطات كهوف قمران، أعلن فيه: يجب أن نعلم، كانت النصوص في العصور القديمة تتبدل بسرعة، حيث تمتع الكتبة بحرية قصوى في ممارساتهم الكتابية...
لعل التعبير الأكثر بلاغة وإدراك، لفهم الظاهرة النبوية لدى العهد القديم العبري، نتحراه في الآتي:
" إن توالي الأنبياء في العهد القديم وهو حدث فريد في تاريخ الديانات. فالديانات الكبرى تعود عموماً إلى مؤسس عاش في فترة معلومة أو كتب ظهرت في حقبة بعينها فكانت هي الأصول التي يرجع إليها من دون غيرها. مما يؤسس للقوم (الأتباع) أدب ديني أو غير ديني. - أما في اليهودية فكأن الشعب هو الدين وكأن كل الذين يكتبون أنبياء، وكأن كل ما يكتب مقدس تشريعا كان أم تاريخاً أم حكمة أم شعراً أم صلاة أم قصة وذالك في أي عصر كان..
ثم أن هذه الكتب الحديثة نسبياً تتكلم وكأنها شهدت الخلق وكأن التوحيد منذ البدء كان له شهود، بل وتحصر التوحيد في أسرة ثم تحصره في سلالة هذه الآسرة، فيمسي للكل إله عشيرة يبيح لها أن تحتل أرضاً وتبيد أهلها.. ولا تنفك أن تزعم بكون الله وقف عليها."
مقاربة أولية للظاهرة النبوية
كاستكمال أولي لمحاولة التعرف على طبيعة الأدب المقدس العبري، والتقصي عن أداة التأسيس لهذا الأدب، نجد من الضروري إنجاز مقاربة مقتضبة للظاهرة النبوية العبرية، والبحث عن هويتها، وإلقاء الضوء، على اتصالها أو انفصالها عن مهنة الكهنوت، ذلك من خلال ما تظهره النصوص المقدسة ذاتها.
في الزمن الأول: لم يظهر في الزمن الأول من التاريخ العبري مؤشر على وجود مهنة مستقلة لأنبياء، إذ تبوأ شيخ القبيلة بذاته كل المهام، من الصلات بالإله إلى شؤون الكهانة والتسيير والقيادة، كما كان الحال لدى إبراهيم واسحق ويعقوب.
بالأحرى قد تجلّى في هذا الزمن، الوحدة الوظيفية بين المشيخة والكهانة والنبوة.
بيد أنه لم يعمد أحد من هؤلاء للادعاء بوجود وثيقة مقدسة، تشريعية كانت أم نبوية عائدة لهؤلاء الآباء، مما يهوِّن من شأن ضرورة التقصي عن المسألة التي نحن بصددها..
في عهد موسى: بدت النبوة بصورة مشوشة في عهد موسى، في الإصحاح السابع من سفر الخروج (7/1) يقول الرب إلى موسى- " أنا جعلتك إلهاً لفرعون وهرُون أخوك يكون نبيك. أنت تتكلم بكل ما آمرك. وهرُون أخوك يكلم فرعون.." - أي تضلع النبي
بدور الناطق الرسمي..
المحير في الأمر مَن هو النبي.. هل هو هارون أم موسى، أم كلاهما..! (وأنا جعلتك إلهاً لفرعون..!!)
على هذا النحو يبدي التحرّي ظهور ملامح انفصال أولي بين الكهانة والنبوة، تقلد فيه موسى الصلات المباشرة مع الإله، وتنطع خليفته يشوع بن نون لممارسة ذات الدور.
في غمار من ذلك أصبحت المؤسسة الكهنوتية من مهام هارون ابن عمران (شقيق موسى) وسلالته، أنيط بهؤلاء شؤون العبادة وخدمة الهيكل والاهتمام بتابوت العهد ورعايته والإشراف على التقدمات والهبات وأملاك الهيكل.
لعل ذلك التوزيع قد جاء في عصر متأخر.. بهدف تنصيب سلالة هارون شؤون الهيكل..
الجلي في الأمر، أن هذا التمايز في الدور لم يكن مطلقاً، حيث بقيت القيادة وشؤون التشريع بيد موسى وخليفته، إلا أن، لا هذا ولا ذاك- كما يعلن التاريخ، قد ترك أثراً مكتوباً، تشريعياً كان أم نبوياً..
أشكال نبوية بدائية – لعلّ هذا المظهر الغائم للمفهوم النبوي الخاص بمرحلة موسى، يعكس في جزء منه إسقاطاً ما من المرحلة الأكثر نضجاً في رحلة تطور النصوص.
بوسعنا أن نرى عبر نصوص الاسفار التاريخية العديد من المظاهر الخاصة بتطوّر مفهوم النبوة بالانطلاق من أشكال اكثر بدائية.. من بينها:
النبي كرائي (فن التجيم): في طورٍ بدئي تنطع النبي بدور الرائي.. - تظهر هذه الوظيفة المتمثلة بالرائي، في مواقع عدة، من بينها، في سفر صموئيل. حيث يعلن في (9/10) " أن النبي اليوم كان يدعى سابقاً الرائي " دون تحديد زمن السابق..؟
ومما يضفي على المسألة غموضاً إضافياً، كون هذا السابق يتمثل بعهود القضاة ويشوع وموسى ويعقوب وإبراهيم، إذ تحددت النبوة إبانها كصلة مباشرة مع الإله..!!
بالرغم من هذا الإعلان عن إرجاع هذا المضمون للنبوة للعصر السابق لصموئيل، إلا أن النبي كرائي يعود ليظهر مجدداً لدى صموئيل النبي، إذ يعرّف ذاته أمام شاوُل بقوله " أنا الرائي" بمعنى النبي.. وهناك حنان الرائي (أخبار الأيام الثاني 16/7) وابن حنان الرائي (أخبار الأيام الثاني 19/1) ودبورة النبيه وهي قاضية أيضاً وصاحبة رأي ورائية (قضاة 4/4)، والنبيه خلدة (الملوك الثاني 22/14) ولها رأي ورؤية في المستقبل وغيرهم. – وكل هؤلاء من زمر الأنبياء جاءوا من بعد عهد صموئيل النبي..!
من المفارقة بمكان، أن تكون تلك البلبلة في مفهوم النبي قد جاءت في سفر صموئيل النبي، بما عليه من دور نبوي جلي..
ألا يعني ذلك، تراكم وتداخل- واندخال- لعديد من الشرائح الكتابية المنجزة بأزمنة متباينة ومن قبل كتاب عدة.. !!
النبوة كجمهرة: مما يزيد المسألة تعقيداً ظهور صوّر جماعية للنبوة في مواضع عدة، من بينهم مَن جاء ذكرهم في (الإصحاح 22/ 6 من الملوك الأول) :" فجمع ملك إسرائيل الأنبياء نحو أربع مئة رجل." وفي (4/28، من الملوك الثاني) " وكان بنو الأنبياء جلوساً أمامه ".
وتنتشر بغزارة، ظاهرة الأنبياء كجمهرة وسلالة في عديد من النصوص التاريخية..
الأنبياء بلا أسماء: هم بدورهم كثر.. فرادى وجمهرات.. وقد أنيط بهم دور كبير في مصير ومسير الملوك وشؤون حكمهم ومستقبلهم..
النبوة كدروشة: يزداد مظهر الصورة في مضمون النبوة تشوشاً -
حينما يذكر سفر صموئيل (10/5-6) عبر خطاب موجه إلى شاؤُل بعد أن مسحه ملكاً- " عند مجيئك هناك إلى المدينة أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبأون. فيحل عليك روح الرب فتتنبأ معهم وتتحوّل إلى رجل آخر ".
هو ذا ما حدث بالفعل (في 10/10- 14)- " لمّا جاءوا إلى هناك إلى جعبة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحلّ عليه روح الله فتنبأ في وسطهم " " ولمّا رآه الذين عرفوه منذ أمس وما قبله أن يتنبأ مع الأنبياء قال الشعب الواحد لصاحبه ماذا صار لابن قيس. أشاوُل أيضاً بين الأنبياء. فأجاب رجل من هناك وقال من هو أبوهم. ولذلك ذهب مثلاً أشاوُل أيضاً بين الأنبياء. ولما انتهى من التنبيّ جاء إلى المرتفعة "-( وللمرتفعة أي الجبل صفة مقدسة-) .
ألا تقدم هذه اللوحة عن النبوة، أكثر من كونها حفنة من الناس في حفلة هلوسة كمثال الزار والدروشة..!! مما جلب السخرية المعبّر عنها في القول " أشاول بين الأنبياء ". ماذا يعني ذهابها مثلاً، وما المقصود من " ولما انتهى من التنبي "، غير العودة إلى الحالة الطبيعية بمجرد رحيل رعشة النشوة أو قل الهلوسة.. !
أليس من العسير قبول هذه الصورة من النبوة، قد باح بها صموئيل النبي بذاته.. وأين هو يكون..!
النبوة والسلطة: يزداد شأن مرويّة نبوّة شاوُل تعقيداً عندما نعلم أن الإله العبري قد ندم على تمليكه إياه، بعد أن وجدت السلطة طريقها إلى آل داوٌد (صموئيل الأول 15/35). حينئذ يذهب صموئيل كنبي ورائي ملتحقاً بمسيرة داوُد متخلياً عن مساندة شاوُل- ملكاً أو نبيّاً..!
النبوة وقابلية الإنتزاع: كذالك كان الشأن مع المغدور به، شاول، بعدما تم تنصيبه كنبي وملك، نُزعت النبوة والملك منه، لمجرد، عدم تنفيذه لأمر الرب، فلم يقتل ".. بقراً وغنماً. جملاً وحماراً "، حينما ذهب وضرب عماليق، مع أنه أباد " رجلاً وإمرأة. طفلاً ورضيعاً " لدى هؤلاء، بيد أنه والقوم معه، راقت لهم " الغنائم" فلم يفتكوا بها.. (صموئيل الاول 15).
النبوة والتنقل - تعلن بعض النصوص عن إمكانية نقل النبوة من نبي إلى آخر بقرار، ففي خطاب إلهي للنبي إيليا "وامسح أليشع بن شافاط.. نبياً عوضاً عنك " (الملوك الأول 19/16) - أي كعطاء وهبة بقرار يمكن تنفيذه بمجرد فعل طقوسي يتمثل بطقس المسح بالزيت..!
في طورٍ تالٍ متطوّر ظهر دور الأنبياء الكتبة.
على هذا الأساس يمكن الاعتبار، أنه في عصر بدائي لحق بالنبوة لدى العبرانيين، وظائف متعددة، كالتنجيم ورؤية المستقبل، وتمتع بها كل ما هب ودب.. فرق وسلالات وعائلات وأبناء، من بينهم الأدعياء وفيهم الأتقياء..
على هذا النحو نرى عبر هذه الظواهر في النبوة الماثلة كإنعكاس لشيوعها، مما يوحي أنها كانت بمثابة مهنة.
تطوّر نوعي في مفهوم النبوة-
ما زال مفهوم النبوة يتأرجح بين تشوش وآخر، حتى قُيض له درجة من النضج والاقتراب من المفهوم التقليدي، وذلك إثر التفاعل مع حضارة كنعان التي كانت قد وفرت للأنبياء شأناً كبيراً وممارسة عريقة. احتفظت بآثارها الكتابات التاريخية في الكتاب المقدس العبري.
في عهد داوُد يتكامل مسار التكيف مع قوى المحيط، ويصبح للنبوة هوية و وظيفة أو كمهنة، الأمر الذي يدعم فرضية اقتباس مفهوم النبوة من حضارة كنعان.- - وداود لم يكن نبياً بل ملكاً مقدساً فاق فيه شأن النبوة.
تذكر أخبار الأسفار: بعد أن تبوأ داوُد مهمة السياسة والقيادة والملك، عَهَدَ الكهانة إلى إبيثار. ربما راودت داوٌد الخشية، كرجل سلطة، من هذا الكاهن (إبيثار) بسبب عودته إلى النسب المقدس (من سلالة هارون)، فعمد لإصدار جملة من القرارات التنظيمية الوقائية، سمّى فيها أولاده كهنة وعين كاهناً آخر هو صادوق بن أخيطوب - (ليس لصادوق صلة نسب بهارون) - وسرايا كاتباً (صموئيل الثاني8/17).
كما يصعد على سدة النبوة بأسماء هذه المرة وبمهمة محددة اثنان: جاد وناثان، الأول كرائي والثاني كمرشد ديني (صموئيل الثاني7-12).
استمد داوُد شرعيته المقدسة من هؤلاء الأنبياء وأناط بهم صلاحيات واسعة مما ساهم في تحديد دور ومهام الكهنة في عهده.
في عهد سليمان حدث تطور آخر، تم عزل الكاهن الأعظم، إبيثار (الهاروني)، ليبقى الكاهن صادوق وحيداً إلى جانب ناثان النبي الذي سلطته تتقوى.
لم يترك النبيان جاد وناثان أثراً مكتوباً، إنما قد وضعا الأساس لنشوء صفة النبوة كهوية محددة، أسهمت في مرحلة تالية بوضع أدبيات مقدسة.
تلاهما النبيان إيليا ووريثه أليشاع اللذان تمتعا بدور هام وأنشطة متميزة تضعهما في رأس القائمة النبوية، بيد أنهما بدورهما لم يتركا أثراً مكتوباً.
اختص بسيرة إيليا النبي ودوره، العديد من إصحاحات الملوك الأول - (17 و18 و19 و21)، وفي الملوك الثاني الإصحاح (1و2 و3). تتفرد لسيرة أليشاع إصحاحات عديدة من الملوك الثاني (4 و 5 و 6 و 7 و8 و9) وتختلط سيرته حيناً بسيرة إيليا..
تروى لهما في هذه الإصحاحات ممارسات لمعجزات خارقة، بزوا بها قدرات جل الأنبياء الذين حظوا بكتابات أو غيرهم.
أما الأنبياء بلا أسماء فهم كثر، ظهروا في جماعات وعائلات وزمر. دام الأمر على هذا المظهر حتى ظهر طور أنبياء الأدبيات.
في حقيقة الأمر، لم تتقدم هذه المظاهر المختلفة لمفهوم النبوة في النصوص عبر سياق منتظم، إنما جاءت بشكل مشرذم، عبرَ بعضها في متن بعض. ففي عهد تالٍ لداوُد وسليمان وٌجد أمثلة متعددة لظاهرة النبي الرائي، مما يعكس ذاته على طبيعة تشكّل النصوص التي لم تتبع صيغة منهجية منظمة، وإنما تداخل بعضها في لحمة بعض، وضع فيها كتبة كل عصر مساهماتهم في نصوص ما قبلهم.. وهكذا.
طور النبي الكاتب- أخيراً وبعد طول تردد، وبحلول القرن الثامن ق م، تم حضور الطور الناضج للنبوة من خلال النبي ككاتب وممارس لرؤية وموقف، وهم كوكبة الأنبياء الكبار: أشعيا وأرميا وباروخ ودانيال وحزقيال، والأنبياء الصغار: هوشع ويوئيل وعاموس وعويديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفني وحجي وزكريا وملاخي.
المحير في الأمر، ظهور تزامن هذا الشأن النبوي مع عهد الملوك العبرانيين قاطبةً، في الجنوب والشمال، الذين مارسوا عبادات المحيط الحضاري، وكانوا على صلة وثيقة به من حيث الثقافة والسياسة واللاهوت – كما سنرى- وأنّا لنا تفهم هذه الواقعة..!
ظاهرة الشيوع النبوي والأنبياء الكَذَبة: ثمة ظاهرة تطل برأسها بين الفينة والفينة، لتعلن لنا عن ظاهرة الشيوع النبوي وتمكنها في أرض الواقع، إلى درجة بدا فيها صراع وتبادل التهم بين النبوة
الحق والنبوة الباطل..
من الأمثلة التي تؤكد الوجود القوي لهذه الظاهرة، ما يكتنز فيه سفر حزقيال من إدانات عنيفة، لأنبياء وسمهم بالكذبة، ولا سيما في الإصحاح (13)- وقد كرسه بالكلية لتناول هذه الإشكالية- نقتطف منه الآتي " وكان إلي كلام الرب قائلاً يا ابن آدم تنبأ على أنبياء إسرائيل الذين يتنبأون وقل للذين هم أنبياء من تلقاء ذواتهم اسمعوا كلمة الرب.. ويل للأنبياء الحمقى الذاهبين وراء روحهم ولم يروا شيئاً "-
يبدو أن هناك لفيف من الأنبياء قد نصّب ذاته بذاته، دون اعتراف رسمي من حزقيال -" أنبياؤك يا إسرائيل صاروا كالثعالب في الخرب " " رأوا باطلاً وعرافة كاذبة القائلون وحي الرب والرب لم يرسلهم.. ألم تروا رؤيا باطلة وتكلمتم بعرافة كاذبة قائلين وحي الرب وأنا لم أتكلم. لذلك هكذا قال السيد الرب، وتكون يدي على الأنبياء الذين يرون الباطل والذين يعرفون بالكذب. في مجلس شعبي لا يكونون وفي كتاب بيت إسرائيل لا يكتبون وإلى أرض إسرائيل لا يدخلون. لأنهم أضلوا شعبي قائلين سلام وليس سلام.. أنبياء إسرائيل الذين يتنبأون لأورشليم ويرون لها رؤى سلام ولا سلام يقول الرب.
تزخر نصوص أرميا، بحضور وافر من الأنبياء الكذبة.. قال عنهم رب الجنود إله إسرائيل " لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم ولا تسمعوا لأحلامكم التي تتحلّمونها. لأنهم إنما يتنبأون لكم باسمي بالكذب.. "(29/ 8-9).
لم يتورع الرب إلى دفعهم عن بكرة أبيهم، لقتلهم على يد نبوخذ
نصر: يقول الرب، إن" الذين يتنبأن لكم باسمي بالكذب، ها أنذا أدفعهما ليد نبوخذ ناصّر ملك بابل (أرميا 29/21- 22)" ومنهم شمعيا النحلاميّ ". ها أنذا أعاقب شمعيا النحلاميّ ونسله "(أرميا29/ 32)، وحنينيّا النبي الذي يميته الرب عقاباً على أكاذيبه (أرميا 28/15)..
النبيات- النساء الزانيات: يبدو أن شيوع الظاهرة النبوية وتكاثرها، قد وصل ليشمل في عداده طائفة كبرى من النساء، إلى الحد الذي وجد حزقيال ذاته مندفعاً في غضبته صارخاً " وأنت يا ابن آدم فأجعل وجهك ضد بنات شعبك اللواتي يتنبأن من تلقاء ذواتهن وتنبأ عليهن، وقل هكذا قال السيد الرب. ويل للواتي يخطنّ وسائد لكل أوصال الأيدي ويصنعنّ مخدات لرأس كل قامة لاصطياد النفوس. أفتصطدنّ نفوس شعبي وتستحيين أنفسكن " وتنجسنني عند شعبي لأجل حفنة شعير ولأجل فتات خبز لإماتة نفوس لا ينبغي أن تموت واستحياء نفوس لا ينبغي أن تحيا بكذبكنّ على شعبي السامعين بالكذب. لذلك هكذا قال السيد الرب. ها أنا ضد وسائدكنّ التي تصطدن بها النفوس كالفراخ وأمزقها عن أذرعكن وأطلق النفوس. النفوس التي تصطدنها كالفراخ. وأمزق مخداتكنّ وأنقذ شعبي من أيديكنّ فلا يكونون بعد في أيديكنّ للصيد فتعلمنّ أني أنا الرب. لأنكنّ أحزنتنّ قلب الصديق كذباً وأنا لم أحزنه وشددتنّ أيدي الشرير حتى لا يرجع عن طريقه الرديئة فيحيا. فلذلك لن تعدنّ ترين الباطل ولا تعرفنّ عرافةً وأنقذ شعبي من أيديكنّ فتعلمنّ أني أنا الرب ".
يظهر هنا، أن أمر النبوة " الكاذبة " قد استفحل وصار في شأنه إلى نهج المرتزقة.. وحتى أشياء أخرى، ربما بما له صلة بالممارسة الجنسية - النبية المومس- حسب ما يلوّح بها النص - مما يسلط الضوء على بعض من دوافع اقتناء لبوس النبوة..
الجدير بالمفارقة، أن حزقيال ذاته قد تم التردد بشأنه، حيث بقي
سفره بين أخذ ورد حتى نهاية القرن الثاني ميلادي، ليدخل هذا
السفر حينئذ في نظام القوننة، ويصبح مدرجاً في عداد قائمة الجدول المقدس..!!
في منظور كليّ: تظهر هذه القرائن وغيرها كذلك، كون هذا المصطلح - الأنبياء - مشوباً بالغموض في نصوص العهد القديم، إذ أنيط بمهنة النبوة مهام عديدة من بينها ممارسة التنجيم والسحر ورؤى المستقبل وتنصيب الملوك والإرشاد الديني والصلات المباشرة مع الوحي الإلهي، والتنطع في آخر الأمر بالنشاط الادبي والفعل الرؤوي.. - ناهيكم عن الممارسات الاخرى..
السمات المميزة للنمطين،الأدب الكهنوتي والأدب النبوي
بعد هذا العرض التاريخي لتطوّر المفهوم النبوي، نحاول رصد التميّز النوعي بين هذين النمطين من الأدب المقدس العبري: الحبري (التوراة والأسفار التاريخية الملحقة بها) والنبوي (الأسفار النبوية والكتابات الأخرى).
من حيث الموضوع: تمحورت أدبيات الصنف الأول على نظام التشريع والطقوس والعبادات ومقاربات تاريخية لصيقة بها.
في حين تمتعت أدبيات الصنف الثاني بقدر ما من الحرية وعالجت مسائل متعددة من بينها رؤى وقصائد وتمجيد وتحريض وتعبير شعري عن آلام ومعاناة جمعية وذاتية..
بيد أن ذلك، لم يمنع من حضور معالجات تاريخية وتشريعية بكيفية ما في الأدب النبوي، مما قد يوحي بتدخل ما في أدب هذا النبي أو ذاك، من قبل عنصر كهنوتي أو تمازج ما بين الصفة الكهنوتية والنبوية..
في البيئة المحيطة بالإصدار: ازدهر أدب الصنف الأول حالما تطلبته الضرورة الخاصة بالتشريع وتحت إشراف مباشر من السلطة، على سبيل المثال في عهد السلطة الفارسية على يد عزرا.
بينما نمى أدب الصنف الثاني في أزمنة أخرى، وعلى الخصوص في
عهود التوتر المرافق للصراعات الحزبية والنزاعات والانقلابات السياسية الدراماتيكية..
استقلالية في سيرورة التكوّن وتميز في الهوية: يُظهر البحث التاريخي أن خط السير للتشكل التوراتي يختلف عن مسار انبثاق الأدب النبوي. تم الأول على يد الشريحة الكهنوتية، بينما أنجز الثاني من قبل الفرق النبوية.
تطوّر الأول على يد الأجيال المتتابعة للمؤسسة الكهنوتية وغالباً ما كانت سلالية، بينما تابع تلامذة النبي تطوير النص الأصلي للمعلم الأول.
كما قد بدا لكل من هذين الصنفين من الأدب هويته الخاصة واستقلاليته المتميزة، فلم يضمهما عمل واحد ومسار تشكّل واحد، إنما كان كل منهما، بمنظور الجهة التي قد انبثق منها، مستقلاً بذاته ولذاته..
لم يكن من المستبعد حدوث صراع ما، في ظرف ما، بين الكهنة والأنبياء..
الجدير بالاعتبار، إن قِدم المؤسسة الكهنوتية على صعيد الدور والممارسة لا يعني بأي حالٍ من الأحوال أسبقية ظهور أدبياتها وتشريعاتها.
تعلن الأبحاث التاريخية أن صياغات التوراة والأسفار التاريخية الملحقة بها لم يتحقق دفعةً واحدة وإنما على مراحل وأطوار. وأن طور التشكل الناجز للتوراة قد بدأ في عصر متأخر جداً وبالتحديد العصر الفارسي على يد لفيف عزرا، وامتد في سيره حتى شمل عهد الأحبار..
أما الأدبيات النبوية فقد تمثلت بظاهرة الإنتاج المتنوع والغزير، وقد أٌعتبر بقدم عهدها، ومازالت تزدهر وتتطور خلال المرحلة اليونانية والرومانية، حتى فاقت بتنوعها ما احتواه النص الرسمي
للكتاب المقدس العبري..
الأمر الذي ظهر في ما يسمّى بأدبيات ما بين العهد القديم والعهد الجديد، أي الأدبيات التي وُضعت في مرحلة لاحقة جانباً ونُزع عنها الصفة المقدسة..
ليس من المستبعد، إمكانية حدوث تقاطع ما بين عناصر ومكونات تنتمي لهذين الصنفين من الأدب في لحظةً ما، خلال مسار تشكلهما وتطورهما التاريخي.
نشير بشكل خاص إلى دور النبي أرميا في عهد الملك يوشيا. في ظل هذا الملك تحقق اتحاد رجل الكهنوت بممارسة النبي في شخص أرميا..
يفترض البعض لأرميا النبي ضلعاً في تأليف نواة سفر تثنية الإشتراع المرتبطة بعصر يوشيا..؟
كما يٌشار إلى دور حزقيال النبي في عصر تالٍ بذات الدور في إنجاز هذين النوعين من الأدب المقدس..؟
يُذكر أن لهذين (حزقيال وأرميا) صلة في سلالة كهنوتية. ربما لهذا الجذر الكهنوتي دورا ما في الإسهام بتقليدهما دور المشرع ودور النبي..
بيد أن ذا لا يعني التماثل المطلق في المنطلق بين أرميا وحزقيال، ولا بين هذا وذاك مع التوراة التي وضع نواتها الأولى الموحدة، عزرا ومدرسته المتمثلة بمنظومة الأحبار..
ذلك لسبب بسيط، إذ لا أحد يستطيع أن يقرر بدقة النواة الأصلية لنصيهما ولا ماهية النصوص التوراتية السابقة لعزرا ومدرسته.. –
لا يغربنّ عن البال، عما في هذا المجال، لا يعدو مجرد احتمال.. واحتمال ؟
من أجل استكمال اللوحة العامة لهذه الإشكالية، علينا أن
ندرك مايلي:
أولاً- في البداية، أدارت المؤسسة الكهنوتية ظهرها للأدبيات النبوية، إذ يعلمنا علم تشكّل التوراة والأسفار، أن النص المقدس في طور التأسيس الموافق لأعمال لفيف عزرا، لم يكن يتضمن أي من الأدبيات النبوية، بينما قد احتوى طليعة التوراة وكتابات تاريخية (أخبار الأيام).
ينطوي هذا الشأن، كما نرى على أبعاد فائقة الأهمية، سنأتي عليه لاحقاً.
ثانياً- إن قرار تثبيت الأسفار المقدسة تم في مرحلة لاحقة تلت أواخر القرن الميلادي الأول. مما يعني نمو وتطوّر أنواع هذه الكتابات الحبرية (التوراة) والنبوية في الأوساط التي تخصها وبمعزل عن بعضها البعض.
ثالثاً- إن المؤسسة الكهنوتية - الحبرية هي التي أصدرت قرار اختيار الأسفار المعتمدة مقدساً. وأعلنت في الوقت ذاته عن قرارها الثاني الخاص، بكون السماء قد أغلقت أبوابها والروح القدس لن تتواصل مع أي كان بعد الأنبياء المتأخرين حجي وزكريا وملاخي. إنما في عصر الخلاص (النهائي) ستعود السماء لتفتح أبوابها من جديد ".
لكي تحمي هيئة الأحبار دورها، وهبت لذاتها ولأعمالها المقبلة صفة مقدسة، إذ عملت على تقليد حكماء التلمود صفات عالية التقديس تتجاوز فيها درجات الأنبياء- كأكيفا بن يوسف، حيث تم نعته بالحكمة التي تبز موسى ذاته ..
كما لو كان هؤلاء الأحبار قد استوعبوا بذواتهم خلسةً، سلطة الكاهن المشرّع وقدسية النبي.
كنتيجة لجملة المؤثرات والعوامل السابقة، تم إقصاء الكثير من أعمال الأنبياء، تلك التي كانت في عرف أصحابها وغيرهم من ما حولهم بمثابة نصوص مقدسة، من بينها أدبيات ما بين العهد القديم والجديد.
لا يستبعد وٌجود أدبيات أخرى لم يتح لها الالتجاء إلى كهف أو مخبأ.
وأي كان، لم يكن بوسع هيئة الأحبار إجراء إقصاء شامل لأعمال الأنبياء، نظراً لحضورها القوي الذي يستحيل تجاوزه.
بيد أن هذه الهيئة قد قُدر لها إنجاز عملية تنظيف وتنظيم وتطوير وغربلة لهذه الأدبيات بنوعيها في عصر سيطرتها، كي تخلق نوعاً من التجانس والانسجام بينهما..
ومنذا الذي يستطيع أن يقف حائلاً دونها.. لا سيما قد أتاح لها التاريخ في مرحلة معينة، حرية الهيمنة على مصائر وسائر الأدبيات العبرية المقدسة.. !!
لعل هذه الحقيقة بحد ذاتها، تُبرِز على نحو ما إمكانية حضور رؤى أخرى في محتوى النصوص الأصلية الأولى لأسفار النبوات والأمثال والحكم والأشعار.. تلك الرؤى التي تكون تحققت في بيئة تاريخية مغايرة، لما قد أحاط من شروط بأسفار الصنف الأول ذات الصلة بمادة التوراة.
على هذا الأساس، تكون هذه الكتابات بمجملها ولا سيما كتابات الصنف الثاني قد أصابها نمطاً من التقليص الكبير لكثافة توجهها النوعي الخاص بها..
يترآى لنا، كون النصوص النبوية القادمة إلينا، لا يمكن أن تعكس بدقة أفكار ورؤى أنبياء من أمثال أشعيا وأرميا ودانيال..
يأتي تساؤلنا، عن الكيفية التي يمكن من خلالها تحديد موقفها الحقيقي من كتابات توراة لم تكن بعد قد أعلنت عن ذاتها، على
الأقل على نحو مكتمل..
أليس من الممكن أن يكون لهم رؤى أخرى غير ما بدا عنهم عبر قنوات لا تمت لهم بها من صلة واضحة.. ؟ ومن يدري..؟
كيف يمكن إصدار الحكم القطعي والنص الأصلي قد توارى وآلَ إلى عالم الغيب، من دون ريب..؟
الكتابات النبوية
من المفترض به، كون المجال التاريخي الذي ضم هذه الشخصيات النبوية يقع في ما بين القرن الثامن والقرن الخامس ق م.
مع الأخذ بعين الاعتبار، أن عودة مثل هذه الكتب لهؤلاء الأنبياء كأسماء، لا يشكل أكثر من فرضية تنطلق من الزعم بكونها مجرد مرجعية أولية، لا واقعة كلية، من حيث قد تم مراجعتها في فترات لاحقة - حسبما تقرره في هذا المجال الدراسات التاريخية- وهذا ما أعلنت عنه معطيات مخطوطات قمران.
كما تظهر سرديات النصوص عبر وجود نمط من الأنبياء الكبار مثل إيليا وايليشاع، لم يُعثر على مجموعات لأقوالهم النبوية، هؤلاء الأنبياء الذين كان لهم دورهم الهام المنوه عنه في الأدب المقدس (الملوك الأول 17، الملوك الثاني 13).
كثيراً ما يرد في النصوص ذكر لأنبياء دون أسماء، ولفرق من الأنبياء وجماعات وعائلات وسلالات.
مهما يكن من أمر، تمثل الكتابات النبوية المعادل العصري للكتابات السياسية.. تتناول مسائل عينية على طريقة المقالة السياسية. تحمل شحنة تحريضية على طريقة الدعوة السياسية. تقدم رؤيا مستقبلية على نمط البرامج السياسية.. بيد أنها تتقلد أساليب ومفاهيم ولغة وصور وطرائق كتابات عصورها المنوطة بها..
من جانب آخر، تعلمنا مخطوطات كهوف قمران وتخوم البحر
الميت، أنه قد تم استبعاد عدد كبير من الأسفار من ذوات السمات النبوية، وحُمّلت صفة المزيفة..
في زمن تالٍ جرى قوننة أسفار أخرى، كما أُعيد قوننة سفر حزقيال في نهاية القرن الثاني ميلاي، بعدما قد تم رفضه في زمن مضى.. !!
بصدد هذه الظاهرة بوسعنا التساؤل: هل توقف قانون الإقصاء– في تلك الشروط التاريخية- عند حدود الاختصاص بأدب أنبياء الصنف المزيف أو بالأحرى أنبياء العزف خارج الكورس النبوي المكرّس- دون المساس بصفحات من إبداع أنبياء الصنف المقدس.. !!

أنبياء وأحزاب
ليس من الاستهجان بمكان أن يكون في ذلك الزمان لكل حزب أنبياء.. في الوقت الذي يُعلن فيه من قبل الأدب القديم- بما فيه العهد القديم الحبري- عن إله لكل قوم أو قبيلة أو وظيفة (أو شخص).. يستدعي هذا الشأن وجود أنبياء لكل إله من هؤلاء..
في ظل هذا التلاطم من التنوع بسمات وأنواع الأنبياء، ليس من الإستغراب أن يكون لكل حاكم نبي يحتذي بحذو الحاكم، وأن يتمثل كل فريق أو حزب أو تيار أو مركز سياسي أساسي أو ثانوي بنبي.
لم لا ؟ ففضاء المكان في ذاك الزمان كان يعج بشتى انواع الآلهة، فلا بد أن يكون على السواء لكل من هؤلاء، أنبياء وسدنة على قدرهم وعددهم..
على هذا المنوال، بوسعنا تلمس حضور سابق لتيارات نبوية جرى طمس معالمها..
على سبيل تعزيز فرضية الوجود التاريخي لها، نعرض الآتي:
أولاً- نستمد من مقولة لمكسيم رودنسون مستنداً منطقياً لوجود هذه الظاهرة، إذ يقول: " كانت الظاهرة النبوية شائعة في ذلك العصر " " ويغمر النسيان على الدوام صفحة هؤلاء المغلوبين "." فالميل الطبيعي يذهب لدعم وترويج الإيديولوجيا السائدة"."- " إن إعجابنا المشروع ببعض الصفحات من العهد القديم المتمثلة في مختارات محددة من الأدب العبري يجب أن لا تنسينا في أن الشعوب القاطنة مع إسرائيل (القديمة) قد أبدعوا أعمالاً أدبية رائعة. ولا يوجد أي دليل يدفعنا للاعتقاد في كون هذه الأعمال أدنى مستوى من مثيلاتها الإسرائيلية ". بل وثمة " إشارات في النصوص الإنجيلية إلى حكمائهم "
أما بصدد التيارات النبوية العبرية الأخرى التي تم طي صفحتها يعلن روندنسون: إن النسيان طوى صفحة تيار من الأنبياء مضاد لهؤلاء الذين قد تم اعتمادهم " مما أدى إلى ضياع آثارهم " هؤلاء الأنبياء المزيفون (حسب الوصفة السائدة) الذين قد هجاهم الأنبياء الأنقياء " ومن يدري " ربما كان الأمر عكسياً، لقد كانوا بكل تأكيد يتمتعون بالجدارة والاهتمام..
ثانياً- تزودنا الأسفار التاريخية للعهد القديم العبري بحضور زاخر لهذه الظاهرة مع تنوع في محتواها، إذ تروي أنباء عن أنبياء للإله بعل " أنبياء بعل أربع المئة والخمسين وأنبياء السواري أربع المئة الذين يأكلون على مائدة إيزابيل" هؤلاء الأنبياء الذي ناصبهم " النبي إيليا " العداء (الملوك الأول 18/19). وأمثال أولئك وهؤلاء كثر، ومنهم عائلات وفرق وجماعات وسلالات وأبناء ومن بينهم ما ليس لهم أسماء..
في المقابل ظهر صراع محتد بين فرق من الأنبياء في زمن مملكة
أورشليم وبعدها، بين أنبياء " أنقياء " وأنبياء " أدعياء "، من بينهم " أخآب بن قولايا، وصدقيّا بن معسيّا، وشمعيا النحلاميّ وحنينيّا النبي "(29 أرميا /20-32)، وغيرهم..
ولكم راح أرميا ومن بعده حزقيال يرمي بالسوء زمر من أنبياء.. كانوا على مرآى ومرمّى منهما..
تقدم لنا التوراة شهادتها عبر مروياتها، عن وجود النبي غير العبري بلعام وقد قلدته على غير عادتها التقدير الكبير.. بيد أنها قد جعلته مجرد شاهد" زور "، شاركه فيها حماره الذي تكلم كالبشر.- عدد 22).
كان عدد وافر من هؤلاء الأنبياء يعملون في ذات المكان وفي حالة تماس مباشر، تجلّى أحياناً بالتنافس وأحياناً أخرى بالصدام والتوتر، مما يوحي بتوسع هذه الظاهرة وشمولها.
ثالثاً- هو ذا مؤَلف " التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها (ص 276) يعرض تأكيداً موازياً لواقعية حضور مثل هذه الظاهرة، حين يذكر" إنه من الطبيعي أن نفترض أن هناك أنبياء شمالين- الذين تنبؤوا كذباً كما ربما يكون الكتاب المقدس العبري قد قال عنهم - كانوا أقرب للمؤسسة الملكية في السامرة. لم يكن ممكنأً لمثل هذا النوع من المادة أن يجد طريقه – احتمالاً – إلى الكتاب المقدس كما نعرفه اليوم. ربما لو بقيت إسرائيل (مملكة الشمال) تلك التي صب عليها كتبة الكهنة جام غضبهم، لكنّا قد حصلنا على تاريخ موازٍ ومنافس ومختلف لما نقرؤه اليوم..-
بوسعي القول: ليس من المستبعد أن يكون التاريخ العبري في ذلك الزمن، على النقيض مما توفر لنا في معرفته..
أدبيات وأنبياء
لم يظهر في هذا المجال أدبيات مكتوبة لكل هؤلاء الأنبياء..
ولنعلم أنه لم يظهر النبي الكاتب، قبل مع بداية رحلة حضور الكتابة وعلو شأنها، ناهيكم عن التنوع الواسع لوظيفة النبوة وتعدد أشكالها التاريخية وفق ما قد ذكرنا قبل حين..
ثمّ ألا يمكن وجود أدبيات نبوية راحت إلى عالم النسيان، ناهيكم عن أخرى، لم يسعفها الحظ بقوننتها.. ولنا في أدبيات كهوف قمران وتخوم البحر الميت خير دليل في هذا السبيل..
سيل من الشكوك: في هذا الصدد، يضع المؤرخون العلمانيون ميسم الشك على كون هذه الكتابات النبوية، قد حافظت على أصولها، وينكرون عودتها بكليتها إلى الأسماء التي حملتها..
على سبيل المثال- كما ذكرنا آنفا- يذهب أدولف لودس حتى الاعتقاد: بعدم معرفة المؤلف الحقيقي للمؤلف (النبوي)، إذ لا تظهر مجمل هذه الأسفار أو بالكاد، علاقة فعلية بأسماء أصحابها. وكثيراً ما ُتجهل هوية مؤلفها الحقيقي. ويرى أنه لا يمكن التعرف إلا على الناشر " المقدس " بدوره..
نقول هنا: ألا يمكن والحالة هذه أن يكون قد حدث تطوير أو تعديل أو تبديل لسبب ما، في محتوى الأصل مع تغير المجال وحال الأحوال..؟ --
ولم لا، والكل قد تتلمذ حتى الإشباع برؤى المقدس في ذاته، والتواصل مع مشيئته..
تتأكد هذه المقولة بكل صخبها وعنفها بتلك الحقيقة التي توصل إليها الأستاذ الجامعة العبرية في القدس- إيمانويل توف (التي ذكرناها)- من خلال دراساته الخاصة في مخطوطات كهوف قمران، في كون الكتبة قد تمتعوا في الأزمنة القديمة بحرية قصوى في أعمالهم الكتابية. إذ كانت النصوص تتبدل بسرعة..
نعلق بدورنا: ومنذا الذي بوسعه كبح جماح الكتبة في تبديل ما ورثوه عن سابقيهم.. !!
نذّكر هنا بما أعلمنا إياه علم تشكّل التوراة والأسفار من أسرار بأن: لا التوراة ذاتها ولا ما لحق بها من أسفار تمثل أدب مرحلة محددة بذاتها ولا شريحة كتاب عصر محدد، إنما طبقات نصوص متراكمة تمثل كل طبقة منها إبداع شريحة لكتاب مرحلة بعينها.
لقد أسهمت كل من هذه الشرائح المتتالية لهؤلاء الكتبة، في تعديل إبداعات مَن سبقهم من شرائح الكتّاب، إلى الحد الذي بات فيه من المتعذر التوصل إلى تحديد دقيق لعصر كل طبقة من هذه النصوص والتعرف التقريبي على كتابها. ؟
موقف المؤسسة الكهنوتية في البدايات: الأهم من هذا وذاك هو موقف هذه المؤسسة بالذات. كما ذكرنا آنفاً، أن هذه المؤسسة أدارت ظهرها للأدبيات النبوية..
على هذا المنوال، أشار لنا علم تشكّل التوراة والأسفار، بأن النص المقدس في طور التأسيس الموافق لأعمال لفيف عزر ا لم يتضمن أي من الأدبيات النبوية، بينما قد احتوى على نواة التوراة ونصوص تاريخية (أخبار الأيام)..
على ذات المنحى، كنا قد تداولنا مع واقعة تشكّل حزب حبري، تأسست طلائعه في عهد حزقيا وقويت شوكته في عهد يوشيا، ومن ثمّ قد أصبح سيد الساح العصر الفارسي، إثر تصفية الشريحة السياسية الزمنية عهد " السبي" البابلي..
نرى، في تجاهل الحزب الحبري للأدبيات النبوية المعاصرة لهم، ما يفصح عن كون تلك الأدبيات قد احتوت على رؤى لا تتسق مع خط الأحبار، مما قد يوحي بوجود تيارات نبوية مناهضة لتيار الأحبار..
من معطيات مخطوطات مخطوطات كهوف قمران وتخوم البحر الميت: نستدرك منها ما يمكن أن نقول فيه - في الوقت الذي أعلنت هذه المعطيات فيه، عن إقصاء طائفة كبيرة من صنف أدب الأنبياء ونعتهم بالأدعياء.. ألا يمكن في ذات المآل، قد جرى تكييف أدب الأنبياء " الأنقياء " المعترف بهم لربطهم بالمنظور الرسمي..!
بوسعنا والحالة هذه الإفتراض، بكون الكتبة المنضوون تحت يافطة الحزب الحبري، حينما استفردوا في الساح وآل إليهم تسيير شؤون الملّة والهيكل..، عملوا لكتابة النص المقدس ومجموع التراث، بما يتفق مع أفق يخدم مصالحهم في حاضرهم وطموحاتهم في مستقبلهم.
في ظل من ذلك، جرى عمليات تحوير أو تحويل في الكتابات التي لا تتسق مع منظورهم..
من مجمل ما تقدم: على هذا النسق بوسعنا أن ندرك، في كون هذه الظاهرة المتمثلة بواقعة التعديل والتطوير والتبديل، لم تنصب فقط على نصوص هؤلاء الأنبياء، إنما قد شملت كل أدبيات العهد القديم بدون استثناء، مما يفصح عن نمط من السلوك العام الذي إستحوذ بتلابيب الكتبة على مر الأزمنة..
بيد أن الفرق ما بين ما حلّ من رعاية إهتمام في نصوص التوراة والأسفار التاريخية، ومع ما وازاه من نصوص الأسفار النبوية، يتعلق بموقع النشأة الأولى، فالنصوص التوراتية وما لحق بها من أسفار قد تنطع لها كتبة الأحبار، بينما جاءت الأسفار النبوية من يراع الأنبياء..- ثم تطوّر لكل منهما في قنواته الخاصة عبر الزمن، حتى حلول العصر الإغريقي..
وإذ شهد هذا العصر الإغريقي إزدهاراً ثرياً في الرؤى النبوية، لدى كل الشعوب والأقوام الخاضعة لهذه الهيمنة، مما قد شحذ اهتمام مؤسسة الأحبار للنظر في قيمة هذا النمط من الأدب، فإندفع الكتبة لدراسة مجمل التراث الأدبي النبوي، وعدلت ما عدلت
ووضعت إستطالات ما استطاعت..
على وقع من ذلك، نعثر في كتابات لأنبياء رحلوا من قرون، إطلالات من رؤاهم على أزمنة ما عاصروها قط.
على سبيل المثال، ينطوي سفر أشعيا النبي (700 ق م) على نصوص تخص العصر الفارسي (538- 333ق م) – ولدى دانيال (حوالي580 ق م) على إطلالات نصوصية على العصر الإغريقي (333 - 63 ق م) – على هذا النهح، حدث ولا حرج..
هذا جانب من المسألة، بيد أن ثمة عوامل أخرى ظهر لها فعلها في هذا المنحى - كما ذكرنا، عندما انبثقت الأدبيات النبوية بمجملها قد تمتعت منذ لحظة النشوء بهوية خاصة على صعيد الموضوع وسيرورة التشكّل، ولم تكن هكذا في هذا ولا في ذاك على ارتباط وثيق بمنحى خط التوراة وما لحق بها (الأسفار التاريخية اللاصقة بها) - لا من حيث الموضوع ولا سير التكوّن ولا الجهة التي أصدرتها وحضنتها ورعتها وطورتها.
في خضم من ذلك، عندما أتاحت التطورات التاريخية لمؤسسة الأحبار إصدار القرار في تحديد هوية الأسفار المقدسة، عمل هؤلاء من جهة، على إقصاء عدد وافر من أسفار أنبياء، ناهيكم عن تنظيم وتكييف الأدبيات النبوية التي تم قبولها وجعلها على اتساق ما..
بوضوح أكبر، تكون هذه الكتابات النبوية بمجملها حينما خضعت لإعمال متتابعة من مساهمات التغيير والتطوير والتكييف، يكون قد أصابها نوعاً من التقليص الكبير لكثافة توجهها النوعي الأصلي الخاص بها.
تنطلق هذه الحقيقة من كون الأدبيات العبرية المقدسة، لم تصل في سيرورة تشكلها إلى حالتها قرب الراهنة إلا في نهاية القرن الأول الميلادي.. مما يستدعي والحالة هذه، كون هذه النصوص الحالية، لا يمكن أن تعكس بدقة أفكار ورؤى أنبياء من أمثال أشعيا وأرميا وباروخ ودانيال وحزقيال ..؟
من جانب آخر نرى، أن مجمل هذه العملية التي حطت على النصوص النبوية، لم يكن بوسعها إقصاء كل ما أتى عبر هذه النصوص من رؤى في سوابق عهدها، ولا سيما أن المنهج الغيبي قد استحوذ على عقول هؤلاء الكتبة، فضلاً عن هزال حاسة النقد العلمي لديهم، مما أتاح ببقاء قبس من تلك الرؤى..
على ضوء من هذا نرى، أن النصوص النبوية، قُدر لها في شرائحها الأولى الاحتفاظ بقدر ما من على الحقيقة التاريخية المغيبة، مما جعلها تعكس حقيقة خفية ما، لا ترى في الأسفار التاريخية.
مما يرسخ قوة هذه الواقعة، كون هذه النصوص حين تشكلت مادتها الأولى، تأثرت بعدد من العوامل والمؤثرات: من بينها استقلالية الوسط النبوي عن الوسط الكهنوتي، وطريقته في التعبير ذات المنحى الشعري، وتفاعله الصميمي مع الأحداث، وتواصله العميق مع معاناة الجمهور العبري.
كخلاصة لمجمل ما تقدم، نجدنا على اضطرار موضوعي للتداول مع شرائح لنصوص نبوية.. أكثر من التعامل مع نصوص قطعية لنبي أو لأنبياء، لا ندرك حقيقة مواقفهم، بل ونجهل الوجود الفيزيقي لبعضهم.
نرى هنا، أنه يمكن الاعتماد على مؤشر تاريخي يوحي بربط النص بطريقة ما بما يحمل من اسم لنبي، من خلال احتمال معاصرته-كشخص فيزيقي- لمرحلة معينة.
والسؤال: كيف يمكن التعامل الفعّال على سبيل المثال مع نصوص أرميا النبي: في هذا المجال سوف نعمد لتطبيق منهجنا الخاص بالغوص الإركيولوجي في النص، فنمسك بناصية النص من خلال واقعة تزامنه مع أرميا كشخص فيزيقي، ونظراً لكونه قد عاصر أواخر عهد مملكة أورشليم ولحظة ولوج ما يسمّى بالنفي البابلي، تكون النصوص ذات الصلة بتلك المرحلة عائدة في الغالب إليه، بينما تكون النصوص التي تتناول المرحلة الفارسية ولا صلة له بها- كشخص فيزيقي، هي من إضافات من غيره..
على هذا الأساس، لا يمكن النظر إلى النص كوحدة قائمة بذاتها عائدة للنبي المسمّى به، بل كشرائح متداخلة متشابكة ممثلة لأطوار متعددة.. لم تحافظ فيه نهاياته على أصول بداياته.
وهذا بالذات ما يدعم قوة منهجنا الخاص بالغوص الإركيولوجي في طيات النص المقدس..
ونحن في مداولتنا تلك، سنضع نصب أعيننا جل هذه المعطيات، في الحفر في النص، بحثاً عن أنبياء لتيارات أو أحزاب كان لها حضورها في تلك الأزمنة..
ملامح لتيارات عبر النصوص النبوية ..؟
ينطلق مصدر الاعتقاد بإفتراض وجود تيارات مناصرة لهذا المركز أو ذاك، ذلك لكون المنطقة قد شكلت بعمومها وحدة حضارية، ظهرت معالمها بالثقافة الموحدة وباللاهوت الموحد وبالخضوع شبه المتواصل لأحد المركزين – من حيث الناس في تلك الأزمنة قد كانوا على دين ملوكهم، أو بالأحرى على نهج السلطة المهيمنة
وهذا ما قد ظهر لنا آنفاً من خلال البحث والتنقيب في حقل النصوص التاريخية.
على أعتاب الدلالات المستمدة من هذه النصوص، سوف نتناول ما تحمله النصوص النبوية من إضاءات تصب في ذات المسألة، من حيث كون النصوص النبوية بحمولتها - أي بما تخفي من شحنات عاطفية - تشكل إطلالات قد تنجو من مقص الرقيب الحبري، حينما عمل هذا الرقيب، على تنسيق هذه النصوص لتلتئم مع نهجه
المعتمد والمستجد، فيما بعد..

حزب عبري مصري – واضح الحضور - في نصوص نبويّة
من دلالات وجود حزب عبري مصري، أول ما نعثر عليه بوضوح لدى أدبيات إشعيا..
في (الإصحاح 30/1- 5) يقول أشعيا " ويل للبنين المتمردين يقول الرب حتى أنهم يجرون رأياً ليس مني ويسكبون سكيباً وليس بروحي ليزيدوا خطيئة على خطيئة الذين يذهبون لينزلوا إلى مصر ولم يسألوا فمي ليلتجئوا إلى حصن فرعون خجلاً والاحتماء بظل مصر خزياً. لأن رؤساءه صاروا في صوعن وبلغ رسله إلى حانيس".
يتكرر هجاء أشعيا للحزب العبري المصري في (31/1-3): " ويل للذين ينزلون إلى مصر للمعونة ويستندون على الخيل ويتوكلون على المركبات لأنها كثيرة وعلى الفرسان لأنهم أقوياء جداً.". يحتل موضوع مصر شعبها ونظامها موقعاً هاماً في سفر أشعيا، نجده خاصةً قد غطى كامل الإصحاح التاسع عشر..
ليس من المستبعد، أن يكون حزقيّا ذاته من أنصار الحزب المصري أو على الأقل من أنصار قبول الدخول في ظل النفوذ المصري.
يقدم سفر الملوك الثاني (18/21) شهادة قيمة تدعم هذه الفرضية، حيث يذكر- والخطاب موجه إلى حزقيّا -" والآن هوذا قد اتكلت على عكاز هذه القصبة المرضوضة على مصر التي إذا توكأ عليها أحد دخلت في كفة وثقبته. هكذا هو فرعون مصر لجميع المتوكلين عليه ".
وما كان لإشعيا النبي، كنصير للحزب البابلي- كما سنرى- أن يلح في التعريض بهذا الحزب العبري المصري، لو لم تكن سطوته- (هذا الحزب) - قوية وحضوره فعّالاً.
تعبر جل هذه المؤشرات على نحوٍ ما لوجود لحزب عبري مصري قوي..!
في زمن أرميا، يتأكد الحضور الفعال لهذا الحزب إثر اقتحام نبوخذ نصر إلى أورشليم " فقام جميع الشعب من الصغير إلى الكبير ورؤساء الجيوش وجاءوا مصر لأنهم خافوا من الكلدانيين " (الملوك الثاني 25/26).
ليس بالإمكان قبول مثل هذا اللجوء الواسع في ذلك الزمن، لجماعات سكانية وشرائح اجتماعية إلى بلد ما، إلا من خلال وجود لقاعدة صلبة وصلة لعلاقة متينة وقديمة ومنظمة.. بل وحزب ونخب وقادة.. لاسيما أن الأمر يتعلق بمصر التي لها صلة وطيدة وعريقة في هذه المنطقة منذ ذلك الزمن السحيق.
السؤال: هل كان لهؤلاء من الحزب العبري المصري أنبياء.. ؟ --أيكون شمعيا النبي من رموز أنبياء هذا الحزب.؟ لاسيما قد ورد ذكر لهؤلاء الانبياء، في سفر أرميا (29/20-32) " أخآب بن قولايا، وصدقيّا بن معسيّا، و شمعيا النحلاميّ وحنينيّا النبي "
ينضم لهؤلاء زمرة من الأنبياء الأعداء، بلا أسماء تم ذكرهم في العديد من المواضع…؟ - كان هؤلاء على عداوة مع أرميا – وقد كان بدوره – كما سنرى- أحد أعمدة الحزب العبري البابلي.
ثمة سؤال آخر يُشتق مما سبق: ماذا قد حل بأنبياء الحزب العبري المصري.. وأين آثارهم.. ؟ ربما نستطيع العثور على إجابة ما من خلال تناول " أنبياء الحزب العبري البابلي " (فيما سيأتي).
بإشارة سريعة نذكر: في عام 587 ق م يقرر نبوخد نصّر إلغاء الكيان السياسي العبري المحلي، الذي كان قد تأرجح سابقاً في علاقاته بين تبعية مصرية أو بابلية أو آرامية محلية أو فينيقية..
يقول الرب، إن" الذين يتنبأن لكم باسمي بالكذب، ها أنذا أدفعهما ليد نبوخذ ناصّر ملك بابل فيقتلهما أمام عيونكم. وتؤخذ منهما لعنة لكل سبي يهوذا الذين في بابل فيقال يجعلك الرب مثل صدقيّا ومثل أخآب اللذين قلاهما ملك بابل بالنار. من أجل أنهما عملا قبيحاً في إسرائيل وزنيا بنساء أصحابهما وتكلما باسمي كلاماً كاذباً لم أوصهما به وأنا العارف الشاهد يقول الرب (أرميا 29/21- 22) "
على رأس هؤلاء الأنبياء، شمعيا النحلاميّ " لذلك قال الرب. ها أنذا أعاقب شمعيا النحلاميّ ونسله " (أرميا29/ 32) – [ حتى نسل هذا النبي لم يسلم من غضب الرب العبري..! ]..
كذلك " حنينيّا النبي الذي يميته الرب عقاباً على أكاذيبه (أرميا 28/15): " فقال أرميا النبي لحنينيّا النبي. إن الرب لم يرسلك وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب. لذلك قال الرب. هاأنذا طاردك عن وجه الأرض. هذه السنة تموت لأنك تكلمت بعصيان على الرب "..
للمزيد من تأكيد وجود هذا الحزب بصورته السياسية النخبوية، ما يشير له أرميا ذاته في طيات سفره (أرميا في الإصحاح 40 و 41 و 42 و 43 و44 و45 و46)، حيث يذكر أسماء رموز نخبوية بقيادة " إسمعيل بن نثنيا بن أليشاماع "، كانت قد أقدمت على قتل –جدليا- الحاكم العبري الممثل لنبوخذن صر (أرميا41).
ولجوء مجموعة مناوئة لبابل بقيادة عزريا بن هوشعيا ويوحانان بن قاريح إلى مصر وأقتادوا معهم أرميا النبي وباروخ النبي (أرميا 43). .
في مصر، لم يتوقف أرميا من إصدار نبوءاته ضد مصر وحكامها، حين " صارت كلمة الرب إلى أرميا في تحفنحيس قائلة. خط بيدك حجارة كبيرة واطمرها في الملاط في الملبن الذي عند باب فرعون في تحفنحيس أمام رجال يهود. وقل لهم. هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل. ها أنا أرسل وآخذ نبوخذ ناصر ملك بابل عبدي وأضع كرسيه فوق هذه الحجارة التي طمرتها فيبسط ديباجه عليها. ويأتي ويضرب أرض مصر الذي للموت فللموت والذي للسبي فللسبي والذي للسيف فللسيف. وأوقد ناراً في بيوت آلهة مصر فيحرقها ويسبيها ويلبس أرض مصر كما يلبس الراعي رداءه ثم يخرج من هناك بسلام. ويكسر أنصاب بيت شمس في مصر ويحرق بيوت آلهة مصر بالنار " (أرميا 43/8-13).
على ذات المنوال، يقدم حزقيال شهادة على اندحار الحزب العبري المصري، حينما قال: (29/6-7) " ويعلم كل سكان مصر أني أنا الرب من أجل كونهم عكاز قصب لبيت إسرائيل عند مسكهم بك بالكف انكسرت ومزقت لهم كل كتف ولما توكأوا عليك انكسرت وقلقلت كل متونهم "..
مرةً أخرى يردد حزقيال مقولته (23/19-21) " وأكثرت زناها بذكرها أيام صباها التي زنت بأرض مصر وعشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير ومنيهم كمني الخيل. وافتقدت رذيلة صباك بزغزغة المصريين ترائبك لأجل ثدي صباك ".
موقع النفوذ المصري - كما مرّ معنا آنفاً، إن نفوذ مصر قد تجلّى بأبهى صوره على تخوم مصر من أرض كنعان، ولا سيما في المنطقة الجنوبية.
استمر هذا النفوذ بين كرٍ وفر في عصر حضور آشور وبابل- ظهر هذا النفوذ باكثر الصور في بقعة يهوذا، على العكس من بقعة السامرة، من حيث كانت هذه الأخيرة منذ البدء شمالية التوجه، بالأحرى مال نبضها نحو صور ودمشق، كما حسمت آشور أمرها قبل أورشليم..
من أركيولوجيا الأسفار التاريخية- يبدو لنا ظهور صلة ما لمصر في ظرف ما لدى حزقيا ويوشيا (وآخرين أيضاً)، طرأ عليها تحوّل ما ضمن مجرى التحولات الدراماتيكية، التي كانت بين جزر ومد وأخذ ورد.
من الوضوح بمكان، إن ما يميز عهد هذين الحاكمين، كون الشريحة الكهنوتية قد علا شأنها وارتفع شأوها، وأضحى لها مراتب ورتب ورواتب (نظام مالي)..
الأمر الذي قد ظهر لأول مرة، عبر مرويات الأسفار التاريخية.. ربما لهذه الظاهرة قيمة ما، سنحاول تحريها..
الكهنوت في مصر- في قصة الحضارة (ص 182): في معرض التعليق على حكم توت عنج آمون- خليفة أخناتون- كان للكهنة عوماً في مصر سلطة عالية، ولقب توت عنج آمون حبيب الكهنة " لم يكن للبلاد كلها سلطة بشرية فوق سلطته إلا سلطة الكهنة.. "
"كانت أسلاب كل حرب والجزء الأكبر من خراج البلاد المفتوحة تتدفق أثناء حكمه وحكم خلفائه الذين تولوا الملك مباشرة بعده – إلى خزائن الهياكل والكهنة. "
" بلغت الثروة أعلى درجاتها في عهد رمسيس الثالث، فكان في المعابد من العبيد 107000 وهم 1/30 من سكان مصر، وكان لها من أرض مصر 750000 فدان أي 1/7 من أرض مصر الصالحة للزراعة، وكانت تملك 500000 رأس من الماشية. وتستحوذ على إيراد 169 مدينة من مدن مصر والشام.. والهدايا:32000 كغ ذهب، مليون كغ فضة، 185000 كيس من الحبوب كل عام.. "
السؤال..: هل لهذه الظاهرة من علاقة في تأثر وتأثير بين التابع والمتبوع، مما أدى إلى صعود شأن الشريحة الكهنوتية في عهدي حزقيا ويوشيا.. ؟
أكثر: هل كان لهذا من أثر، في تشكّل تيار عبري حبري مصري الهوى، ظهرت أثاره لاحقاً، في سياق مسار تشكّل التوراة والأسفار..؟ هل يمكن افتراض أن سفر اللاويين من مأثورات هذا التيار ؟ وقد قيل الكثير عن علاقة اللاويين بمصر.. ؟
وتبعا لذالك.. لا ندري، إن كان للكهنوت – فيما بعض من مكوناته، له ميل مصري، والأنبياء في معظمهم كان لهم نزوع بابلي.. لا ندري.. ؟
نظراً لكوننا، إن شئنا أم أبينا، نغوص في بحر من التاريخ المتلاطم، فإننا نقول فيما قد عرضنا، - ربما..؟ وإن فرضياتنا سوف تبقى تحوم في حدود تخوم المزاعم.. وما أقصر المسافة بين الزعم والوهم، وكذا، ما أقرب الحدود ما بين الزعم والجزم..!! وهل فعل الباحثون في هذا الورى، غير ذا.. يا ترى.. ؟
يعقد لواء النصر نهائياً للحزب العبري البابلي وأنبياء هذا الحزب..؟
ويذهب رواد الحزب المصري، قادةً وأنبياء إلى الاختفاء..

حزب عبري بابلي
نقصد بلفظة بابل، كرمز لمركز لا كتعبير ممثل لمرحلة سياسية بحد ذاتها بحيث تضم كل ما يتعلق بدور بابل من حمورابي حتى نبوخذ نصر .. ما هي بحد ذاتها سوى مرحلة واحدة بأطوار متعددة..
شهادات من نصوص نبوية، تلوّح بوجود تيار عبري بابلي الهوى: نجد من الضرورة بمكان التوقف بشكل أطول عند تناول الوقائع والمؤشرات المتعلقة بأنبياء هذا الحزب، لأسباب عديدة أهمها:
أولاً - إن الوقائع والمؤشرات الدالة بوجود أنبياء هذا الحزب، أكثر حضوراً منها فيما يتعلق بأنبياء الحزب الآخر.
ثانياً - يشكل البرهان على وجود أنبياء لهذا الحزب دلالة على وجود أنبياء للحزب المصري، بحيث يبدو إن كان لهذا الحزب من أنبياء، لماذا لا يكون للحزب المقابل أنبياء.
ثالثاً - أصاب المرحلة البابلية الكثير من غزوات التزوير، بحيث قد ضاع دورها الإيجابي في زحمة تلاطم النصوص المكيّفة
وتشابكها.
مؤشرات لحزب عبري بابلي
في سفر دانيال (1/1-3) " في السنة الثالثة من ملك يهوياقيم ملك يهوذا ذهب نبوخذ ناصر ملك بابل إلى أورشليم وحاصرها. وسلم الرب بيده يهوياقيم ملك يهوذا مع بعض آنية من بيت الله فجاء بها إلى شنعار إلى بيت إلهه وأدخل الآنية إلى خزانة بيت إلهه ".(شنعار = بلاد الرافدين).
يدلنا مستهل نص دانيال النبوي، على حقيقة تاريخية هامة، تتمثل في واقعة سيطرة نبوخذ نصر على الكيان العبري، كيفما كان عليه، بأنها كانت أمراً موضوعياً محسوماً من قبل الظروف الواقعية والصلات الحضارية للمنطقة..
وإلا فكيف ندرك مبادرة الإله العبري بذاته على مباركة فعل نبوخذ نصر- الملك الجبار المنتمي للحزب الوثني…؟ - ها هو الإله العبري ذاته قد " أصعد عليهم ملك الكلدانيين " للاستيلاء على أورشليم ! وأشرف على تسليم يهوياقيم وآنية بيته المقدس! (أخبار الأيام الثاني 36/17) (أخبار الأيام الثاني 36/17)
هل كان لذاك العصر من لغة أخرى للدلالة على منطق التاريخ وإرادته - وقد كان نبوخذ نصر قد سيطر على كامل بقاع الخصيب، بنفس الظروف والشروط والطريقة والأسلوب..
أما الباقون في أرض يهوذا " الذين أبقاهم نبوخد ناصّر ملك بابل فوكل علهم جدليا بن أخيقام بن شافان " (الملوك الثاني 25/22). وله أعوان من العبرانيين.. - في المقابل جماعة معادية " كبار وصغار لهم قادة كبار تلجأ لمصر، هم قوام الحزب العبري المصري.
يهوياكين الملك الأسير في بابل يفرج من سجنه " وكلمّه بخير وجعل كرسيه فوق كراسي الملوك الذين معه في بابل. ووظيفته
وظيفة دائمة تعطى له من عند الملك.. كل أيام حياته "..
نخبة من العبرانيين تستقر في بابل، إذ " أمر الملك رئيس خصيانه بأن يحضر من بني إسرائيل ومن نسل الملك ومن الشرفاء، فتياناً لا عيب فيهم حسان المنظر حاذقين في كل حكمة وعارفين معرفة وذوي فهم بالعلم والذين فيهم قوة على الوقوف في قصر الملك فيعلمهم كتابة الكلدانيين ولسانهم. وعين لهم الملك وظيفة كل يوم بيومه من أطايب الملك ومن خمر مشروبه لتربيتهم ثلاث سنين وعندها يقفون أمام الملك، وكان بينهم من بني يهوذا دانيال وحنينا، و ميشائيل وعزريا، فجعل لهم رئيس الخصيان أسماء فسمى دانيال بلطشاسر وحنينا شدرح وميشائيل ميشخ وعزريا عبد نغو (دانيال 3-6).
من الوضوح بمكان، أن الأمر لا يتعلق بجماعة منفى، إنما بنخبة يُراد تكوينها كي تساهم بإدارة الدولة.
لا تخص المسألة بعض الأسماء بل شريحة واسعة تضم عناصر مختلفة الانتماءات (القبلية أو الإثنية). حسبما يعرضه التعبير الآتي، في إشارة واضحة لهذه الحقيقة " وكان من بينهم من بني يهوذا " ومن بين هؤلاء بدورهم مَن ينتمي لجماعة اللاهوت ومنظومة الكهنة، ومن سراة القوم.. والعظماء الألف (دانيال 5) -
لا يمكن أن يعكس هذا السناريو حالة ثأر من أعداء، إنما نوع من العلاقة مع جماعة تابعة لرعايا الدولة، يراد تنظيم شؤونها بشكل مغاير.. نفر منهم حل متعاوناً والبعض الآخر أتى رافضاً، ومنهم من نقل مواقفه من رفض إلى تأييد، تماماً كالحالة التي تعقب الانقلابات العسكرية أو التغيرات الداخلية في بلد ما..( في عصرنا..!)
إن كان البعض من لفيف الإقامة في بابل منفياً يكون بوضع الإقامة الجبرية، إلا أن هذا الوضع لا ينطبق مطلقاً على دانيال
وصحبه من نزلاء السلطان وحاشيته.
نصوص نبوية تحمل ملمحاً لحزب بابلي قوي …؟
يتعلق الأمر بشرائح من نصوص لخمسة من الأنبياء، وهم: اشعيا، ارميا، باروخ، دانيال، حزقيال.. وإذ نتخذ كنموذج نصوص هؤلاء الأنبياء، إنما ننطلق من أهميتهم كأنبياء كبار، تنتمي لهم نصوص واسعة حجماً ومحتوىً وتنوعاً..
في الحقيقة، إن مسألة هؤلاء الأنبياء في علاقتهم مع بابل، لا يمكن اختزالها بكليتها إلى نمط من علاقة شخصية لهم ببابل، إنما يجب أن تُحدد بعلاقة لشرائح منها أو أطوار لها، تخص بابل- من حيث كون النصوص المسماة باسمهم لا تخصهم وحدهم، إنما قد تم إعادة كتابتها في مراحل تالية لهم، على يد كتبة من التابعين لهم، تلامذة أو سلالة.. ؟
من الراجح، أن هذا الطور من النصوص الذي أفترض له صلة بحزب بابل يعود على الغالب لهم، لأنهم قد عاصروها - بشكل ما - بينما تعود طبقات النصوص الأخرى إلى الإضافات التي قد تم إنجازها في عصر تالٍ، وعلى أيدي كتبة مراحل لاحقة، استعاروا فيها قلم وأسماء هؤلاء الأنبياء..؟
نصوص اشعيا وحزب بابل
أشعيا - سليل أسرة أرستقراطية، نبي العظمة والملوك والسياسة والمستشار المقرب من السلطة. كان أشعيا معاصراً لعزيّا ويوثام وآحاز وحزقيّا (740-687)..
بصدد سفره، أضيف إلى أدبيات نبوءاته ما سطره تلامذته حتى القرن الثالث ق م، يقول الباحث الفرنسي المرموق أندري بول (ص 70) : في الواقع أن عدداً متزايداً من الشراح الكاثوليك يعتبرون اليوم أن عمل أشعيا قد تابعه أنبياء آخرون لهم ما له من الأهمية، لكنهم لم يخلفوا لنا أسماءهم ".
يتميز سفر أشعيا بطوله إذ يتألف من 70 فصلاً. يجري تمييز ثلاثة أجزاء، تمثل ثلاثة أحقاب زمنية، هي على التوالي: أشعيا الأول (1-39) وهو الأقدم- أشعيا الثاني (40- 55)، يتوافق مع نهاية عهد السبي- ثم أشعيا الثالث (55-66)، يتوافق مع عهود ما بعد المنفى، كما ضم إضافات أخرى في مراحل متأخرة وهي الأناشيد الأربعة لعبيد يهوه (42/1-4، 49/1-6، 50/4-9، 52/13-53، 12) ويوم القيامة (24-27)، أي أن هناك من استعار قلمه وأسمه وكتب وأطنب..
على وقع من ذلك، يكون هذا السفر والحالة هذه، قد تم إنجازه زمنياً’ على ثلاثة أطوار زمنية متتالية، وربما أكثر..
نرى، أن هذا التقسيم الثلاثي المتتالي لفصول النصوص، قد أتى بمثابة تقسيم وصفي زمني، وبالرغم من أهميته لا يعكس حقيقة الإضافات والتعديلات التي قد مست أصوله الأولى، كما لا يتطابق مع واقع إنتاج النصوص..
بينما تكون فرضية نصوص الأطوار التي تقدمنا بها أكثر تطابقاً، من حيث كون أطروحتنا تنطلق من واقعة إعادة إصدار النص من جديد، في ظرف زمني تاريخي جديد، بحيث يتم تعديل ووضع استطالة مضافة أو زرق النص الأسبق بمواد جديدة أو حتى تحويل مساره الأصلي - بكيفية ما وهكذا..
مما يجعل الإصدار الأخير يبدو كنتاج لمزج وتداخل وتشابك العديد من الشرائح النصوصية المنتجة عبر أطوار متتالية.
وفقاً لهذا النسق، تكون مقولة نصوص الأطوار- حسب منظورنا، لا تعني قطعاً توزعاً منتظماً- بتتابع - لنصوص يلي بعضها البعض الآخر، إنما على العكس تنطوي على عمل يتميز بالتشابك
والتداخل والاندماج في لحمة من النص الموحد.
من جانب آخر، تأتي كهوف قمران بدورها لتشير إلى وجود أكثر من تداول لهذا النص، إذ تم العثور على لفافة لنص مطوّل يتقارب مع النص الحبري الآتي إلينا.. في حين تبدي لفافة ثانية نصاً أقصر لذات السفر، كما تحتوي على اختلافات مع النص المطوّل..!!. (أندري بول، ص 68).
على هذا النحو، تسمح لنا هذه المعطيات، بمنهجية النظر والفحص والبحث في داخل النص على أساس منطقي ومقطعي، لا على أساس متسلسل أفقي.
من الأرجح لنا، أن يكون سفر أشعيا قد احتوى ثلاث شرائح أساسية، كل شريحة تمثل طوراً بذاته، وهي على التتابع: الطور الما قبل بابلي والطور البابلي ذاته، وأخيراً الطور الفارسي وما بعد.
إن هذا التوزيع القائم على فرضية شرائح الأطوار المتداخلة، يستدعي قبول وجود حالة تواصل ما، في الموقف السياسي المحابي لبابل بين الطور الأول والثاني، بينما يحدث الارتداد عن هذا الموقف في الطور الثالث، حيث ينتقل الموقف السياسي إلى تأييد فارس وقلب ظهر المجن على بابل.
على ضوء مما قد تقدم، لا ينفي حدوث مراجعة شاملة في عصرٍ تالٍ..
في المقابل، إن هذه المراجعات للنصوص أو إصدارتها الجديدة، لا يمكن لها الانقضاض الكلي على ما سبقها، إنما يتاح لها المناورة بطريقتها المعتمدة على زج اللاهوت في فعل الناسوت..- وهو المنهج المعتمد من قبل منظومة الأحبار، حيث يتم الزج بالإله العبري في تنظيم مسار التاريخ، بل ويجعل الأعداء أداة في تنفيذ إرادته..
مما يجب أن لا يغيب عن البال- ونحن على خط تحليل النص وتفكيكه إلى شرائح الأطوار، لا بد من معرفة المسار التاريخي
الذي أحاط في وضع شروط التكوّن الخاص بكل طور.
على قاعدة هذا المنظور المتقدم، نتناول سفر اشعيا وغيره من الأسفار.
من ضمن نصوص الطور البدئي لسفر أشعيا الممالئة أو الممثلة للحزب البابلي نسرد البعض من النماذج:
يُستهل هذا السفر" رؤيا إشعيا بن آموص التي قد رآها على يهوذا وأورشليم في أيام عزيّا ويوثام وآحاز وحزقيّا وملوك يهوذا "، أي قبل نهاية المملكة أورشليم، وقبل عصر نبوخذ نصر.
يعلن هذا السفر (الإصحاح السابع) عن أحداث نزاع بين فقح بن رمليا (متزعم قبائل إسرائيل) وآحاز (متزعم قبائل يهوذا) ويكون فيه بن رمليا على صلة تبعية مع آرام دمشق: إذ " حلت آرام في أفرايم " (أي إسرائيل- الشمال)
يذكر أشعيا (7/2)، أن آشور تدعم آحاز (متزعم يهوذا والذي يدفع الجزية) وقد كان أشعيا مستشاراً له.
تنطوي هذه الإشارة على أهمية خاصة، فإن كان آحاز موالياً لبابل، لم لا يكون أشعيا نبي آحاز، ممثلاً للحزب العبري البابلي..!!
في أشعيا (8/ 5-8): " ثم عاد الرب يكلمني أيضاً قائلاً، لأن هذا الشعب رذل.. لذلك هو ذا السيد يُصعد عليهم مياه النهر الجارية والكثيرة ملك آشور وكل مجده فيصعد فوق جميع مجاريه ويجري فوق جميع شطوطه ويندفق على يهوذا. يفيض ويعبر. يبلغ العنق و يكون بسط جناحه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل.."
ليست الإشارة الوحيدة تلك.. حيث يعود هذا السفر بين الفينة والفينة ليذّكر بعظمة آشور: في عهد حزقيا (الإصحاح 39 /1): في ذلك الزمان أرسل مردوخ بلادان بن بلادان ملك بابل رسائل وهدية.. ففرح بهم حزقيا وأراه بيت ذخائره الفضة والذهب والزيت الطيب وكل بيت أسلحته وكل ما وجد في خزائنه، لم يكن شيء
لم يرهم إياه حزقيا في بيته وكل ملكه ".
في 39/7-8 " يقول الرب ومن بنيك الذين يخرجون منك الذين تلدهم يأخذون خصياناً في قصر ملك بابل. فقال حزقيّا لإشعيا جيد هو قول الرب الذي تكلمت به. وقال فإنه يكون سلام وأمان في أيامي".
من خلال الفحص التاريخي الجدلي لهذا النصوص نجد، كما لو كان حزقيا قد خضع لحملة تفتيش من قبل مندوبي بابل، وأنه لمغتبط لكونه باقٍ في منصبه. وهو أي حزقيا يتصرف كتابع، قدره منوط بآشور، هي التي تقرر بقائه ورحيله.
يشير سفر الملوك الثاني (18/15-16) إلى أن حزقيا " قد دفع " ثلاث مئة وزنة من الفضة وثلاثين وزنة من الذهب " " وقشر حزقيا الذهب عن أبواب هيكل الرب " ليدفعها لملك آشور.."
والملاحظ ، الرب لم يغضب ، إنما قد أعطى طوعاً السلطة والذهب وكل ما وجب لآشور..
تمثل هذه الإشارات ما نفترضه بنصوص الطور البدئي من سفر أشعيا، التي يعرض فيها شهادة حية على علاقة خاصة ببابل، كعلاقة تبعية، تتجسد عبر إرادة إلهية أتت بمثابة للشرعية التاريخية تدعم سيطرة بابل على المقاطعة اليهودية..
بذات الوقت يبرز بين الحين والآخر مؤشرات لوجود حزب مصري، ففي أشعيا 31/1: " ويل للذين ينزلون إلى مصر للمعونة…".
كما يحذر مبعوث ملك بابل من الالتفات إلى مصر (الملوك الثاني 18/ 20-25)، الأمر يتعلق بحزقيا ذاته الذي حاول الاحتماء بمصر (كي لا يدفع إلى بابل مما يتوجب عليه من ريع) – كما ذكرنا من قبل مراراً..
يبدو لي أن الحزب العبري البابلي، قد نمت قوته منذ عصر آحاز، وكان نبيّه الأول – يتمثل في الطور الأول، من أطوار نصوص أشعيا..
لا يستبعد حدوث إضافات على سفر أشعيا في مرحلة بابل، من قبل مجموعة منتمية لمنظومة الهيكل،التي كانت قد عاصرت ملوك بابل وتعاونت بإيجابية مع ملوكها، وقدموا لهم فروض الطاعة والتأييد.
ليس مستغرباً هذا النظر، فالأوضاع السياسية العامة في منطقة تشملها سمات حضارية موحدة، يتجاذبها القطبان المصري والبابلي، إذ تجد الأطراف الحاضرة في هذه الساحة في وضع اضطرار أو إنجرار، على الدخول في صلات تبعية لهذا القطب أو ذاك..
فإن وجدت مجموعة متعاونة مع القطب المصري، لماذا لا يتوفر مجموعة أخرى متعاونة مع القطب البابلي، لاسيما أن وشائج العلاقة مع القطب البابلي حاضرة بقوة..
لماذا لا تكون المسألة إذن، ذات صلة بتيارات واتجاهات متنوعة المشارب والعلاقات، في منطقة كانت تتمتع منذ ذلك الزمان بتاريخ موحد، يشملها بكليتها على الرغم من مظاهر الصراع الحاد البادية في ذلك التاريخ…؟
تلوّح جل هذه المؤشرات على كون ذلك الصراع لا يتعدى في جوهره، نمطاً من الصراع الداخلي على السلطة بين أقطاب ومراكز وأحزاب متعددة.
على هذا الأساس، يمثل هذا الطور من سفر أشعيا رسالة دعم وتأييد لسيطرة بابل على فلسطين، تم دمجها بمقطوعات غنائية تمجد العبرانيين جماعةً وإلهاً...
سيان إن كان كاتبها أشعيا ذاته وحده أو بمساهمة غيره من تلامذته، أو غير هذا وذاك، المسألة قبل كل شئ مسألة نص يعكس موقفاً صريحاً، له مقومات على أرض الواقع.. و المواقف لا يمكن أن تأت ِقطعاً جزافا..
الجدير بالبيان، لم يتورع كتّاب الطور الثالث لسفر أشعيا، من
إرسال رسالة تأييد من ذات المحتوى والنمط للسلطة الفارسية، عندما سيطرت على بابل..
نجد صدى هذه الرسالة في نموذج من نصوص الطور الثالث لسفر أشعيا (طور المرحلة الفارسية) - و اشعيا لم يعاصر هذه المرحلة، ولا ما قبلها، أي ذات الصلة بما يسمّى بعهد المنفى البابلي..
في 13/19 " وتصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين كتقليب الله سدوم وعمورة " و في 45/1 "هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي قد أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمماً وأحقاء ملوك أحلُّ لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق. أنا أسير قدامك والهضاب أمهد "..
لا ريب، بأن آخر الصياغات الأساسية لهذا السفر، كانت قد حدثت في عصر فارس أو حتى ما بعده، ولاسيما أنه قد تم في النص تقليد ملك فارس- كورش، صفة مسيح الرب، التي هي بذاتها أعلى صفة ولقب، يتجاوز فيه كورش مسيح الرب، خصائص النبي.
ضمن هذا السياق نستطيع إدراك، لماذا تحوّل النص من دعم بابل إلى دعم فارس، وكيف انتقل الإله من تمجيد بابل إلى تمجيد فارس..
المسألة واضحة ندركها - على إثر سقوط سلطة بابل تلاشى أمر الحزب العبري البابلي، وحل في المقام شأن الحزب العبري الفارسي..
وماذا يمنع من تحوّل الحزب العبري البابلي ذاته، ليصبح بكل جدارة حزباً عبرياً فارسياً، لا سيما أن فارس لم تمس كنه الثقافة المسيطرة، بل ودعمتها وتبنت لغتها، الآرامية ! ..
ولم لا، والمسألة بأساسها مسألة مصالح شريحة، تم تشكّلها عبر تقلبات الظروف والسياسات، ألا وهي الشريحة الكهنوتية راعية منظومة الهيكل العبري..
ليس من المستغرب أن يندفع لفيف الكتبة، لوضع إضافات تمجد
فارس هذه المرة على كاهل النص الأصلي للنبي أشعيا، ولا سيما أن ممارسات التطوير ووضع الاستطالات للنصوص قد أصبح تقليداً مستحكماُ تمكن من لب الكتبة وأقلامهم، ومن ثمّ قد حطت على التوراة ذاتها، والأسفار الأخرى بدورها..!
نصوص ارميا وبابل
ارميا سليل الكهنوت (بن حلقيّا من الكهنة- 645 ق م). حسبما قد ذٌكر في مستهل سفره، ناداه الرب " قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك "(1/5).
عاصر ارميا يوشيّا ويوآحاز ويهوياكين ويهوياقيم بن يوشيّا وصدقيّا بن يوشيا وجدليا وبدايات ما يسمى بالسبي البابلي (609-581 ق م).
سفر أرميا: يقسم سفر أرميا إلى ثلاثة أقسام وهي نصوص الوحي الإلهي في عقاب اليهودية وأورشليم (1-25) - نصوص عائدة لتلاميذه تتعلق خاصةً بسيرته (25-45)- نصوص الوحي الإلهي ضد الأمم (46- 52).
أرى في هذا التقسيم كسابقه مجرد تقسيم وصفي زمني، لا يأخذ بعين الاعتبار ممكنات التدخل في محتوى النص الداخلي عبر كل من هذه الأزمان.
للمزيد على هذا الصعيد، نردد ما تم ذكره بصدد هذا السفر " ألف النبي قسماً منه مباشرة، فكان يملي على باروك (أو باروخ) كاتم سره الأمين..- يُذكر باروك أنه أضاف كثيراً من الأقوال المماثلة "..
" أما ما جاء عن سيرة حياة أرميا في الغائب، فمصدره طبعاً ذكريات تلاميذه ". " يبدو أن الأقوال النبوية قد جمعها أغلب الأحيان
تلاميذه، وهؤلاء التلاميذ، هم بدورهم كتبة وأصحاب وحي "
لم يتورع باروخ الكاتب بحد ذاته، من تطوير السيرة والرؤية النبوية الخاصة بهذا الأرميا.. ثم تحوّل من قائم بإعمال أرميا، ليصبح نبياً بدوره..
لم يسلم باروك ذاته من أعمال تطوير كتبة ملهمين مجهولي الأسماء !.
" يظهر أن سفر باروخ ورسالة أرميا- الفصل العاشر من سِفره- كأنهما من تأليف كتاب ملهمين لم يتركوا لنا أسماءهم. وما إسناد السفر شرفاً إلى أرميا وكاتم سره الأمين- باروك، سوى شاهد على شدة تأثرهما في التقليد المقدس". .. !!
تذكر الدفاتر الإنجيلية، أن النص العبري الرسمي لسفر أرميا يشتمل على 2700 كلمة زائدة عن النص السبعيني، و يلاحظ غياب مقاطع كاملة في النص السبعيني على سبيل المثال: 33/14- 26، 39/4 - 13، 51/ 44- 49، 52/27- 30، كذلك يوجد اختلاف كبير في نمط ترتيب النص.
الجدير بالبيان، تعود النواة الأولى للنص الإغريقي السبعيني إلى القرن الثالث قبل الميلاد، بينما يعود النص الرسمي بصيغته المتداولة إلى القرن العاشر ميلادي.
لمزيد من إلقاء الأضواء على هذه الظاهرة، نلجأ إلى نصوص كهوف قمران.. حيث ظهر فيها بما يخص سفر أرميا نمطان من الوثائق: أحدها أطول وهو الأكثر تطوراً، يشكل بحد ذاته الأصل المرجعي للنص العبري المتداول، في حين أن النص الأقصر- الأقل تطوراً والأكثر قدماً - يشكل الأصل المرجعي للترجمة السبعينية-الإغريقية، كما أن النصين ينبثقان من مصدر موحد…
من المعروف، أن زمن مخطوطات كهوف قمران يتموضع بين القرن الثالث ق م والقرن الأول بعد الميلاد، في حين يبدأ زمن ارميا حوالي 626 ق م. و لا يوجد شاهد يعلن عن نصوص أرميا وما طرأ عليه خلال هذه القرون الثلاثة..
كل ما تقدم، يدعم منظورنا الخاص بنصوص شرائح الأطوار الزمنية، على نسق ما عرضناه قبيل قليل.. (لدى أشعيا)
تتمثل نصوص أرميا بالعديد من الأطوار - طورها الأول يعود لأرميا ذاته ولأمين سره باروخ، بينما تظهر إضافات- أطوار أخرى حطت على كاهل هذه النصوص وأثقلتها بمضامين أخرى ليست من أصلها.
معطيات تاريخية ومؤشرات - يعلن التاريخ، أن يوشيا قتل على يد نكو المصري، ويوآحاز خلع من قبل نكو وعين بدلاً عنه يهواقيم كممثل لمصر، ثم يخضع لبابل، ثم يتمرد - يليه يهوياكين الذي يتم نفيه إلى بابل- تعين بابل بدلاً عنه، صدقيا (أخيه) - يتمرد صدقيا ويتم القضاء عليه، ليأتي أخيراً جدليا ممثلاً لبابل..
على هذا النسق، تتأرجح تبعية هؤلاء الملوك، بين مصر وبابل. وعلى نحو عملي، منذ عهد يهوياقيم تسيطر بابل كلياً على المنطقة (الملوك الثاني 24/6)..
السؤال، أين موقع أرميا في خارطة الصراع.. لاسيما، قد رُوي أنه كان علاقة إيجابية مع يوشيا - وأرميا لم يشر بخير أو شر إلى يوشيا ؟ - وقد قيل أن هذا الأخير قد جعل من أرميا الأداة الفاعلة لإنجاز إصلاحه الديني، واعتمد عليه في صياغة توراته المتمثلة بالمادة الأولية لتثنية الإشتراع…! ؟
من جانبنا والريب يتملكنا، نذهب للتساؤل..؟ هل يمكن اعتبار أرميا الممثل الشرعي والناطق الرسمي ليوشيا، ويكون كل ما يمارسه هو بذات الوقت على خط يوشيا..؟ - (يوشيا قتل من قبل نكو المصري..؟).. - أم أن أرميا قد تحزب لبابل بعد مقتل مليكه يوشيا، حيث اعتبر هذا الأخير، مرحلة قد تجاوزها الزمن..؟
كان الملك "يهوياقيم" قد خضع لبابل ثم تمرد عليها- (الخضوع والتمرد له علاقة وثيقة بدفع الضريبة) - وأصبح ممثلاً لمصر (أخبار الأيام الثاني 36/4).
في سفر أرميا (36/32) " فكتب فيه باروخ (أو باروك) عن فم أرميا كل الكتاب الذي أحرقه يهواقيم ملك يهوذا وزيد عليه كلام كثير مثله ".
ليس من المستبعد، أن يكون يهواقيم الملك قد أحرق سفر أرميا، عندما خرج هذا الحاكم على طوع بابل. – و عندما يحرق يهواقيم ملك يهوذا إنتاج أرميا النبوي، يكون قد رفض الاعتراف به، ولا على إلهه...
حالما يندفع باروخ المتحزب لبابل كأرميا، لكتابة هذا السفر ويزيد عليه الكثير، يكون قد صاغ كتابات تنطوي على تأييد لبابل..
قراءة مدققة لسفر ارميا- بكل جلاء ينعكس في سفره بعض من أصداء الصراع الحاد بين القطبين الكبيرين، مصر وبابل، حول السيادة على المنطقة.
من متن هذه النصوص يمكن أن نستمد العديد من المؤشرات التي تدعم أطروحتنا الخاصة بوجود حزب عبري بابلي الهوى.. وحزب عبري مصري الهوى.. ولكل منها نخب وأنبياء..
يروي سفر أرميا مشاهد من الصراع الحاد بين الحزبين، وارميا الشاهد على هذا الصراع، يبدي فيه موقفاً واضحاً صريحاً معلناً عبر النص، ويذهب في نهاية المطاف، كضحية له..
الحزب العبري البابلي الهوى- نتلمس حضور هذا الحزب عبر العديد
من النصوص البابلية الهوى من بينها: الإصحاح 20/4 من سفر إرميا " هكذا قال الرب. ها أنذا أجعلك خوفاً لنفسك ولك محبيك فيسقطون بسيف أعدائهم وعيناك تنظران وأدفع كل يهوذا ليد ملك بابل فيسبيهم بابل ويضربهم بالسيف. وأدفع كل ثروة هذه المدينة وكل تعبها وكل مثمناتها وكل خزائن ملوك يهوذا أدفعها ليد أعدائهم فيغنمونها ويأخذونها ويحضرونها إلى بابل “.
يتكرر منحى هذا التوجه وبإصرار أشد في الإصحاح (21/3-14) وفي (25/8-11)..
في الإصحاح (27/5-11) يتخذ ارميا موقفاً بابلياً واضحاً لا لبس فيه، إذ يعلن باسم الرب: هكذا تقولون لسادتكم. إني صنعت الأرض والإنسان والحيوان الذي على وجه الأرض بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة وأعطيتها لمن حسن في عيني... والآن دفعت كل هذه الأراضي ليد نبوخذ ناصّر ملك بابل عبدي وأعطيته أيضاً حيوان الحقل ليخدمه... فتخدمه كل هذه الشعوب وابنه وابن ابنه " " ويكون أن الأمة أو المملكة التي لا تخدم نبوخذ ناصّر ملك بابل والتي لا تجعل عنقها تحت نير ملك بابل إني أعاقب تلك الأمة بالسيف والجوع والوباء يقول الرب حتى أفنيها بيده. فلا تسمعوا أنتم لأنبيائكم وعرافيكم وحالميكم وعائقيكم وسحرتكم الذين يتكلمون لا تخدموا ملك بابل. لأنهم يتنبأون لكم بالكذب ..".
عبر هذا النص، نتلمس وجود حزب معادٍ لبابل وحزب متعاون مع بابل، ومن عداد الحزب البابلي ارميا ذاته.
ليس أدل على ذلك، من التعبير الذي يضفي على سلوك نبوخذ نصّر الحربي قبساً من الوحي الإلهي و يخلع عليه الإله - عبر ارميا- صفة قدسية، التي نتلمسها في مفردة عبدي، أي خاصتي، وأنه يمثل إرادته بل و وهبه كل الأرض ومن عليها.
يشتط أرميا في حزبيته البابلية، عندما يكلم أرميا صدقيا- الحاكم.." وكلمت صدقيا ملك يهوذا هذا الكلام قائلاً أدخلوا أعناقكم تحت نير ملك بابل وأخدموه وشعبه وأحيوا "(27/12) - ويكلم الكهنة (27/16) ".. هكذا قال الرب.. اخدموا ملك بابل وأحيوا " - داعياً بوضوح للرضوخ لحكم بابل.
بيد أن صدقيا " عمل الشر في عيني الرب إلهه ولم يتواضع أمام أرميا النبي من فم الرب ".
كان صدقيا قد خضع لبابل ثم تمرد، ويلقى مصيره على يد نبوخذ نصر حسب مشيئة الرب (أخبار الأيام الثاني36/12 والملوك الثاني25).
اللافت للنظر.. يكاد يكون المحور الأساسي لسفر إرميا - بعد تنقيته أو بالأحرى تحريره من الإضافات اللاحقة - مكرساً لهذا الصراع بين هذين الحزبين، مع انحياز ارميا الكلي للحزب البابلي داعياً لهذا الحزب عبر مقطوعة غنائية نبوية رائعة.
ارميا ليس وحيداً- ثمة حزب ورهط من الأنبياء يشدون أزره، منهم النبي أوريا بن شمعيّا (26/ 20-24) والكاتب باروخ بن نيريّا (43/3) وقائد يدعى أخيقام بن شافان (26/24) الذي حمى أرميا من مصير القتل وغيرهم.
الحزب المضاد – في المقابل يتوفر أعداء تمتعوا بأسماء كأنبياء، لهم نهج وموقف مضاد منهم، أخآب بن قولايا وصدقيّا بن معسيّا (29/20-32) الذين تكلموا باطلاً نبوءات باسم الرب" الذين يتنبأن لكم باسمي بالكذب، ها أنذا أدفعهما ليد نبوخذ ناصّر ملك بابل فيقتلهما أمام عيونكم. وتؤخذ منهما لعنة لكل سبي يهوذا الذين في بابل فيقال يجعلك الرب مثل صدقيّا ومثل أخآب اللذين قلاهما ملك بابل بالنار. من اجل أنهما عملا قبيحاً في إسرائيل وزنيا بنساء أصحابهما وتكلما باسمي كلاماً كاذباً لم أوصهما به وأنا العارف الشاهد يقول الرب (29/21-22) " ومنهم شمعيا النحلاميّ " لذلك قال الرب. ها أنذا أعاقب شمعيا النحلاميّ ونسله " (29/ 32) .. - (أشرنا لهذا النص- نستعيده للضرورة)
كذلك حنينيّا النبي الذي يميته الرب عقاباً على أكاذيبه (في 28/15): " فقال أرميا النبي لحنينيّا النبي. إن الرب لم يرسلك وأنت قد جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب. لذلك قال الرب. هاأنذا طاردك عن وجه الأرض. هذه السنة تموت لأنك تكلمت بعصيان على الرب ".
ينضم لهؤلاء زمرة من الأنبياء الأعداء بلا أسماء تم ذكرهم في العديد من المواضع.
ارميا في السجن - صار أرمياً سجيناً، وبالتحديد في ظل تمرد صدقيّا على بابل.. يدخل أرميا السجن بسبب نبوآته أي موقفه البابلي.. يقبض عليه ناظر الحراس " يرئيا بن شمليا " بتهمة مناصرة الكلدانيين " قبض على أرميا قائلاً إنك تقع للكلدانيين " (أرميا 37/13).. بمعنى أنه كان ينوي للجوء إلى الكلدانيين.
أرميا و نبوخذ نصر - حالما دخل جيش نبوخذ ناصّر المدينة، أورشليم تم سبى البعض (الأسر) – في المقابل، كان مسلكه مع آخرين مختلفاً - (في أرميا 39/10) " ولكنّ بعض الشعب الفقراء الذين لم يكن لهم شيء تركهم نبوزرادان رئيس الشرط في أرض يهوذا وأعطاهم كروماً وحقولاً في ذلك اليوم-
[ في مثل هذه الحالة السلطة لا تكرم إلا أعوانها = لسنا في عصور الإصلاح الزراعي ].
تكريم أرميا - يجري تكريم ارميا في من قبل ممثل بابل - " أوصى نبوخذ نصر ملك بابل على ارميا نبوزرادان رئيس الشرط قائلاً خذه وضع عينيك عليه ولا تفعل به شيئاً رديئاً بل كما يكلمك هكذا افعل معه"..
بعدما تحرر من قيوده يقول له " فإن حسن في عينيك أن تأتي معي إلى بابل فتعال فأجعل عيني عليك. وإن قبح في عينيك أن تأتي معي إلى بابل فأمتنع. انظر كل الأرض هي أمامك فحيثما حسن وكان مستقيماً في عينيك أن تنطلق فانطلق إلى هناك " " وأعطاه رئيس الشرط زاداً وهدية وأطلقه "(ارميا 39/11..) --[ لأرميا حظوة لدى بابل.. ؟ ].
نتلمس في هذه الواقعة، معرفة جلية من قبل نبوخذ نصر بموقف ارميا.. ؟ - وما من تفسير آخر.! لاسيما- حسبما يؤكد التاريخ - أننا أمام دولة على درجة عالية من التنظيم على كافة المستويات، ولها إستراتيجية واضحة.. ندر مثيلاً لها عبر الأزمنة الغابرة..
يدخل على الخط قصة الحقل - تزداد تلك الرؤية اشتعالاً- حينما نعلم، أن أرميا قد إشترى حقلاً في بلدة عناثوث- مسقط رأسه - الواقعة تحت سيطرة البابليين..
دار حديث حول هذه الواقعة، غطى مساحة واسعة من الإصحاح 32(6- 25) - وما كان لمثل هذا الحدث العادي جداً، أن يأخذ مثل هذا الاهتمام لولا لم يكن مثار جدل وطيس..
لعل النص أراد حسم الموقف، حينما حسم الحوار بشأنه وتبريره، بقوله (32/6): فقال إرميا. كلمة الله صارت إلي قائلةً. هوذا حمنئيل بن شلوم عمك يأتي إليك قائلاً اشتر لنفسك حقليّ الذي في عناثوث.."
كخاتمة للنص المطوّل.. يأتي القول الآتي (32/25) " وقد قلت لي أيها السيد الرب، إشتر لنفسك الحقل بفضة وأشهد شهوداً وقد دُفعت المدينة إلى الكلدانيين ".
لا ندري ما يخفي هذا التأكيد أو بالأحرى التذكير من جديد، على إرادة الرب في شراء الحقل..[ - بعد نحو من عشرين آية إنصبت
على قضية شراء الحقل !!].
السؤال، ما المسألة هنا.. أيكون ذا، قد تم زرقه في النص لاحقاً، لإخفاء هبة الكلدانيين لهذا الحقل إلى أرميا.. أم ماذا ؟ - لا سيما نحن هنا، أمام مشهد لسلسلة من الهبات، من بينها توزيع الأرض على فقراء السكان، من آل المكان..
(في أرميا 39/10) " بعض الشعب الفقراء ".. وهبهم " نبوزرادان رئيس الشرط " أعطاهم كروماً وحقولاً في ذلك اليوم- وكما سنرى في بابل ذاتها، كان لبني عبران، أملاك هامة من العقارات والأطيان..!!!
في نهاية المطاف، يختار ارميا الإقامة حيث هو، مع جدليا بن أخيقام، الملك المعتمد من بابل - ربما ليكون له شأن ما، كمستشار لجدليّا.
من موقعه يراسل أرميا الجالية العبرية في بابل (أرميا 29/ 6) قائلاً " ابنوا بيوتاً واسكنوا واغرسوا جنات وكلوا ثمرها.. خذوا نساء ولدوا بنين وبنات وخذوا لبنيكم نساء وأعطوا بناتكم لرجال وأكثروا ولا تقلوا.." " لأنه هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل، لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم ولا تسمعوا لأحلامكم التي تتحلّمونها. لأنهم إنما يتنبأون لكم باسمي بالكذب، أنا لم أرسلهم يقول الرب "(29/ 8-9).
بصريح العبارة استوطنوا وتمتعوا بخيرات تلك البلاد- هل يمكن أن يتم ذلك بدون رغبة وحماية وتسهيل السلطة المركزية في بابل..
في طيات هذا السياق من النصوص، لا بد أن نستنتج وجود " أنبياء مزيفين " ضمن الجالية العبرية- البابلية، كانت تمارس دوراً تحريضياً - مضاداً لسلطة بابل- " لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم "- مما يدعم فرضيتنا الخاصة بوجود منفيين (أنصار الحزب المصري أوالحبري) بالإضافة لوجود متعاونين (أنصار الحزب البابلي).
مروية سلتا التين كرمز - ثمة مؤشر آخر قد يرشدنا بكيفية ما إلى نوع من العلاقة التي تربط أرميا النبي- كرمز للحزب البابلي، مع الفريق المناصر له المقيم في بابل ..
يتعلق الشأن بالنص الخاص بسلتي التين (أرميا24 كامل الإصحاح)، حيث يشير هذا الإصحاح إلى التين الجيد والتين الردئ.. وما التين الجيد سوى المقيمين في أرض بابل، أنصار بابل من حزب أرميا في الطليعة، أما التين الردىء، فيتمثل في الفريق الممالئ لصدقيا ولجل العبرانيين اللاجئين في مصر - بالأحرى الحزب العبري المصري..
كان أرميا في رؤياه مع الرب، قد أراه الرب سلتي التين أمام هيكل الرب (24/1).. ويقول له الرب" التين الجيد..الذي أرسلته من هذا الموضع إلى أرض الكلدانيين للخير.." (24/4)") " وكالتين الردىء الذي لا يؤكل من رداءته. هكذا قال الرب. هكذا أجعل صدقيا ملك يهوذا ورؤساءه وبقية أورشليم الباقية في هذه الأرض والساكنة في أرض مصر. واسلمهم للقلق والشر في جميع ممالك الأرض عاراً ومثلاً وهزأة ولعنة في جميع المواضع التي أطردهم إليها، وأرسل عليهم السيف والجوع والوبأ حتى يفنوا عن وجه الأرض.(24/8-10)..
في المقابل، يفيدنا كتاب أسرار بابل (ص70)، بأن العبرانيين البابليين، كانوا يطلقون على ذواتهم، اسم " التين الجيد جداً " - في مقابل الآخرين " التين الردىء جداً "، كما لو كانوا يقرون بكونهم من أنصار أرميا النبي، الممثل للحزب البابلي..
لكم تبدي هذه النصوص في أكثر من موضع، عن ضراوة الصراع وحدته بين الحزبين المصري والبابلي، ناهيكم عن وجودهما
الفعلي..!!
أرميا أسير الحزب العبري المصري: يتم قتل الملك جدليا بمؤامرة من قبل الحزب العبري المصري، بقيادة يوحانان بن قاريح، الذين يلجأ وفريقه إلى مصر، واقتادوا معهم إرميا وباروخ بن نيريا (43/1-7) ربما كعقاب أو كرهائن.
في مصر، يتابع أرميا نشاطه النبوي المنحاز لبابل كداعية نشط لبابل.. في (43/8-13) يأمره رب إسرائيل ليأخذ حجارة ويطمرها أمام باب بيت فرعون، أمام رجال يهود " وقل لهم هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل، ها أنذا أرسل وآخذ نبوخذ نصر ملك بابل عبدي وأضع كرسيه فوق هذه الحجارة التي طمرتها فيبسط ديباجة عليها ". (أشرنا لهذا النص آنفا)
مهما يكن من أمر، إننا لا نصدق مثل هذه المزاعم، لا سيما واقعة طمر الحجر، إلا أننا نرى عبر هذا النص رسالة تأييد من قبل متزعم نبوي لحزب بابلي، يتجلى فيه عن علاقة ودية بين الرب العبري ونبوخذ نصر (الوثني..!)..
من المؤكد هذا النص قد كُتب بعد احتلال نبوخذ نصر لمصر.. (قطعاً.. هذه المعلومة ليست من قلم أرميا.. )
مصير أرميا: لم يُعرف على إثرها ما حلّ بأرميا ورفيق دربه - باروخ. ليس من المستبعد أن تم قتل أرميا ورفيقه من قبل الحزب العبري المصري اللاجئ لمصر..؟ - هو ما ذهب إليه المرشد في الكتاب المقدس، حيث يذكر، أن أرميا قد قتل رجماً بالحجارة (ص409) والسؤال: هل مع نصوص من هذا القبيل يمكن عدم التيقن بوجود حزب مصري وحزب بابلي..!!.. وهل من مكان لأرميا أن يكون بمنأى عن طليعة لهذا الحزب العبري البابلي.. !
كخلاصة، يرشدنا ما سبق للحصيل الآتي:
أولاً - نتلمس وجود حقيقي للحزبين: الحزب العبري المصري بقيادة يوحانان بقاريح (43/5) والحزب العبري البابلي بقيادة باروخ بن نيريا وارميا ذاته - " باروخ بن نيريّا مهيجك علينا لتدفعنا ليد الكلدانيين ليقتلونا وليسبونا إلى بابل " (43/3).
ليس من المستبعد أن يكون باروخ أو باروك- هذا مساهماً في كتابة نصوص إرميا وقصائده، الأمر الذي يظهر مراراً في مساهمته بكتابة الأدبيات النبوية لأرميا (36/4-6 و18 و23).
لا نرى في هذا الصراع بين هذين الحزبين ما هو خارج عن منطق العصر وحقائق الأشياء، من حيث كون المنطقة قد ضمها مذ ذاك الحين مسيرة حضارية موحدة وتاريخ موحد.. بل ويشكّل هذا الصراع إحدى سماته.. –
أما عن ظاهرة الثنائية التوراتية، التي أبدت حالة الاستقطاب بين آل عبران والجيران، فلم تكن بعد من مقتضيات ذاك الزمان..
ثانياً - ما يتعلق بدور ارميا ورفاقه أو مدرسته: لقد قام ارميا ذاته بدورٍ مركزي في عصر الملك يوشيّا.. - قيل عنه، له شأن ما في صياغة توراة يوشيا (طليعة تثنية الإشتراع) وغيرها من الوثائق المرافقة – هل حدث ذلك بالواقع ؟..
في المقابل، إن أرميا الذي عاصر يوشيا، أمتد به الزمن بعد هذا الأخير، وبهذا تكون أدبياته لها صلة بمدى زمني يمتد من عصر يوشيا إلى العصر المضطرب بعده..
هل تكون والحالة هذه، حمية تأييده لبابل قد تأججت بعد مصرع يوشيا على يد مصر، أم لكون بابل قد غدت الأقوى في ميزان الصراع - لا مناص.. و مع بابل تبدو سبل الخلاص..؟
إن لم يكن.. كيف يكون بوسعنا ادراك، ذالك التأييد الجلي الذي أبداه أرميا لبابل، وقصائد التبجيل والتمجيد التي انهالت من
نصوص ارميا على بابل..!!
على صعيد واقعي، يتبوأ أرميا صفة الممثل النبوي لتلك الحقبة المهمة، كما يغدو بكيفية أو بأخرىالممثل الأكثر جدارة للشريحة الكهنوتية، بسبب من أصله وطبقته وصلاته وثقافته وكفاءته. ولعله أرسى دعائمها من خلال التشريعات التي ساهم في صياغتها.. ؟
ليس من المستبعد من خلال صلاته الوثيقة ببابل، أن يكون قد أسهم في تأسيس موقع مهم، للشريحة الكهنوتية وللنخبة العبرية التي يمثلها، و أسهم في تعزيز مواقع بعض من رموزها، مما أتاح لهم المجال للإطلاع عن كثب على كنوز الأدب والتشريع البابلي الذي أضفى على التوراة ميسمه الخاص.
لعل رسالته - المشار إليها آنفاً لجماعة بابل - تحمل في طياتها ترجيحاً ما لهذه الحقيقة.. (أرميا 29/ 6).. ناهيكم عن مقولته الهامة المتمثلة في " التين الجيد جداً.. وقد خص بها فريقه العبري البابلي..
ثالثاً - لا يضير هذه الحقائق من وجود بعض النصوص المتسللة داخل سفر أرميا الطويل (52 إصحاحاً) التي تتنبأ لبابل بمصير فارسي..! ولعلها تمثل بالواقع بعض مساهمات نصوص الطور الآتي، أي نصوص الطور الفارسي - بعد رحيل أرميا الفيزيقي وزوال العهد البابلي..
لا مناص، من قبول فرضية تدخل كاتب " ملهم " لإعادة صياغات أدبيات وألصقها بقلم أرميا، واضعا فيها نصوص التمجيد بالعهد الفارسي، وتدبيج نشيد يشيد بالعهد الجديد..
تظهر دلالات كثيرة تملأ نصوص الكتاب المقدس العبري، تطل برأسها بين الحين والآخر لتعلن بجدارة عن وجود إضافات وتعديلات واستطالات، قد ألمت بالنصوص والأحداث والسيّر، تم لصقها بها عبر الأزمنة التالية لحضورها الأولي..ٍ وهو ما قد عانت منه مجمل الأدبيات العبرية قاطبة..
لعل هذه الظاهرة ذاتها وما لف لفها، تدعم فرضيتنا الخاصة بنصوص الأطوار..؟
في نهاية المطاف، تعلن كل المؤشرات، بأن ارميا كان بحق نبي الحزب العبري البابلي بلا منازع.
نصوص باروخ (أو باروك ) النبي وبابل
الجدير بالبيان، أن هذا السفر تم رفضه من قبل المحفل الحبري..! بالرغم من كون باروخ ظهر في النص المقدس كتلميذ لأرميا، رفيق دربه، كاتبه، أمين أسراره.. وعلى نهجه..
في المقابل، اعتمدته الكنيسة الكاثوليكية والأرتذوكسية.. ألا يكون إقصاء سفره والحالة هذ، من قانون المقدس الحبري مثيراً للعجب..!!
لعل هذا السفر تضمن الكتاب الذي كتبه باروخ عن إملاء أرميا، الذي أحرقه يهوياقيم (أرميا 36 /32) " ثم أملاه أرميا ثانيةً على باروخ فكتبه " وزيد عليه أيضاً كلام كثير مثله.." !
لا مناص من أن يكون هذا السفر على غرار غيره، قد عانى في سيره سبل الإضافات والتطور في متون نصوصه.. حتى تم استكماله في مدى القرن الثاني قبل الميلاد.
أكثر ما يسترعي الانتباه في هذا السفر هو الآتي (1/1 وا/ 10-12) " وهذه أقوال الكتاب التي كتبها باروخ بن نبريا.." " وقالوا: ها أننا أرسلنا إليكم فضةً. فاشتروا بها ذبائح للوقود وعن الخطية ولباناً. واصنعوا قرباناً وقرّبوا على مذبح الرب إلهنا. وصلّوا لأجل حياة بختنصر ملك بابل ولأجل حياة بلطاشاصر ابنه. لتكون أعمارها كأيام السماء على الأرض. وليعطينا الرب قوة وينير عيوننا، فنعيش في ظل بختنصر ملك بابل وفي ظل بلطشاسر ابنه. فنخدمها أياماً كثيرة فنظفر بالنعمة قدامهما "- لم يكن ذلك كتاباً فحسب بل خطاباً - " لينادى به في هيكل الرب في يوم العيد وفي المواقيت " (1/14).
تعالوا وأنظروا - " وهكذا يقول الرب: اميلوا أكتافكم واخضعوا لملك بابل " " وإن لم تسمعوا صوت الرب بأن تخضعوا لملك بابل أزيل من بلاد يهوذا وشوارع أورشليم، صوت الفرح وصوت الطرب وصوت العروس وصوت العروسة، وتكون الأرض كلها بلا سكانها "
أين يمكن العثور على نصوص كهذه وضعت على عاتقها تمجيد ملوك بابل..! لكأنما هي من ذات النصوص الملكية المنتمية لكتبة بابل ذاتها..!!
يأتي النبي والكاهن ليمجد الحاكم، ويدعو له بطول العمر تحت قباب الهيكل المقدس.. ها هنا.. هنا، يظهر نبي لتيار عبري بابلي، يفصح عن نبواته الممالئة لبابليته من دون مواربة.
أجل لن تتملكنا الغرابة، إزاء إقصاء هذا السفر من الكتاب المقدس العبري من قبل المحفل الحبري في القرن الأول الميلادي .. و شمس بابل راحت منذ أمد إلى أفول..!
نصوص دانيال و بابل
على نهج ارميا وباروخ سلك دانيال وصحبه.. حسب المرويّات التاريخية المقدسة ذاتها توفر لهم حظوة وسلطان وكانوا في بلاط بابل من الأعيان..
سفر دانيال: هذه الأدبيات محيرة من الوجهة التاريخية..؟. من حيث قد تضمنت مزيجاً من أحداث تاريخية ذات صلة بالمرحلة البابلية والفارسية الإغريقية ورؤى نبوية، مما يعني في نهاية المطاف أن لها صلة في مسار تشكّلها مع عصور متتالية، بابلية وفارسية وحتى
يونانية…! أي إمتدت على مساحة خمسة قرون..
ينقسم سفر دانيال من ناحية تركيبه الأدبي إلى قسمين
كبيرين: ينتمي الأول منهما، إلى الفن القصصي (1-6)، والثاني إلى فن الرؤيا النبوية (7-12)..
مهم يكن " ليس دانيال مؤلف السفر الذي يحمل اسمه، حيث قد " تم ذلك في العهد الإغريقي" و" أن مؤلفاً ملهماً لم يترك لنا اسمه قد ضم إلى هذه الصورة الشهيرة عن الماضي عدة رؤى ذات إنشاء روائي.
كُتب السفر هذا في ثلاث لغات، العبرية والآرامية واليونانية، مما يعني إن المؤلف ادخل في السفر عدة تقاليد سابقة ".
بتعبير آخر، دمج فيه العديد من الكتابات القديمة.. يبدو أن السفر قد إكتمل في صيغته النهائية في الجيل الثاني قبل المسيح " ..
على ذات النسق، يذكر المرشد للكتاب المقدس، في (ص 430) الآتي: في محاولة لتسسير بعض الصعوبات التاريخية، ارتأى كثيرون أن سفردانيال، كما هو مبين بين أيدينا كتب في القرن الثاني ق م. على يد كاتب مجهول انتحل اسم دانيال لإضفاء مزيد من الموثوقية على ما كتبه. غير أن سفر دانيال كان مقبولاً على نطاق واسع باعتباره جزءاً من الكتب المقدسة، في ذالك القرن بالذات، ناهيك أن المراجع الدينية لدى اليهود كانت بالغة الحرص والدقة قبل منحها موافقتها الشرعية. وعليه، فإما أنه لم يكن لديها أي اعتراض على نسبة السفر إلى النبي الذي عاش في القرن السادس ق م، وإما أن دعوى أحد معاصريها انطلت عليها. أضف أن المشكلة القائمة في أن هؤلاء الذين عاشوا بعد مرور 400 سنة على الأحداث المدونة في دانيال، لم يستطيعوا أن يعينوا (أو على الاقل أن يتحدّوا) دقة السفر من الناحية التاريخية. وفي صلب المسألة تكمن قضية النبوة مادام دانيال يشير إلى أحداث وقعت بعده بزمن طويل. فحينما نقبل النبوءة باعتبارها حقيقة واقعة، نقبل السفر على حاله، باعتباره سجلاً لحياة دانيال ورؤاه.." !!
[ يا لفن التسويغ..!! وماذا تبقى من مصداقية هذا السفر، في صلته التاريخية مع دانيال..!! ]
في المقابل يذكر كتاب أسرار بابل بابل (ص167)، لقد وجد " النبي العبري دانيال الذي وجد نفسه في بابل 605 ق م، وأخذ هناك حق المواطنة واتخذ اسماً بابلياً وهو بلات- شاري- أوتسور" احفظ حياة الملك "- العنصر المركب المرتبط بالله في التوراة محذوف " يتبع ذالك " تعليق من قبل المترجم" عند التدقيق في هذا القول لم نعثر له على أصول ولا نعلم من أين أتى المؤلف به، فمن المعروف أن دانيال اسم عبري معناه الله قضى، وحسب التقليد دانيال أحد الأنبياء الأربعة الكبار وكان من عائلة شريفة ويظن أنه ولد في أورشليم وأتى بأمر نبوخذ نصر إلى بابل مع ثلاثة فتيان من الاشراف وهم حنينا وميشائيل وعزريا سنة 605 ق م فتعلم لغة الكلدانيين، ورشح مع رفاقه الثلاثة للخدمة في القصر الملكي، فغير رئيس الخصيان أسماؤهم: دانيال بلطاشر، ورفقاؤه شدرخ ومردخ وعبد نفو."
تعليقنا: حتى لو قبلنا جدلاً بوجود نبوي لدانيال البابلي، لا يمكن قطعاً أن يكون دانيال ذاته، الكاتب لكامل سفره، من حيث قد روى عن أحداث ورؤى عابرة على مدى عدد وفير من القرون، غمرت بزمنها عهود بابل وفارس والإغريق.
المؤكد أنه قد توفر عبر هذه الأعصر المتتالية وجود كتبة " "
ملهمين "كتبوا باسمه ونيابةً عنه، تماماً- كما حدث لغيره... من حيث قد أدمن رعيل الكتبة، عبر توالي الأزمنة، على التصرف الحر في تركة من سبقهم.. بل واختراع كتب وأنبياء.. لا يعرف عنهم شيئاً..
على منوال غيره من الأسفار، أظهرت نصوص كهوف قمران وجود إصدارات عديدة لهذه السفر، تبدي بينها تباينات، ولاسيما بين النص الحبري الرسمي، والنص الإغريقي السبعيني..
لنا هنا وقفة أخرى، ولاسيما على وقع القول، الماثل في كون دانيال وصحبه من عائلة شريفة.. ولد في أورشليم وأتى بأمر نبوخذ نصر إلى بابل.. مما يعني من حيث النتيجة، وجود متبقي لنخب عبرية في اورشليم.. وهذا ما يدعم الرؤى المتقدمة في سفر أرميا. أما عن حدثية حضور دانيال وصحبه إلى بابل، فشأنها لاصلة له بفعل السبي، بل بتمثيل الملّة العبرية في عاصمة الإمبرطورية.. وهذا من دون شك، شرف كبير لدانيال وأقرانه.. يحسده عليه وعليهم كثيرون..
من جانب آخر، بما له من صلة، بوجود دانيال الفيزيقي، فإن ثمة إشارات تخصه في سفر حزقيال (14/14) " وكان فيه الرجال الثلاثة نوح ودانيال وأيوب فإنهم يخلّصون أنفسهم ببرهم يقول السيد الرب "- وفي (28/3) " ها أنت أحكم من دانيال ". - أما متى أتى وكيف وأين..؟ لا يقلقنا هذا الشأن كثيراً.. والأهم ما يوحي به النص أكثر من الشخص..
دانيال والسلطان في بابل: إن أفضل ما يمثل مرحلة بابل هو سفر دانيال، من حيث دانيال حسب رواية سفره عاش هذه المرحلة مع صحبه في أرض المكان وفي بلاط السلطان.. كان دانيال من بين الفتيان التي أحضرها الملك لتدريبها في بلاطه على أصول الحكمة والحكم - حسب النهج البابلي (دانيال1/3-6).
يظهر دانيال مقرباً من نبوخذ نصر جليساً له.. وكان كذلك بصحبة خليفته، بلشصّر،متمتعاً بسلطة واسعة في القصر الملكي.
"وقد تربى في بلاط الملك الوثني وأشتهر كحكيم يحسن كل الفنون والمعارف الإنسانية. ونال موهبة تفسير الأحلام ومعرفة المستقبل وفهم مقاصد الله " " لقد فسّر دانيال على دفعتين أحلام الملك وقد عجز المنجمون عن تفسيرها، وتحقيقاً للحلم الأول، أصيب الملك بجنون غريب، ثم استعاد عقله وابتدأ يعبد ملك السماء"..
تثير هذه النصوص الدانيالية إشكالية كبرى، لاسيما لم يغرس التاريخ في روعنا، أن نبوخذ نصّر وخليفته قد تهوّدا، بل على العكس تم تقليدهما صفة الغازي القاسي والآمر بالمذابح والسبي، بينما هنا - كما يُظهر النص- أن الجماعة العبرية البابلية قد تمتعت بوضع مشارك ومتعاون مع السلطة، فها هو دانيال جليس الملك وحكيم البلاط, قد تبوأ موقعاً نافذاً في السلطة- كمعادل لنائب رئيس الوزراء…!
في سفر دانيال الإصحاح الثاني، يحتل دانيال حظوة كبيرة لدى الملك، بعد أن فسر له حلماً قض مضجعه وأقلق أعليه ليله ونهاره " حينئذ خرّ نبوخذ نصّر على وجهه وسجد لدانيال وأمر بأن يقدموا له تقدمة وروائح سرور ". وقال الملك لدانيال: حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار إذ استطعت على كشف هذا السر حينئذ عظم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة وسلطه على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل. فطلب دانيال من الملك فولى شدرح ميشخ عبد نغو على أعمال ولاية بابل. أما دانيال فكان في باب الملك "، أي بمثابة حكام العاصمة وحاجب الملك وجليسه.كما أعطاه ورفاقه اسماً بابلياً..
في سيناريو آخر من الإصحاح الثالث، يغضب الملك من رفاق دانيال
لرفض السجود إلى آلهة بابل فيلقيهم بالنار. لا تمسهم النار بأذى. يقربهم الملك مرةً أخرى. وتنطلق قريحة الملك البابلي بمديح للإله العبري " تبارك إله شدرح ميشخ عبد نغو الذي أرسل ملاكه وأنقذ عبيده ".
في الإصحاح الرابع، يرسل نبوخد نصّر رسالة ملكية " إلى كل الشعوب والأمم والألسنة الساكنين في الأرض كلها " يمجد فيها عبقرية دانيال وإله دانيال " الآيات والعجائب التي صنعها معي الله العلي حسن عندي أن اخبر بها. آياته ما أعظمها وعجائبه ما أقواها. ملكوته ملكوت أبدي وسلطانه إلى دور فدور"..
يمدنا هذا النص من خطاب نبوخذ نصّر بموضوعة مثيرة، يظهر فيها تقارباً واضحاً بين إله دانيال واعتقادات نبوخذ نصّر الدينية، بل هو ذاته الله - العلي لكليهما..!
[ يا للهول..! ماذا جرى يا ترى، ها هنا، نبوخذ نصر، بطل السبي، يسجد لدانيال ويمجد الإله العبري.. !! ]
في نفس الإصحاح، يُصاب الملك بالجنون ويطرد من بين الناس، يشفيه إله دانيال، يعود إلى ملكه " فالآن أنا نبوخذ نصّر أسبح وأعظم وأحمد ملك السماء الذي كل أعماله حق وطرقه عدل ومن يسلك بالكبرياء فهو قادر أن يذّله ؟ -
في دانيال (5/14): خليفة نبوخذ نصّر يخاطب دانيال قائلاً " فأني سمعت عنك أن فيك روح الآلهة وأنه وجد فيك نور وفهم وحكمة بارعة ".-
في عهد الملك بيلشاصر (خليفة نبوخذ نصر):" أمر بيلشاصر أن يلبسوا دانيال الأرجوان وقلادة من ذهب في عنقه وينادوا عليه أنه متسلطاً ثالثاً في المملكة " (دانيال 5/29).
الطريف بالأمر، أن هذا التمجيد لدانيال قد حدث إثر سيناريو خرافي ممتع في (5/5) " في تلك الساعة ظهرت أصابع يد إنسان وكتبت بازاء النبراس على مكلس حائط قصر الملك والملك ينظر طرف اليد الكاتبة. حينئذ تغيرت هيئة الملك وأفزعته أفكاره وانحلت خرز جقويه واصطكت ركبتاه ..".
يفسر دانيال للملك هذه الرؤيا تفسيراً مثيراً يختتمه بنبوءة مثيرة، قائلة بزوال مملكته وسقوطها بيد فارس. بالرغم من ذلك يقلده الملك بالذهب والأرجوان..!! (يا للغرابة..!!)
الجدير بالبيان، تم العثور في مخطوطات كهوف قمران، على نصوص متعددة لسفر دانيال أظهرت اختلافات وتناقضات هامة، بحيث لا يشكل سفر دانيال المعتمد سوى أحد أشكالها.
من بين هذه الاختلافات ما يذكر في أن الجنون الذي قد اعترى الملك، لم يخص نبوخذ نصّر بل وريثه بيلشاصّر (أندري بول71- 72).
يتناول سفر دانيال حتى نهاية الإصحاح الخامس أهمية الحظوة التي قد تمتعت بها النخبة العبرية لدى سلطة إمبراطورية بابل، بيد أن الأمر يتغير بعد الإصحاح الخامس، حيث يتم استعراض أهمية الحظوة التي تمتعت بها على الفور النخبة العبرية لدى سلطة فارس بعد سيطرتها على بابل وبقاع الشرق القديم.
الجدير بالنظر، أن ظاهرة التغيّر وإدارة ظهر النص في سياقه النهائي وانقلابه على العهد البابلي وتأييده للعهد الفارسي، لم يخص سفراً محدداً بل شمل معظم الأسفار، الأمر الذي يفصح عن مسار تطوّر وتبدل النصوص عبر توالي العصور.
دانيال في معطى تاريخي- كما هو معلوم، نحن بازاء نص رسمي، قد عانى من شتى صنوف التكييف والتحريف والضبط، لم يحافظ قط على أصوله الأولى، مما يستدعي تناوله بكيفية نقدية قصوى.. ونرى مهما تمادى كتبة النص في مسلسل التحريف، إلا أنه لابد أن يعكس حقيقة ما، يجدر البحث عنها في الطبقات الخفية والابواب الخلفية للنص.
انطلاقا من جملة ماتقدم. نرى أن نصوص دانيال بدورها- على غرار من غيرها، تقدم العديد من المعطيات والمؤشرات:
أولاً - إن الوضعية التي تمتع بها أمثال دانيال ورفاقه، في نظام الملك هي وضعية متعاون يتمتع بنفوذ وحظوة وسلطان.. –
من المؤكد، ليس من مصلحة أحد - من فريق كتبة النص - أن يفتعل وجود هذه الواقعة. بل و من أجل تكييف هذه الواقعة مع منظور الكتبة، عملوا على زجها في سياق خرافي..
ناهيكم عن سيل الرؤى الذي جال وصال في مجال فارسي وإغريقي. حدث ذلك دون ريب بعد رحيل دانيال الفيزيقي..
في منظوري، إن دانيال وصحبه أو من هم في مقامه من أمثاله، قد أنيط بهم مهمة استشارية لدى الملك، وتمتعوا بصلاحيات لتسيير شؤون الجماعة العبرية، تماماً كحالة آخرين من نخب الأقوام الأخرى الأكثر عدداً والأعلى أهمية. والملك بحاجة لكثير من المستشارين لإدارة شؤون تلك البقاع الواسعة الامتداد والحساسة بالموقع والغنية بالتنوع والثرية بالثقافة.
يمدنا سفر دانيال ذاته على وجود مثل هذا العدد الواسع من المستشارين (في دانيال 5/1) " بيلشاصر الملك صنع وليمة عظيمة لعظمائه الألف وشرب خمراً قدام الألف ". الأمر الذي يوحي بوجود حزب عبري بابلي كفرع لحزب بابلي واسع التنوع، يضم ممثلين عن جل القبائل والأقوام المتواجدة في المنطقة.
وجد هذا الحزب استمراره وتمثيله في العاصمة بابل من خلال لفيف دانيال أو بديل دانيال أو مثيل دانيال. يعود هذا الحزب بتشكّله إلى عهد أقدم، تجلى مراراً بأشكال عديدة منها، ثلة الحكام المحليين التابعين وزمر من الأنبياء الكبار من أمثال إشعيا
وإرميا وباروخ ودانيال، ومن يدري.. إن وُجد غيرهم..؟
ثانياً- تدفعنا هذه المعطيات لإعادة النظر في مقولة السبي البابلي وتصحيحها.
لا مناص من أن يدفعنا هذا التحوّل في وضعية المنفيين الأوائل إلى سادة وذوي شأن في حاشية السلطان، إلى فهم تلك الأحداث فهماً مختلفاً، عن جوهر الخطاب السائد في مرويات الأسفار وعن الدراسات التاريخية التي اعتمدت ذات المنحى.
من المؤكد، وحسب منطق الصراعات السياسية والنزاعات المسلحة في كل العهود، لابد من وجود أسرى وسجناء، غير أنه لا يمكن الجزم بتقدير أعدادهم. ذلك أن الروايات المنبثة في أسفار العهد القديم متورمة بالمبالغات، ولا يمكن الركون إليها بسبب تهافت تاريخيتها.
بلا ريب، ثمة وجود لمنفيين ينتمون للحزب العبري المضاد لبابل، من أتباع الحزب العبري المصري أو غيره، بيد أن هؤلاء الأسرى لا يمكن أن يكونوا في بطانة السلطان، إنما واقعهم لا يمكن أن يكون خارج موقعين: إما السجن أو أعمال السخرة في الأشغال الشاقة.
على وقع من ذلك، لا يمكن لنا قبول مرويّات أسفار العهد القديم الذاهبة في زعمها بكون هؤلاء المنفيين قد أصبحوا بقدرة قادر من أعيان السلطان ومن حاشيته، فهؤلاء الملوك الجبابرة كغيرهم، لا يمكن أن يتحلّوا بما يسمح لهم، بوضع العدو السجين في قصورهم. إنهم بإيجاز، ليسوا- ولا عصرهم كان- من ذويّ الشفقة وأنصار حقوق السجين والإنسان...
أما هؤلاء الذين أتاحت لهم ظروفهم ليكونوا في حاشية الملك ومن أعوانه ومن أولي الرأي والمشورة لديه، هم بلا ريب من خاصته وأنصاره وأداته في تسيير شؤون البلاد..
على هذا المنوال، توفر للنبي دانيال ولرفاق دنيال ولكثيرين وآخرين على نمطهم، في أن يكونوا ذويّ شأن وسلطان لدى نظام بابل.. ولا غرو..
نصوص من حزقيال
بدورها أظهرت نصوص كهوف قمران أكثر من إصدار لسفر حزقيال، أعلنت عن تباينات، ولا سيما بين النص الحبري الرسمي، والنص الإغريقي السبعيني..
تمثل نصوص حزقيال مادة محيرة، من حيث كونها تتأرجح في توجهات نصوص منها، ينحو بعضها لتقديم الإطراء الضمني على بابل، في حين يذهب بعضها الآخر ليروح في عبق كهنوتي واضح المعالم.
السؤال، هل تمثل نصوصه بمفارقاتها لحظة التحوّل بما تحملها من شحنات وومضات التوتر، حينما تقف مشدوهة على صهوة النقطة الحرجة الذاهبة، من وإلى..
ومما يلقي على هذه المسألة حمولة من الإثارة، ما حلّ على سفر حزقيال من الطعن والسجال حتى نهاية القرن الميلادي الثاني. اللافت للنظر، أن نعثر لدى حزقيال نمطاً من النصوص التي تلتقي في جوهرها مع مجمل ما ذكرناه، بيد أن ثمة نصوص أخرى احتوت أبعاداً أخرى، ينطق بكل جدارة بما يمكن أن يسمّى برؤى الشريحة الكهنوتية، كما تضمن نصه إطلالات تشريعية تندرج في مسار التشريع الخاص بهذه الشريحة.
كما ذكرنا سابقاً، ينضوي في شخص حزقيال رجل الكهنوت وصفة النبي، مما يضفي عليه وعلى نصوصه قيمة استثنائية. كما يٌعلن عن كونه المؤلف الأول لسفر اللاويين (أو مادته الأولية)، ذلك قبل أن يتم وضع النصاب النهائي للتوراة في أسفارها الخمسة... ؟
السؤال هل أراد حزقيال، أن يجعل سفره هذا – هو التوراة بحد ذاتها، أو أريد له اختزال موسى إلى مجرد أداة - كما هو الحال مع إبراهيم واسحق ويعقوب - على طريق الولادة الجديدة لدوره وتوراته..؟ - لا سيما أن الرب قلده في خطاب إليه أيةً، بقوله " ويكون حزقيال لكم أيةً، مثل كل ما صنع تصنعون "(حزقيال24/24).
الجدير بالبيان، أن حزقيال الذي يخصص حيزاً كبيراً (بل معظم سفره من4-34) للتعريض بالأقوام المساكنة لإسرائيل- على منوال خطاب التوراة - ولإسرائيل ومصر على الخصوص، ويستثني من هذا الذم بابل، بل ويمجد عظمتها وجبروتها وحضاراتها ويضع تفوقها وانتصارها أيضاً كتنفيذ للإرادة الإلهية وطوع بنانها..!
في البداية يقدم السفر خطاباً إلهياً محابياً لبابل ومضاداً لإسرائيل " لأجل ذلك يا أهوليبة (أي أورشليم) هكذا قال السيد الرب. ها أنذا أهيج عليك عشاقك الذين جفتهم نفسك وآتي بهم عليك من كل جهة، بني بابل وكل الكلدانيين فقود وشوع وقوع ومعهم كل بني آشور شبان شهوة ولاة وشحن كلهم رؤساء مركبات وشهراء كلهم راكبون الخيل، فيأتون بأسلحة مركبات وعجلات وبجماعة شعوب يقيمون عليك الترس والمجن والخوذة من حولك وأسلّم لهم الحكم فيحكمون عليك بأحكامهم (23/22-25).
يستمر الخطاب الإلهي المحابي لنصرة بابل على العبرانيين على نفس النسق حتى(29).. يتكرر الخطاب بذات النبرة والصور واللغة والمنحى في مواقع شتى (من 4 إلى 24 أي أكثر من نصف السفر).
ثم يتمادى بهجوم مضاد للأمم وفي مقدمتها مصر رافعاً على الدوام من شأن بابل (30/22-26). " لذلك هكذا قال السيد الرب. ها أنذا على فرعون ملك مصر فأكسر ذراعه القوية والمكسورة
وأسقط السيف من يده. وأشتت المصريين من بين الأمم وأُذرّيهم في الأراضي. وأُشدّد ذراعي ملك بابل وأجعل سيفي في يده.. إني أنا الرب حين أجعل سيفي في يد ملك بابل فيمده على أرض مصر .." " وها أنا أبذل أرض مصر لنبوخذ نصر ملك بابل فيأخذ ثروتها ويغنم غنيمتها وينهب نهبها أجرةً لجيشه. قد أعطيته أرض مصر لأجل شغله الذي خدم به لأنهم عملوا من أجلي يقول السيد الرب "( 2/19-21).
يتكرر الخطاب الإلهي المحابي لبابل على نفس المنحى في مواضع شتى (من الإصحاح 25 إلى الإصحاح32).
في منظورنا، يمثل سفر حزقيال تقاطع لرؤيتين: رؤية الزمرة الكهنوتية الناطقة باسم شريحة الهيكل التي احتفظت بذاكرتها بأصداء من التجربة المجهضة المتمثلة " بخط حزقيّا - يوشيّا "، - ورؤية الحزب العبري البابلي المتمثلة بنهج أنبياء تلك الحقبة.
لعل هذا التقاطع، يعبر عن هوية حزقيال التي فيها يلتقي، رجل الكاهن وشخص النبي..؟ - أو لعل الأمر يعبر بكل بساطة عن موقف شريحة الهيكل العبري التي وجدت ملاذاً جديداً في دائرة الدولة القوية.. – و هل في هذا مايمكننا من اعتبار حزقيال الكاهن الممثل التاريخي لهذه الشريحة.. !!
ويقال أن حزقيال هو ذاته واضع التشريعات المكرسة لسدنة الهيكل العبري المتمثلة بالبنود المشهورة في سفر اللاويين..؟
تفصح هذه الواقعة بكل جدارة عن موقف الشريحة الكهنوتية في المرحلة البابلية، حيث استطاعت التعايش بطريقتها مع الوسط البابلي، الذي وجدت فيه ومارست أنشطتها الأدبية بما توفر لها من إمكانية وصلات وثقافة..
ألم ينسل من بابل كل تراثها وثراها الأسطوري والتشريعي
والمعرفي إلى أسفار التوراة..!
في واقع الأمر، لم يأخذ هذا النهج الخاص بمنظور شريحة الهيكل كامل أبعاده إلا في العصر الفارسي، على يد لفيف عزرا، حيث توفرت الشروط التاريخية المؤسسة لهذا النهج، في حين قد واصلت فرق الأحبار في الأزمنة المتتالية بعد عزرا، ذات المهام..

في نظر كلي
توجهنا هذه النصوص نحو افتراض وجود لحزب عبري بابلي قيض له، أن يسود على الوسط العبري، علا شأنه في عهد بابل..
قيض لهذا الحزب أن تترسخ مواقعه ومواقفه الفكرية والميثولوجية والتشريعية، وأن يخطو خطوته الأولى لتشكل المادة البدئية لليهودية..
نحو صعود نبوي نخبوي للحزب العبري الفارسي- إبان العهد الفارسي، تحوّل الحزب العبري البابلي إلى الحزب العبري الفارسي - ليس من المستبعد أن تعزز بوافدين جدد..
تزودنا مرويات أسفار العهد القديم الحبري بالكيفية التي تم فيها توظيف الموقف الإلهي في تسيير الأحداث المتلاحقة للتاريخ العبري وتغيير وجهتها ومسارها، لكي تصب في خط شريحة الهيكل، الأمر الذي يوضح منهج الأحبار في كتابتهم للتاريخ السابق لعهدهم..!
على هذا المنحى، ضاعت آثار الحزب المصري وتم القضاء على أنبيائه، كما تم مسخ صفحات كاملة من تاريخ وإنتاج أنبياء الحزب البابلي وتكييف مأثوراتهم، حسب مقتضيات الواقع الجديد.
ليس من المستبعد وجود آخرين ضاعت آثارهم، في ظل من صليل التحوّل عبر توالي مسلسل الخطوب والأزمنة، الذي تم فيه طي
صفحات آثار وذكرى هؤلاء وغير هؤلاء..
لعل مقولة روندنسون – الآنفة الذكر – تكفي للتعبير عن هذه الحقيقة أيما تعبير - " إن النسيان قد طوى واقعة وجود تيار من الأنبياء مضاد لهؤلاء الذين قد تم اعتمادهم، مما أدى إلى ضياع آثارهم ".
على ضوء هذه الوقائع، يمكن النظر عن كثب بما له من صلة، في مقولة " السبي البابلي" - من وهم أو حقيقة..





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن