الدكتاتور -- Le dictateur

سعيد الوجاني
zehna_53@hotmail.fr

2019 / 8 / 19

الدكتاتور -- Le dictateur
ليس الدكتاتور هو كل من يرتدي بدلة ، او بزة عسكرية ، او بزة مليشيات ، وليس هو كل من يحمل مسدسا ، او رشاشا ، او مدفعا ، فهو بذلك ، ليس بالضرورة ان يكون قد جاء الى الحكم عن طريق انقلاب عسكري ، او عن طريق انقلاب حزبي ، او انه وجد نفسه بالصدفة يمارس الحكم وحده ، ولوحده ، بل ان الدكتاتور هو كل متسلط محتكر لفكرة ، او مشروع ، او برنامج ، ولا يريد ان يشاركه فيه احد ، إنْ كان هذا الاحد ، سيقوم بدراسة عميقة للفكرة ، او للمشروع ، او للبرنامج ، وحتى وإنْ كان الدكتاتور الطارح للفكرة ، او للمشروع ، او للبرنامج ، ، وبعد أنْ لم تلق بضاعته أي اقبال ، هو من دعا في تخرجه ثانية ، كل مهتم بالشأن العام ، او من المشتغلين بالدراسات القانونية والسياسية ، الى ابداء وجهة نظرهم ، بالنسبة للفكرة ، او للمشروع ، او للبرنامج .
الدكتاتور حين دعا الى الاشتراك في مناقشة الفكرة ، او المشروع ، او البرنامج ، فهو كان يملي نفسه ، بانْ يصُبّ النقاش في تأييد طرحه المغلوط ، حتى ولو كان غير منظور سياسيا ، ولا تنظيميا ، ولم يكن يظن انْ يأتي النقاش لِمَا دعا اليه هو ، وبمحض ارادته ، عكس ما كان يظن ولا يزال يظنه ، رغم انه يتنافى ويتعارض مع الطريق الصحيح للوصول الى ترشيد الفكرة ، او تثمين المشروع ، او البرنامج ، لان من قرأ الأرضية بتمعن وامعان ، سيدرك ان صاحبها لم يكن طبيعيا ، وان المذكرة كانت مجرد نزوة طائشة حصلت في ظروف غير عادية .
فهل نحن نتناقش من اجل اغناء الحقل للوصول الى المبتغى ، ام ان المفروض هو التطبيل ، والتزمير ، والنفخ ، لا لشيء فقط لان الدكتاتور يرى ويريد ذلك .
أنْ تُعْرض فكرة ، او مشروع ، او برنامج على العامة ، وتدعو للمشاركة في اغناء النقاش ، لبلورة المعنى الحقيقي للهدف الاستراتيجي ، فهذا يعني ان البضاعة لم تبق ملكك ، بل أصبحت ملكا لكل مُهتم ، ومن أي حقل ثقافي كان ، فمنْ حق الجميع ، الانخراط في النقاش ، قصد صقل الرأي العام ، لحسم الصراع في آخر المطاف .
لذا يبقى من حق أيّ كان إنْ رغب في ذلك ، ان يبدي وجهة نظره ، وانْ كانت لا ترقى الى رغبات ، وشْهيوات الدكتاتور ، وخاصة وان هذا الأخير ، هو من دعا والحّ على المهتمين ، خاصة السياسيين والقانونيين ، ابداء وجهة نظرهم في الموضوع .
لكن المعيب ، والذي يبين النزعة الاستبدادية ، والاستحواذية للدكتاتور، انه بمجرد ما انتهينا من ابداء وجهة النظر على ضوء دعوة صاحب المشروع ، او البرنامج ، او الفكرة ، وناقشنا المادة علميا ، وسياسيا ، وحتى تنظيميا ، وفنّدنا أيّ نجاح للمعروض ، واننا لم نسب ولم نشتم ، واعتقدنا انّ ما وصلنا اليه من شرح و تفسير ، هو عين الصواب ، او هو الأرجح ، حتى اشتاط الدكتاتور غضبا ، وازبد وارغد ، وعوض ان ينْكب على طرح بديل للنقاش ، بدأ في تخرجة يكيل فيها من الكلام النابي ، ما يجعل الانسان يضع علامة استفهام ، ليس فقط على الفكرة ، او المشروع ، او البرنامج ، بل على ما يسمى ( النضال الديمقراطي ) المفترى عليه .
فكيف يستشيط الانسان غضبا ، من تفسير او تحليل مخالف ، بل يرفضه اطلاقا ، ومعتقدا ان بضاعته هي عين الصواب ، وفي نفس الوقت يدعو الى الديمقراطية ومحاربة الاستبداد والتحكم .
فهل الديمقراطية هي رفض وجهة النظر المخالفة ، خاصة وانّ الامر يتعلق بتحليل اكاديمي لإشكالية سياسية ، ولا ينصب على شخص الشخص ، كالتنقيص من الآخر الذي استعمله هو في خرجته الأخيرة .
من السهل اللجوء الى العيب ، لكن من الصعب ان يكون الانسان عقلانيا ، ديمقراطيا بالفعل والافعال ، لا بترنيمات الكنائس الرجعية التي تنشد الفكر الوحيد ، والشخص الوحيد .
فهل الديمقراطي هو السريع للعيب ، والسريع الإيذاء ، وهل هو من يتعصب لفكره ، او لفكرته ، معتقدا انه وحده على حق ، والباقي على خطأ ؟
فإذا كان الانسان يرفض سماع الرأي الآخر ، وينتصر فقط لفكرته ، او لتوهمه ، معتقدا ان رأيه وحده صحيح ، فهذا الشخص وانْ كان يدعو الى الديمقراطية ، فهو مثله مثل الظلاميين الذين يتباكون على الديمقراطية ، كوسيلة للانقلاب عليها ، وتأسيس بدلها أنظمة إسلامية فاشية ، او أنظمة دكتاتورية ينتصر فيها الفكر الوحيد الأوحد ، والرأي الوحيد الأوحد ، على الفكر الديمقراطي الحقيقي الذي لا علاقة له بهذه النماذج التي تؤصل للإرهاب الفكري ، والسياسي ، والتنظيمي .
فإذا كان الدكتاتور الذي قد يبدو انه يناضل من اجل ( نظام ديمقراطي ) ، يرفض سماع وقبول تحليل اكاديمي ، فكيف له ان يقبل بسماع ، وقبول مشروع أيديولوجي عام ، غدا إذا وصل الى الحكم ، وبدأ يمارس السلطة .
بل كيف يمكن تصور ، ان يكون موقف الدكتاتور ، من مجرد تحليل سياسي ، هو التنقيص ، والتنْعيت ؟ فهل هذه هي الاخلاق السياسية ، والثقافية ، التي من المفروض ان يتحلى بها من يدعي حقا النضال الديمقراطي ، قصد بناء المجتمع الديمقراطي ، للوصول الى الدولة الديمقراطية ؟
وهنا لماذا فشل كل شيء ، وتشتت كل شيء ، وانّ ما كان ، بل انّ كل ما كان ، هي مجرد تسميات سمّيتموها لا غير ، ومع ذلك يستمر الدكتاتور في العناد ، ملوحا بحتمية نجاح فكرته ، او برنامجه ، او مشروعه ، رغم فشل نقطة بدايته ؟
ان من يعجز عن مناقشة الأفكار ، وتحليل الاطروحات ، ويتقزز من أي رأي مخالف ، حتى وهو مقتنع بصوابه ، هو انسان لا علاقة له بالديمقراطية اطلاقا ، خاصة حين يكون جوابه ( الحائط القصير ) هو التنعيت ، والتنقيص ، والذّمّ .
من السهل التهجم على أي راي مخالف ، لكن من الصعب التدليل ، والدليل ليس هو حب الانا ، والعظمة ، والطاووسية ، بل الدليل هو مقارعة الحجة بالحجة ، وفي اطار حوار تفاعلي ، ينصب على الموضوع ، وينصب على الأصل ، ولا يتعدى ذلك الى شخص الشخص ، او الى عائلته ، او ما شابه ذلك .
ان الشخص الذي يتجنب مقارعة الحجة بالحجة ، ويسرع الى الذّم بعبارات منطوقها يعاكس بل يفضح مرادها ، هو شخص اناني ، ينتصر لذاته وفقط لذاته ، وربما قد يجد بعض اللذة والشفاء النفسي عندما يعتدي على كل رأي مخالف ولو كان صائبا ، لأنه يربك نفسيته غير السوية التي تجنح فقط الى الإساءة والاعتداء ، للتغطية عن الضعف الثقافي الذي يؤرقه ، ويجعل منه نشازا في عالم اضحى خاضعا للضوابط التي انْ حصل فيها خلل كانت نتائجها وبالاً على جاهلها .
نعم نحن فقط اشباه المثقفين ، واشباه المعارضين ، ونحن لا نساوي شيئا امام مقامكم الرفيع ، لأنكم انتم وحدكم المثقف ، وانتم وحدكم المعارض ، وانتم وحدكم الجمهوري ، وانتم وحدكم المناضل .... بل انت كل شيء ونحن لا شيء ، والعالم بذونكم لا شيء ، نحن الظلمة ، وانتم القمر الذي يضيئها وينير عتمتها ... فشكرا لكم على أذبكم ، وحسن معاملتكم ، وافتخاركم بأخلاقكم .
وحتى لا تفهم خطأً ، او تسيء الفهم ، فالدكتاتورية ليست بسبة و لا بشتم ، بل هي مدرسة في الحكم ، تركز كل شيء في يد شخص واحد ، هو وحده من يملك الحقيقة ، ويملك سر الكون ، وغيره في ظلال مبين ...
ناقش بأدب ، ولا تذم ، ولا تنقص من الاخرين.... السياسة قبل ان تكون مدارس متنوعة ، فهي قبل كل شيء اخلاق حميدة ..
رحم الله الشاعر شوقي حين قال :
" انما الأمم الاخلاق ما بقيت .... إن هي ذهبت ذهبوا " ..
فلا تذهب ... والآتي سيفاجئ الجميع ... ولكل مقام مقال ...
المسيحيون الطيبون في الموعد المعلوم .. فكونوا مثلهم في نفس الموعد ... لان الوطن في حاجة الى الاحرار والشرفاء ... وساعة القيامة على الأبواب ... فكفى من ضياع الوقت في المعارك الهامشية .. لأنها تسيء الى صاحبها ولا تنفعه في شيء ..






http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن