الغالي أحرشاو يُسَائِلُ مُقوِّمَاتُ عِلم النَّفس وَرِهَاناتُه

ادريس الواغيش
waghich03@hotmail.com

2019 / 8 / 15

تتعَدُّد فيه الألقاب وتكثر حَوله التّسْميات، لكنه يُصِرُّ (بعناد)على أن يبقى الغالي أحْـرْشَـاوْ من دون ألقاب، تلميذٌ بدأ التعلم مُتأثرا بأناقة المرابط الفكرية، أحد مُعَلميه في المدرسة الابتدائية، وبأناقة شوقي وصرامته، ولازال مُستمرًّا في التعلم من الكتب وتجارب الحياة من حوله. هو من دون شك، رائد من رُوّاد علم النفس في المغرب والعالم العربي تدريسا وتأليفا وبحثا وقَـدامَة، وإن كان قد فضل الانحياز مُؤخّرا إلى السّيكولوجيا، قصد توطينها ومَأسَسَتِها كعلم حديث في الجامعة المغربية، له ما لا يُعَـدُّ ولا يُحصى من المؤلفات والبحوث في مجال تخصصه. تم توشيحه مؤخرا بوسام ملكي رفيع "وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة المُمتازة"، بمناسبة افتتاح المركز الجديد للندوات والتكوينات بجامعة فاس، لما أسداه من خدمات للتدريس الجامعي والبحث العلمي.
مع الغالي أحرشاو كانت لنا جلسة طويلة، حاولنا أن نستقرأ معه فيها آفاق ومُقـوِّمَاتُ عِـلم النَّـفس وَرِهَاناتُه بالمَغرب، إن حاضرا أو مستقبلا.

1 ) الأكيد أن لكل باحث مشروعه العلمي المُحَدَّد، هل لكم أن تتقاسَموا مع القارئ العادي والمُتخصّص مُقوّمات مشروعكم السّيكولوجي ومُميزاته البارزة؟
الأكيد أن مشواري الأكاديمي كأستاذ باحث لعلم النفس لما يناهز أربعة عقود، كان وما يزال منذ أواسط الثمانينيات من القرن 20 حينما نشرت جريدة " الاتحاد الاشتراكي" آنذاك الحوار الذي أجراه معي الأستاذ فؤاد عَمّور حول: "واقع ومآل السّيكولوجيا بالمغرب والعالم العربي"، يرتكز ويتشبع بأفكار وتصورات علمية وبآمال وأحلام معرفية، تصبُّ كلها في اتجاه المساهمة في إرساء أسُس ومرتكزات المنظومة السيكولوجية المأمولة بالمغرب، وذلك من خلال الانخراط الفعلي في المُمارسة العلمية، تدريسا وتأطيرًا وبحثا وإنتاجا، لمُكـوِّنات هذه المنظومة ورهاناتها الأساسية في مجال تكوين وتأطير كفاءات أصبح كثير منها يحمل مشعل السيكولوجيا في الجامعة المغربية، وبناء وإنتاج جانب من المعرفة السيكولوجية التي أضحى كثير من السيكولوجيين والقراء المغاربة والعرب يتفاعلون معها بمنتهى الجدية والإيجابية والأريحية.
والراجح أن هذا المشروع، حتى وإن كان ينبني على أرضية صلبة يتقاطع فيها عنصرا التكوين والتأطير مع عناصر البحث والمشاركة والإنتاج والنشر، فإن الهاجس الأساسي الذي يوجهه يتلخص في التطلع إلى اليوم الذي سنتحول فيه نحن العاملين في حقل علم النفس إلى باحثين وممارسين حقيقيين نسخّر هذا العلم ونوظفه كما ينبغي، خدمة للتكوين النوعي الجيد والبحث السيكولوجي المتين، ثم التأهيل الإنساني المرغوب. ولا أشك في أن بلوغ مثل هذا الرهان هو الذي سيمنح لهذا المشروع، الذي طالما حلمت بتحقيق أهم مقوماته وغاياته، مكانته العلمية وصدقيته المعرفية ووظيفته التطبيقية.
2) كثيرا ما يقال عنك إنك من الباحثين دوي الإنتاج الغزير المتنوع في ميدان علم النفس. فما هو السّـرّ في ذلك؟ وما هو الخيط الرابط بين مكونات هذا الإنتاج؟ ثم ما هي الرسالة العلمية المُتوخاة من كل ذلك؟
بالفعل قد يصح القول نسبيا بغزارة كل ما ساهمت به لحد الآن من إنتاج علمي عبارة عن مساهمة وممارسة سيكولوجية، إما على شكل إصدارات (35 كتاب منشور: 17 منها فردية، و18 جماعية ثم 83 بحث ومقالة منشورة قليل منها بالاشتراك)، أو في صورة مشاريع بحث وشراكة (26 عمل)، أو على شكل أوراق مقدمة في ندوات وملتقيات علمية وطنية ودولية (67 ورقة)، أو في صورة خبرة وتحكيم (54 استشارة). وإذا كان هناك من سر في ذلك فهو لا يخرج عن العمل الجاد والمثابرة المتواصلة والتعلم المستمر، فضلا عن هوس البحث والتعود على ممارسته إلى حدود الإدمان. فشخصيا لا يمكنني أن أستمتع بشيء بعد إيماني بالله والتزامي بمتطلبات حياة أسرتي الصغيرة، أكثر من البحث الجدي الهادف والجاد. ويبدو أن الخيط الرابط بين مكونات ومضامين هذا الإنتاج العلمي لا يزيغ في مدلوله وتوجهه العام عن مقومات ورهانات مشروعي السيكولوجي السابق الذكر. فكل ما في الأمر هو أن الخيط المقصود يتمظهر من خلال عدة مراحل ومظاهر تتراوح بين التعريف بمستجدات السيكولوجيا الحديثة ومقارباتها الجديدة، وبين التحسيس بأهمية هذه السيكولوجيا ودورها في خدمة قضايا الإنسان وتطلعات المجتمع، وبين التنصيص على تسخير نتائج دراساتها وأبحاثها في حل عديد من المشاكل وتجاوز كثير من الأعطاب التي عادة ما تفرض نفسها في مختلف الميادين الحيوية داخل المجتمع، وفي مقدمتها ميادين التربية والتكوين والصحة والشغل والبيئة والترفيه.
لو سمحت ظروفك بفسحة من الزمن لتتعمق وتتأمل مكونات ومقومات هذا الإنتاج، ستلاحظ أن تأثيثه تخترقه هواجس وانشغالات نظرية ومنهجية وميدانية متنوعة، تزاوج بين التعريف بالسيكولوجيا الحديثة والتنظير لواقعها، والبحث في ظواهرها ومشاكلها على المستوى المحلي والعربي والعالمي، وخاصة ظواهر الذكاء واللغة والتربية والمعرفية واضطرابات النمو والتعلم والتقويم والتشخيص والتأهيل وإعادة التربية وحتى بعض انشغالات المجتمع المغربي الأسرية والمدرسية والثقافية والشبابية....إلخ. وعليه فإذا كانت هناك من رسالة محددة لهذا الإنتاج أو المشروع، فهي لا تخرج عن هذا الهاجس العلمي- العملي الذي يراهن على جعل من مهنة السيكولوجيا وظيفة معرفية- تطبيقية واعدة بالعطاء في مجال إنتاج المعرفة السيكولوجية، وتسخيرها لخدمة الإنسان وتحديث المجتمع.
لمزيد من التوضيح، قد يصح القول، مثلما أكدت على ذلك في إحدى مناسبات تكريمي الأخير، بأنني من أكثر الباحثين الذين كتبوا حول السيكولوجيا بالمغرب والعالم العربي عامة. فهذه حقيقة تؤكدها آراء وشهادات كثير من الباحثين السيكولوجيين المغاربة والعرب، وتعبر عنها مضامين عديد من أعمالي ومنشوراتي بهذا الخصوص منذ أوائل ثمانينيات القرن 20. فواقع ومآل السيكولوجيا بالمغرب (ضيف الأسبوع: الاتحاد الاشتراكي، الخميس 12 مارس 1987، العدد 1315)، وواقع التجربة السيكولوجية في الوطن العربي (المركز الثقافي العربي، 1994)، والطفل واللغة (ج1 وج 2 المركز الثقافي العربي، 1994)، والخصائص المعرفية للمحاولات السيكولوجية العربية (الوحدة، 1995)، وقياس ذكاء الراشدين المغاربة (دار الطليعة، 1995)، وثقافة الطفل المغربي وآفاق تنميتها(منشورات كلية الآداب بالرباط، 1996)، وواقع البحث السيكولوجي بالمغرب (المعهد العالي للبحث العلمي، 1998)، والسيكولوجيا ورهان التعريب في التعليم العالي بالمغرب (جامعة فاس، 1999)، والتربية الوالدية في العالم الإسلامي (منشورات المنظمة الإسلامية الإيسيسكو، 2000)، وصراع القيم ومشكل التوافق الدراسي لدى الطفل المغربي (منشورات الهيئة اللبنانية لعلوم التربية ببيروت، 2001)، والبحث عن الشغل ومواجهة البطالة لدى خريجي جامعة فاس (منشورات مختبر الأبحاث والدراسات النفسية والاجتماعية بفاس، 2001)، والعلم والثقافة والتربية (النجاح الجديدة، 2005)، وحوار حول الحقل السيكولوجي بالمغرب (www.psy-cognitive.net، 2007)، ومظاهر نمو الوعي بالازدواجية اللغوية عند الطفل المغربي (منشورات الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة، 2007)، والطفل بين الأسرة والمدرسة (النجاح الجديدة، 2009)، والثورة المعرفية ومستقبل السيكولوجيا بالمغرب (جامعة فاس، 2013)، والمعرفة والتنمية الإنسانية: مقاربة سيكولوجية (دار ما بعد الحداثة، 2013)، ومشكل العنف المدرسي بالمغرب (منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط، 2013)، وعوامل ومظاهر الفشل الدراسي بالمغرب (منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط، 2013)، وبناء مقياس لتقويم الأداء في القراءة باللغة العربية لدى الطفل (منشورات الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، 2014)، والسيكولوجيا في عهد المعرفية (المجلة العربية لعلم النفس، 2016)، ثم السيكولوجيا بالمغرب: مشاكل، تحديات ورهانات (مجلة شبكة العلوم النفسية العربية، 2019)، كلها أعمال ومنشورات تؤشر على وعيي المعرفي المبكر بأهمية إرساء دعائم المنظومة السيكولوجية المأمولة عندنا، تدريسا وبحثا وممارسة.

3) ما هي مقومات البحث السيكولوجي بالمغرب؟ وما هي مظاهر التطور الذي حققه نظريا ومنهجيا وميدانيا؟
في تقييم سابق لوضع البحث السيكولوجي بالمغرب، ما زلت أتذكر أنني تجرأت على القول بأن هذا الوضع لا يبعث على الارتياح نظرا لقصور ونواقص كثيرة تتخلله وتخترقه من كل الجوانب. وقد وُوجه قولي آنذاك بامتعاض كبير من لدن بعض الزملاء الذين جمعتني بهم مناسبة ندوة وطنية عُقدت بالرباط حول" علم النفس بالمغرب" أواسط التسعينات من القرن 20. وحاليا فالوضع المذكور لم يعد هو نفسه؛ إذ عرف بعض التقدم على مستوى التكوين والبحث والإنتاج. ونشير بهذا الخصوص إلى أن بعض التقارير تؤكد أن إنتاجنا في هذا النطاق وإن كان ما يزال ضئيلا بالمقارنة مع ما هو قائم في الدول المتقدمة، إلا أنه أصبح يتميز بنوع من الدينامية والتراكم النسبي الموزع بنسب متفاوتة بين الكتب القائمة الذات والأطروحات الجامعية والمقالات العلمية فضلا عن ملتقيات وندوات وطنية ودولية. لكن ما عدا ذلك، فالراجح أن البحث السيكولوجي كما يمارس عندنا ما يزال يفتقر إلى كثير من الظروف والشروط اللازمة لتثبيت مفاهيمه النظرية وترسيخ قواعده العلمية وتقعيد إجراءاته المنهجية واستثمار نتائجه على المستوى التطبيقي. فالمختبرات السيكولوجية الفعلية نادرة، والبحوث الميدانية والتدخلية ذات الارتباط العضوي بمشاكل الإنسان المغربي الحقيقية ماتزال في بداياتها الأولى. وكما أن الإنتاج العلمي في هذا المجال لا يزال دون المستوى المطلوب، حيث لم يتجاوز في توجهاته العامة بعض المحاولات التعريفية بالسيكولوجيا الغربية وبعض الأبحاث والأطروحات الجامعية التي لم ينشر منها إلا الجزء القليل. وأعتقد أن تصحيح هذه الوضع وتجاوز مختلف جوانب العجز التي تعكسه، يتطلبان كثيرا من الجهد والوقت والعمل لتوفير الشروط المناسبة للانخراط بالقول والفعل في ممارسة سيكولوجية هادفة على المستوى المحلي، قوامها خدمة قضايا الإنسان ورهانات المجتمع الكبرى.
وللتوضيح فقط، نشير إلى أن البحث السيكولوجي عندنا ما يزال يفتقر إلى كثير من الضوابط العلمية، وذلك لأسباب أهمها:
- المختبرات الفعلية وليست الشكلية ما تزال مغيبة، بحيث لا تتجاوز أربعة بكل من فاس والرباط، وتجهيزاتها لا تتعدى ما هو معلومياتي على شكل مجموعة من الحواسيب وبعض الأجهزة الإلكترونية، أما بطاريات القياس والاختبارات والأدوات السيكومترية فهي نادرة ونادرة جدا؛
- البحوث الميدانية والتدخلية ما تزال في بداياتها المحتشمة، يحكمها العمل الفردي عوض العمل الجماعي، ويطال نتائجها تهميش مؤسساتي وإهمال مجتمعي؛
- غالبية أنشطة البحث العلمية (أعمال مندمجة، شراكات، مشاريع، خبرات واستشارات، عقود) والأكاديمية (إجازة، ماستر، دكتوراه، ملفات التأهيل والأستاذية)، يحكمها هاجس الحصول على الدبلوم والترقي المهني؛

4) بفعل متابعتكم للإنتاج السيكولوجي بالمغرب، هل لكم أن توضحوا للقارئ أهم توجهات البحث وأبرز قضاياه وإشكالياته؟ وما هي القيمة المضافة التي يقدمها هذا الإنتاج لتطوير البحث السيكولوجي؟
الواقع أن الإنتاج السيكولوجي بالمغرب، وإن كان جانب منه يعرف طريقه إلى النشر والتوزيع، فهو ما يزال في كثير من مكوناته حبيس الرفوف أو سجين خزانات أصحابه نتيجة محدودية فرص طبعه، أو مخافة انتقاد القارئ لكثير من مضامينه في حالة نشره. فمعظم مكونات هذا الإنتاج عبارة عن مقالات وأطروحات جامعية وفي أقصى الحدود مجموعة من المؤلفات المحدودة التي تتلخص توجهاتها البحثية في مقاربة قضايا وإشكاليات تتوزع بين ما هو نفسي تربوي وما هو نفسي اجتماعي وما هو نفسي مرضي. وأعتقد أن الشيء الجديد الذي أضفى على هذا الإنتاج بعض الجّدة والتميز، يتجلى في المقاربة المعرفية التي أصبحت منذ أوائل تسعينيات القرن 20 تشكل بجامعة فاس خاصة، الإطار المرجعي للانتقال بالسيكولوجيا، تدريسا وبحثا وممارسة، من طابعها الكلاسيكي إلى شكلها الحديث. وفي هذا السياق تندرج كل مبادرات الإصلاح التي عرفتها أنظمة التكوين والبحث في بعض وحدات الدراسات العليا في علم النفس والتي أصبحنا مؤخرا نجني بعض ثمارها، وبالخصوص على مستوى إنتاج ونشر جانب من المعرفة السيكولوجية ذات التوجه المعرفي المغايرة لما كان سائدا ومألوفا لعقود مضت.
الأكيد إذن أن الإنتاج السيكولوجي أصبح يتميز عندنا في السنوات الأخيرة بدرجة من الدينامية والتراكم النسبي، رغم بعض مظاهر تشتت مشاريعه، أهدافه ومخرجاته. وهذه قرائن للتوضيح:
- رغم هاجس الترقية المهنية الذي يحكم هذا الإنتاج، فقد أصبح يعرف بعض الدينامية في تراكمه الموزع بين أطروحات (170: 35% منها نوقش في الخارج)، وكتب (205: 80% بالعربية)، ومقالات (410: 82% بالعربية) حسب تقديري الشخصي؛
- تزايد في وتيرته ذات التوجه المعرفي منذ أواخر القرن 20، حسب ما تؤشر عليه موضوعات وعناوين المؤلفات والمقالات المنشورة، ثم ملفات التأهيل والأستاذية وأطروحات الدكتوراه التي لا يزال أغلبها حبيس خزانات أصحابها.
- في مقابل تزايد في الإنتاج السيكولوجي المتشبع بالمقاربة المعرفية، هناك تراجع واضح في الإنتاج السيكولوجي القائم على المقاربتين السلوكية والتحليلية؛
- محدودية المراكز والمؤسسات والجمعيات الراعية والمحفّزة للإنتاج السيكولوجي عندنا. فعدد المجلات لم يتجاوز خمس، وعدد الجمعيات لا يتعدى ثلاث: واحدة لعلم النفس وأخرى للتحليل النفسي وثالثة للطب النفسي.

5) هل هناك من صدى لخصوصيات المجتمع المغربي الثقافية واللغوية فيما ينجز من أبحاث سيكولوجية وخاصة على صعيد ما قد تنفرد به تلك الأبحاث من أصالة وواقعية مقارنة مع الأبحاث الأخرى؟
أكيد أنه من المفروض أن يكون لمثل تلك الخصوصيات الثقافية واللغوية وحتى الذهنية وقعها وموقعها في إنتاج المعرفة العلمية عامة والسيكولوجية على وجه الخصوص، رغم أن بناء العلم وإنتاج أنساقه المعرفية يفضلان روح الشمولية ومنطق الكونية. وأعتقد أن القول عن السيكولوجيا بفرنسا بأنها ترجح نزعة التنظير على نزعة التجريب، في حين أن التجريبية والأمبريقية تحظيان بالأولوية في السيكولوجيا المتداولة في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، يندرج في هذا السياق الذي يؤكد على مكانة تلك الخصوصيات في إنتاج المعرفة.
أما فيما يتعلق بالمجتمع المغربي فيبدو أن الوقت لم يحن بعد لإصدار حكم حاسم بهذا الخصوص، لأننا ما نزال في مستهل الطريق الذي يوحي في غالب الأحيان بمظاهر كلها تيهان وترحال وضياع بين ما هو نظري مجرد وما هو تجريبي أمبريقي. ويؤشر أحيانا أخرى على أننا مجرد مستهلكين ومقلدين للمعرفة السيكولوجية التي أنتجها غيرنا، أو مجرد أساتذة ومدرسين أوفياء لبعض الاتجاهات السيكولوجية الكلاسيكية المتجاوزة كالسلوكية والتحليل النفسي والتكوينية، دون أدنى حرج في ذلك أو تطلع إلى المساهمة في بناء نوع من المعرفة السيكولوجية المطابقة لخصوصيات مجتمعنا وتحدياته الآنية والمستقبلية.
6) كيف تقيمون البعد الوظيفي والتطبيقي لعلم النفس بالمغرب؟ هل صحيح أن هذا العلم كان ولا يزال يقبع في برجه العاجي الأكاديمي، بعيدا عن الانفتاح على محيطه وعلى مشاكل الناس الواقعية؟ ثم إلى أي حد يصحّ القول بأن علم النفس في المغرب أصبح يقوم بوظيفته على صعيد المساهمة في تنمية الإنسان وخدمة المجتمع من خلال تشخيص وعلاج المشاكل والاضطرابات وتقديم الحلول المناسبة؟
أن يقال عن علم النفس بالمغرب كان وما يزال حبيس الفضاء الجامعي، فهذا إقرار يعكس جانبا كبيرا من حقيقة واقع الحال. فباستثناء بعض قطاعات الصحة والأمن والعدل وبعض الجمعيات والمؤسسات والعيادات الخاصة المحدودة التي يمارس بعض أخصائييها جانبا من المعرفة السيكولوجية في مجال التخفيف من بعض الاضطرابات النفسية، فالمؤكد أن علم النفس المعمول به عندنا ما يزال في وضعه العام يقبع داخل أسوار الجامعة، ويحكمه على العموم هاجس التدريس النظري، وإلى حد ما هاجس البحث الأكاديمي الذي نادرا ما تعرف نتائجه طريقها إلى التوظيف العملي والاستثمار التطبيقي. هذا هو واقع الحال، رغم أن الدينامية التي أصبح المجتمع المغربي يعيشها على أكثر من صعيد، توحي في كثير من الأحيان بأن علم النفس سيتخطى أسوار الجامعة ليرضي مطامح الإنسان وتطلعاته ويستجيب لحاجات المجتمع ورهاناته.
فالراجح أن تواضع التطبيق والممارسة يشكل العنصر السلبي لواقع علم النفس بالمغرب، إذ ناذرا ما تستثمر نتائج أبحاثه وإنتاجاته في خدمة التنمية الشاملة. وهذا واقع يترجمه بعدان اثنان:
فمن جهة أولى هناك بعد التطبيق الذي يشكو من:
- محدودية في التعامل مع المشاكل النفسية والاجتماعية الواقعية للمغاربة، تشخيصا وعلاجا وتكفلا؛
- الافتقار إلى أغلب الظروف والشروط اللازمة لإنتاج المعرفة السيكولوجية الهادفة والمطابقة لواقع الإنسان المغربي. فالبحوث الميدانية والتدخلية ذات الارتباط العضوي بمشاكل الناس الفعلية ما تزال في بداياتها المتعثرة، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية والإدارية والقطاعات الإنتاجية والتنموية ماتزال هي الأخرى غير مؤهلة وربما غير مستعدة للاستفادة من خدمات ما يسمى عندنا بالبحث السيكولوجي.
- تواضع مخرجات البحوث، وشبه غياب للمؤسسات المستفيدة منها في التوجيه والإرشاد، الانتقاء والاختيار، التشخيص والعلاج، التأهيل والتكفل؛
- التقوقع داخل أسوار الجامعة للاكتفاء بالدرس والبحث الأكاديمي الذي قليلا ما تعرف نتائجه طريقها إلى الاستثمار التطبيقي؛
- التهميش على صعيد الخبرة والاستشارة بخصوص مشاريع الإصلاحات التي انخرط فيها المغرب من قبيل إصلاحات التعليم والصحة والشعل والأسرة والعدل، وبالتالي تفويت فرصة الاستفادة من خدمات ممارسيها ومخرجات بحوثها؛
ومن جهة ثانية هناك بعد الممارسة الذي يشكو من:
- الافتقاد إلى التثمين المؤسساتي وكل ما يتطلبه ذلك من بنيات وتجهيزات وإمكانيات مادية وبشرية؛
- سيادة الأنماط الثقافية والتمثلات الاجتماعية المقاومة لقيام المعرفة السيكولوجية المطابقة والمؤسسات المؤهلة لتوظيف خدماتها فيما يخدم التنمية البشرية في أبعادها المختلفة؛
- الافتقار إلى القانون الذي ينظم ويحمي مهنة عالم النفس بالنسبة لما يتجاوز (100) ممارس في قطاعات الصحة والأمن والعدل وفي جمعيات ومؤسسات خاصة. وهو عدد يوازي أولا عدد أساتذة الجامعات بمختلف مؤسساتها (110 أستاذ)، ويمثل ثانيا أكثر من نصف عدد الأطباء والأخصائيين داخل مستشفيات الطب النفسي ومراكز الإعاقة والإدمان والعنف (196)؛

7) يقال عن جامعة فاس بأنها هي موطن نشأة وانطلاق السيكولوجيا المعرفية بالمغرب، هل يمكنكم بصفتكم من أوائل القائلين بهذا التوجه السيكولوجي الجديد، أن تحدثونا عن مراحل تطور علم النفس وهويته المعرفية ووضعه المؤسساتي في ظل مستجدات هذا التوجه ومقوماته الأساسية؟
الأكيد أن انطلاق هذه السيكولوجيا ذات الطابع المعرفي كاتجاه جديد في علم النفس في أوائل ستينيات القرن 20، قد غيّر بصورة جذرية طريقة تصورنا للنفس الإنسانية وأسلوب دراستها. فبراديغمها المعرفي الذي يعتبر الذهن كنوع من البرمجة المعلوماتية المستعملة للرموز المجردة، يشير بوضوح إلى أن ثورة معرفية حدثت فعلا في مجال علم النفس. وهي الثورة التي رافقتها تحولات عميقة إن على مستوى الموضوع والمفهوم والمبحث أو على مستوى المنهج والمسعى والتطبيق. فهذه السيكولوجيا التي تهيمن حاليا على خارطة علم النفس، أضحت تشكل بفعل تجاوزها لعدد من الاتجاهات السيكولوجية الكلاسيكية (السلوكية والتحليلية والتكوينية)، الثورة المعرفية القائمة الذات التي لا يتردد أغلب علماء النفس في اتخاذها إطارا أساسيا للتعبير عن علم النفس بأكمله.
الحقيقة أن تجربة الأخذ بمقومات هذه المقاربة السيكولوجية الجديدة بالمغرب، تدريسا وبحثا، ما تزال تجربة فتية ومحدودة، سواء في مداها الزمني أو في مستوى ممارستها ودرجة انتشارها. فهذه التجربة التي تعود انطلاقتها محليا إلى بعض أساتذة شعبة علم النفس بجامعة فاس خلال تسعينيات القرن 20، حينما ذهبوا إلى تبني التوجه المعرفي كمسعى جديد للتعامل مع السيكولوجيا، ما تزال في الواقع تكثف الجهود وتضاعف الخطوات لتتجاوز مختلف العراقيل والمقاومات، وتصل بالتالي إلى فرض أسسها وتثبيت مرتكزاتها كبراديغم جديد، قوامه بناء علم للذهن بدل اجترار ما كان يسمى بعلم للسلوك.
هناك شبه إجماع على أن علم النفس بالمغرب، وبفعل عمل بعض أساتذته وممارسيه بهذه المقاربة، أضحى يعرف نوعا من الانتعاش العلمي الملموس، سواء على مستوى المرجعيات والمفاهيم النظرية، أو على مستوى الإجراءات والتقنيات المنهجية، أو حتى على مستوى بعض الممارسات التطبيقية. وهذه مسألة تعكسها طبيعة برامج التكوين ومشاريع البحث التي أصبحت تسلم بمقومات هذه المقاربة لتلامس إشكاليات سيكولوجية غير مألوفة من قبيل: الوظائف المعرفية العليا وكل ما يحيط بها من سيرورات المعالجة وآليات الاشتغال واستراتيجيات التنفيذ. فالنمو والتعلم والذاكرة والانتباه واللغة واتخاذ القرار وحل المشاكل، كلها مباحث وإشكاليات خُصصت لها دراسات وبحوث جادة باعتماد هذه المقاربة. وهي البحوث والدراسات التي بدأت تأخذ طريقها إلى النشر لإمداد القارئ المغربي والعربي عامة بمنتوج سيكولوجي مغاير الطعم والمذاق ولم يألفه من قبل.
بالعودة إلى سؤالكم حول مراحل تطور علم النفس وهويته المعرفية ووضعه المؤسساتي ومكانته التطبيقية، يمكن القول إن السيكولوجيا كعلم حديث النشأة في المغرب، ماتزال تعيش مخاض مشروعيتها التاريخية وهويتها المعرفية ومأسستها القانونية، كما يوضح البعدان التاليان:
أ- بُعد التاريخ والتطـوُّر: بحيث تمثل بعض ممارسات الطب النفسي والتحليل النفسي خلال عشرينيات القرن 20، بداية انطلاق السيكولوجيا عندنا، لتشهد مع فترة الاستقلال وبعدها تطورات هامة تمثلت في اعتمادها:
- كمواد للتكوين في مدارس المعلمين والمراكز الجهوية، وبعدها في المدارس العليا للأساتذة وكلية علوم التربية؛
- كمواد للاختيار في شعبتي الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بفاس والرباط من 1972 إلى 1982؛
- كوحدات للتخصص والبحث في نفس الشعبتين ما بين 1982 و2003؛
- كمسالك للتكوين والبحث منذ (2003) بفاس والرباط و(2010) بالمحمدية و(2016) بالدار البيضاء و(2017) بمراكش والقنيطرة، ثم كمواد فقط بكليات الآداب والعلوم الإنسانية الأخرى بالجامعات المغربية؛
- كشعبة مستقلة بكل من فاس والرباط من (2006) إلى غاية الآن؛
ب - بُعد الهوية والمأسسة: بحيث أنه رغم بعض مظاهر التطور في مرجعياتها وتوجهاتها منذ أواخر القرن 20، فإن الهوية المعرفية والمؤسساتية للسيكولوجيا بالمغرب ما تزال مفعمة ببعض الضبابية لاعتبارات أهمها:
- تشتت هويتها المعرفية إلى وقت قريب بين الفلسفة وعلوم الطب النفسي والأعصاب والاجتماع والتربية؛
- تذبذبها إلى حدود أواخر القرن 20، بين تُشَيّءُ وحدة موضوعها بين السلوك والإدراك واللاشعور، ومنهجها بين القياس والتجريب والمقابلة، ووحدة توجهها بين التيار الطبيعي والتيار الإنساني؛
- مواجهتها منذ تشبعها بالبراديغم المعرفي وتحولها من علم للسلوك إلى علم للذهن، لبعض المواقف المقاوِمة المتأرجحة بين التعنت غير المبرر والتشبث الواهم بسيكولوجيات تراجع صيتها وقلَّ بريقها كسلوكية واطسن وتحليلية فرويد وتكوينية بياجي؛

8) طرح الميثاق الوطني للتربية والتكوين عدة تصورات على مستوى الرفع من جودة التعليم وفاعليته، في رأيكم هل يتأسس هذا التصور على خلفية سيكولوجية تؤطره؟ وهل تمت استشارة سيكولوجيين مغاربة في بلورة هذا التصور؟ ثم ما هو تقييمكم البيداغوجي لتدريس علم النفس في الجامعة المغربية وأهم الإصلاحات التي ترونها ضرورية في هذا الاتجاه؟
من البديهي القول إن أي إصلاح في مجال التربية والتكوين لا بد وأن يستهدف في مراميه الجوهرية تحقيق جودة التعليم والرفع من مستواه وفعاليته. لقد كان من المنتظر أن تسهم مختلف مبادئ ومرتكزات ميثاق الإصلاح في تحقيق نتائج جيدة على مستوى منظومة التربية والتكوين بأكملها. غير أن المشكل المطروح يكمن في محدودية الشروط والظروف اللازمة لتحقيق الأهداف المبتغاة، وخاصة على مستوى استعمال التكنولوجيات الجديدة وتشجيع التفوق في مجال التحصيل والتوجيه المبكر للكفاءات ودعم البحث العلمي وروح الابتكار والإبداع. وأعتقد أن تحقيق جانب من هذه الجودة يبقى مشروطا بالمعارف والكفاءات والمهارات التي يحصلها المتعلم ويكتسبها خلال مساره الدراسي. فكلما كانت تندرج في إطار نظام بيداغوجي يتسم بالمرونة والفعالية والتوجيه والمراقبة إلا وكانت كافية لإعداده وتكوينه تكوينا متينا يسمح له بالنجاح وبالاندماج السريع في النسيج الاقتصادي والمهني للبلاد.
فبالاحتكام إلى الرتب العالمية غير المطمئنة لمنظومتنا التعليمية على أساس جودة التعليم (الرتبة 90 في المتوسط من أصل 131 دولة)، يمكن الإقرار بوجود مشكل حقيقي في هذا النطاق، يستدعي تجاوزه اعتماد برامج ومناهج وطرق ناجعة للتكوين والتأطير والتقويم، هدفها تعليم المتعلم كيف يتعلم المعارف وكيف يبحث عن المعلومات وكيف يحسن تدبيرها وتحويلها من السياق المدرسي إلى السياق المجتمعي الواقعي، ثم أخيرا كيف يعاود التفكير حولها ليقيمها ويحكم على المفيد من غير المفيد منها.
ولمزيد من التوضيح بخصوص هذه المسألة، نرى ضرورة التفصيل في نقطة محورية تتعلق أساسا بحصيلة الإصلاح الجامعي بالمغرب في بعده المرتبط بمقومات التكوين في تخصص علم النفس. فالراجح أنه لو استحضرنا بعض مرتكزات هذا الإصلاح وغاياته الأساسية لتبيّن لنا أن تجسيدها داخل الفضاء الجامعي ما يزال عرضة للتعثر نتيجة المشاكل والصعوبات الناجمة عن تواضع إمكانياتنا ووسائلنا وطاقاتنا المادية والبشرية. بطبيعة الحال لقد تطلبت عملية أجرأة الإصلاح الأخير من الجامعة المغربية، إدارة وأساتذة وطلبة، الانخراط في روحه وفلسفته، وبالتالي الرهان على الانتقال من وضعه البيداغوجي القديم بمقتضياته وطقوسه إلى وضعه البيداغوجي الحالي بمستجداته وضوابطه. ولا أخفيك بأن هذا الانتقال قد صاحبته فعليا مشاكل وصعوبات كثيرة، تمثلت بالخصوص في تواضع الوسائل اللوجستيكية ومحدودية الإمكانيات المادية والبشرية. فالموارد البشرية والبنيات البيداغوجية والتجهيزات العلمية الموضوعة رهن إشارة الجامعة المغربية لرفع تحديات هذا الانتقال تبدو جد متواضعة كميا وكيفيا. وهذه واحدة من التحديات الكبرى التي تواجه الممارسة البناءة لروح الإصلاح على أرض الواقع، والذي يستحيل تحقيق غاياته وأهدافه الجديدة بوسائل وإمكانيات وعقليات محدودة ومتقادمة.
إذن، لا حرج في القول بأن التقييم الموضوعي لتجربة الإصلاح الجامعي يفضي إلى الحكم بتعثّره وتوجهه نحو الفشل، وذلك بفعل النواقص السابقة الذكر التي تصاحبها صعوبات على مستوى التدريس والتأطير والتقويم والجودة والبحث والإنتاج والممارسة. ويبدو أن ما سُمّي بالمخطط الاستعجالي للإصلاح وكل ما واكبه فيما بعد من خطط وإجراءات، يندرج في سياق تجاوز مثل تلك الصعوبات أو التخفيف منها، رغم أن القراءة الفاحصة لواقع الحال لا تؤشر في الأفق القريب على هذا التجاوز لأن الأمر لا يعدو أن يكون سوى تغيير لصيغة التعامل مع مرتكزات وغايات الإصلاح كما جاءت في الميثاق. وهي صيغة قد تخفف قليلا من حدة المشاكل والصعوبات دون أن تفضي في نهاية المطاف إلى تجاوزها أو حلها بصورة نهائية.
أما إذا وقفنا على وضعية هذا الإصلاح في إطار التكوين السيكولوجي، فيمكن التأكيد على أن الإصلاح المقصود حتى في صيغته الاستعجالية ومستجداته الأخيرة، يبقى عرضة لمشاكل كثيرة وفي مقدمتها: صعوبات التأطير والتقويم وتحقيق الجودة نتيجة الاكتظاظ الهائل للطلبة في مقابل المحدودية الواضحة لأعداد الأساتذة، ثم تواضع الوسائل البيداغوجية والمعدات العلمية اللازمة للتكوين والتأطير في هذا التخصص. لكن، رغم كل هذه النواقص والمشاكل، فبالاحتكام إلى مقاييس جودة التكوين، يلاحظ أن السيكولوجيا بالمغرب أصبحت بفعل تشبّعها بالمقاربة المعرفية منذ أوائل القرن الحالي تعيش بعض التطور في مسالكها وبرامجها، تترجمها التحولات التالية:
- التحول من علم للسلوك إلى علم للذهن بخصوص الموضوع، ومن المثير، الاستجابة، التعزيز، إلى التمثل، المعالجة، الوعي بخصوص المفهوم؛
- التحول من تقنيات الملاحظة والقياس والتجريب إلى تقنيات التجريب والتقييس والتصوير بخصوص المنهج؛
- التحول من براديغم سلوكي تحكمه نزعة أمبريقية إلى براديغم معرفي تحكمه نزعة حاسوبية اقترانية؛
فكل هذه التحولات أصبحت تعكسها إلى حد ما برامج التكوين في مسالك الإجازة والماستر والدكتوراه ومشاريع المختبرات ومواضيع كثير من الأطروحات والمنشورات والندوات.

9) الملاحظ أن حصيلة النتائج والمخرجات في النظام التعليمي بالمغرب في تراجع مستمر، رغم مختلف محاولات الإصلاح والتجويد لحد الآن. فمن منظوركم كمهتم بالشأن التعليمي، ما سبب هذا التراجع؟
بربط مضمون هذا السؤال بواقع ومستقبل التعليم بالمغرب الذي أحطناه لحد الآن بحيز لا بأس به من إنتاجنا العلمي، يمكن القول إن منظومة التعليم التي نتداولها وبشهادة الجميع، بما في ذلك عديد من المنظمات الوطنية والدولية ثم الوزارة الوصية ومجلسها الأعلى للتعليم، قد فشلت من حيث فلسفتها الإصلاحية ومردوديتها التربوية. فرغم كل الإصلاحات العادية والاستعجالية، ورغم كل الوعود والشعارات التي رفعت باسمها، ورغم ضخامة الجهود المبذولة في مجال تعميم التمدرس وتوسيع انتشاره (أكثر من 99% حسب العرض الأخير لوزير التعليم أمام البرمان)، وتوفير البنيات التحتية والموارد المادية والبشرية الضرورية لممارسته، فالواضح أن الإجماع حول إخفاق سياستنا في هذا المضمار حاصل بامتياز؛ إذ يقر به كافة المغاربة، ساسة وأصحاب قرار وحتى عامة الناس بما في ذلك الأشخاص البسطاء. فالجميع مقتنع بمحدودية حصيلة هذه السياسة تربويا وتنمويا، يكفينا أن نستشهد عليها بالوقائع التالية:
- عجائبية الواقع التعليمي المغربي الذي يشكل حلبة تتصارع بداخلها ثلاثة عوالم تربوية مختلفة تتوزع بين الماضي البعيد والحاضر المتذبذب والمستقبل الغامض، وبالتالي التعرض باستمرار للإصلاحات المناسباتية الترقيعية العديمة الفائدة والجدوى، تكوينا وتربية وتنمية.
- تذبذبية في وضع البرامج والمضامين، ونمطية في استعمال الطرق والأساليب، وجمود في تحديد المناهج والتخصصات، فضلا عن ضعف في الجودة والمردودية؛
- انفصام وابتعاد عن المحيط الاجتماعي والاقتصادي وقطاعاته التنموية، وبالخصوص تلك المعوّل عليها في توفير مناصب الشغل وتحقيق الاندماج السوسيو مهني للشباب أصحاب الشهادات الجامعية؛
- تراجع واضح لمكانة التعليم وقيمته في سلم أولويات المواطن المغربي، وذلك بفعل تدني مستواه وسعة الفجوة التي تفصل السياسات عن الأهداف المعلنة والشعارات عن الإنجازات المحققة؛
- الافتقار إلى مشروع مجتمعي تنبني عليه سياسة تعليمية واضحة المبادئ والأهداف ومضمونة النتائج والمخرجات. فالواضح أن التباين بين هذه السياسة وخطط التنمية هو تباين صارخ تقف وراءه عوامل كثيرة أهمها:
- غياب الرؤية الاستراتيجية التي تلائم بين سياسة التكوين وسياسة التشغيل؛
- اعتماد سياسة التخبط والقطائع التي تحكمها مزاجية شخص أو أشخاص معدودين بدل سياسة التخطيط المحكم في إطار مؤسسات ذات مصداقية؛
- احتكار علماء الاقتصاد لبرامج التخطيط التنموي وبتجاهل تام لوجهات نظر الفاعلين والشركاء الآخرين وفي مقدمتهم علماء النفس والتربية والاجتماع؛
- اعتماد السياسة التعليمية التي تمليها إما المنظمات الدولية وإما الضغوط الاجتماعية التي تؤدي في الغالب إلى نتائج متواضعة الجودة ومحدودة الجدوى؛
بعد هذا التشخيص المقتضب لواقع السياسة التعليمية بالمغرب، يهمنا التنبيه إلى إمكانية إعادة صياغة التوجهات المستقبلية لهذه السياسة على أسس وأهداف جديدة وفي مقدمتها الرهانات الثلاثة التالية:
- بلورة سياسة تعليمية جديدة، قوامها تأسيس نظرتنا إلى الذات والواقع والآخر والمستقبل على مفاهيم وتصورات مغايرة، وبالتالي تعرية ذاتنا التربوية أمام عيوبها ومظاهر قبحها وفشلها. بمعنى السياسة التي يوجهها منطق التغيرات المحلية والتحولات العالمية بمستجداتها التربوية والعلمية والتكنولوجية المذهلة، ويؤطرها هاجس الحسم في كثير من التحديات الضرورية لكل إقلاع تعليمي ناجع على المستوى التنموي، وفي مقدمتها رهانات التحديث والحكامة الجيدة والنجاعة العلمية والجودة التربوية والانخراط في مجتمع الإعلام والمعرفة؛
- اعتماد سياسة تعليمية هادفة تؤطرها رؤية استراتيجية دقيقة المنطلقات والغايات، وتوجهها أهداف تنموية واضحة وتحكمها معرفة عميقة بواقع الإنسان والمجتمع المغربي. بمعنى السياسة المبنية على مقاييس التخطيط العلمي والتدبير العقلاني لربح أولا رهان سدّ منابع الأمية والجهل والفقر والبطالة بتحقيق العدل التربوي وتعميم التمدرس وتعليم الكبار وهيكلة البحث العلمي وملاءمة التكوين مع سوق الشغل، ولتوفير ثانيا شروط الاندماج في مجتمع العلم واقتصاد المعرفة من خلال تجديد وظيفة المدرسة حتى تصبح فضاء لتربية كفاءات النقد والابتكار ولزرع قيم المواطنة والتسامح ولضمان الرقي والتطور الاجتماعيين. أي المدرسة المندمجة في محيطها، الخادمة لبيئتها والقادرة على ربح رهان الجودة ومعركة التنمية؛
- العمل بالسياسة التعليمية القائمة على التخطيط الاستراتيجي المشبع بروح التفكير العلمي المنتج، المدعّم بمنطق التدبير التربوي المحكم. بمعنى المنظومة التي يتقوى فيها دور المجتمع بامتلاك مقومات التربية المطابقة التي تتفاعل مع محيطها الإنساني المحلي دون أن تنعزل عما هو سائد في العالم أو تفقد في الآن نفسه خصوصياتها الذاتية. إنها المنظومة التي يجب أن تكون ملكا للجميع وللإنسانية جمعاء، قادرة على صياغة وجداننا وتطوير معارفنا وصقل مهاراتنا، منفتحة على العصر الجديد ومستجداته المعرفية والتكنولوجية؛
10) يلاحظ أن القانون المغربي يمنح كل الصلاحيات للطبيب النفسي Le psychiatre، ألا ترون أن الوقت أصبح مناسبا لتغيير هذا القانون وتكييفه وفق التخصصات السيكولوجية الحديثة، ليشمل المُمارس السّيكولوجي بمختلف تخصُّصاته وأدْوَاره؟
إذا كان بالفعل في الأمر ما يدعو إلى تغيير مثل هذا القانون ليتماشى مع واقع السيكولوجيا الحديثة ورهاناتها العلمية والتنموية، فلا ينبغي ولا يجب على أيّ كان وكيفما كان أن يمانع في ذلك. غير أن تغييرا من هذا القبيل يحتاج إلى نقاش عميق ومستفيض يجمع مختلف المعنيين بهذا القانون، لأن السيكولوجيا كما ينظر إليها في المغرب ما تزال في حاجة إلى التقعيد والمأسسة التي تؤهل أخصائييها وممارسيها للانضواء في إطار مهني محدد ونظام أساسي واضح. والحقيقة أن تجسيد هذا المبتغى على أرض الواقع يحتاج إلى تعبئة دائمة ونضال منظّم منتظم. وأعتقد أن من بين الأوراش الحالية التي تحاول الجمعية المغربية لعلم النفس العمل من أجلها والبث في مآلها، ورش تمكين عالم النفس الممارس خارج أسوار الجامعة من قانون ينظم مهنته ويحميه من كل شطط أو تطاول على التخصص من قبل بعض الدخلاء والطفيليين الذين كانوا ولا زالوا يستغلون فراغ غياب هذا القانون لينخرطوا في ممارسات شعبوية وخرافية يعبثون فيها بصحة المغاربة النفسية ويستصغرون وعيهم ويستنزفون أرزاقهم.
فمن منظوري الشخصي أرى أن إخراج مثل هذا القانون إلى حيز الوجود، أضحى من الإجراءات الضرورية والملحة. فبهكذا إجراء ستتقعّد المهنة وستتبدّى فوضى الممارسة النفسية بالمغرب، إذ سيعرف كل أخصائي وكل ممارس سيكولوجي ما له وما عليه، وبالتالي ستتوقف طواحين الهواء عن الدوران والعبث وستعود خفافيش الليل إلى دهاليزها المظلمة لتصمت وتنام إلى غير رجعة.

11) بعد هذه الرحلة الفسيحة المثمرة، في قارة علم النفس، وبالخصوص في خارطتها المغربية، هل لكم أن تكشفوا لنا عن خلاصتكم التركيبية لواقع ومآل هذا العلم من داخل تجربتكم التي امتدت لحد الآن إلى أكثر من أربعة عقود؟
الواقع أن علم النفس بالمغرب ورغم بعض مظاهر تطوره، ما يزال يتخبط في مشاكل توطينه ومأسسته، تكوينا وبحثا وممارسة. ولتجاوز هذا الوضع ومختلف أساليب المقاومة التي يسلكها البعض للإبقاء على الوضع عليه كما هو، نرى استعجالية العمل بالإجراءات الأربعة التالية:
- توسيع قاعدة السيكولوجيا عندنا لتشمل كل الجامعات والكليات والمعاهد كشعبة قائمة الذات وليس كمسلك يفتقد إلى الشروط البنيوية والتأطيرية والبحثية للتخصص الفعلي، أو كوحدات تكميلية ضمن برامج تخصصات أخرى؛
- تعزيز وتمتين الهوية العلمية للسيكولوجيا عندنا عبر تقوية تشبعها بالتوجه المعرفي، تكوينا وبحثا وإنتاجا وممارسة؛
- الخروج بالمنظومة البحثية للسيكولوجيا من داخل أسوار الجامعات لمقاربة مشاكل المغاربة الحقيقية في مختلف مستوياتها وتمظهراتها المعرفية والوجدانية، النمائية والوظيفية، الفطرية والمكتسبة، السوية والشاذة، المتوازنة والمضطربة...إلخ؛
- السيكولوجيا مثلها مثل الطب، يجب أن تمارس أينما وجد الإنسان: في الأسر والمدارس والمستشفيات والمقاولات، في قطاعات العدل والأمن والشغل والرياضة. في التشخيص والعلاج والتكفل، في الانتقاء والتوجيه والإرشاد، في الخبرة والاستشارة في مختلف قضايا تنمية الإنسان وتحديث المجتمع؛
بعد هذا التوصيف المقتضب لواقع علم النفس وإجراءات تجاوز بعض مشاكله ومعوقاته، أود أن أفترض بأن السؤال الذي قد يطرحه كثير من قراء مضامين هذا الحوار وبالخصوص المتخصصين، هو: هل السيكولوجيا عندنا في المغرب بخير أم لا؟
قد نجيب بالإيجاب إذا ما احتكمنا بوضعها إلى ما توجد عليه في العالم العربي. لكن بالنفي إذا ما توجهنا بالمقارنة إلى ما توجد عليه في كثير من الدول الغربية. وهذه مسألة نوضحها بمؤشرين إثنين:
- الأول قوامه أن مقارنة وضع السيكولوجيا عندنا بوضعها في بلد كفرنسا مثلا، تكشف بأن الفرق كبير وكبير جدا. فالسيكولوجيا التي تتجلى على الصعيد الوطني بأكمله في شعبتين و4 مختبرات و110 أستاذ و170 أطروحة ثم 960 منشور (كتب ومقالات)، لا تستقيم حالة مقارنتها بما هو قائم في فرنسا؛ إذ أن شُعَبَهَا ومختبراتها تُعَدُّ بالمئات وأساتذتها وأطروحاتها ومنشوراتها تُعَدُّ بالآلاف. ولتقريب المقصود بهذا الفرق، نشير إلى أن وضع السيكولوجيا بجامعة Toulouse Jean Jaurès لوحدها مثلا يتجاوز ما راكمته السيكولوجيا عندنا من إمكانيات مادية وبشرية وبحثية وإنتاجية لما يقارب 5 عقود من الزمن؛ إذ يصل عدد شُعَبها إلى (5) وتخصصاتها للماستر إلى (21) وأساتذتها إلى (136) ومختبراتها إلى (4) وأطروحاتها إلى الآلاف ومنشوراتها إلى عشرات الآلاف.
- الثاني مفاده أن الْبَوْنَ أكبر وأعمق على صعيد الممارسة، بحيث أن مهنة عالم النفس التي ما تزال غير محمية بقانون ينظمها عندنا خارج أسوار الجامعة، أصبحت منذ أواسط القرن الماضي مهنة منظمة بقوانين وجمعيات تدافع عنها في كثير من البلدان الغربية. وهي جمعيات يُعًدُّ منخرطوها على سبيل المثال بعشرات الآلاف في فرنسا وبمئات الآلاف في الولايات المتحدة الأمريكية. فالجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) مثلا، التي تأسست في يوليوز 1892 بجامعة بينسيلفاني Pennsylvanie يصل عدد أعضائها في 2019 إلى 120 ألف عضو، تشكّل في شخص رئيسها الطرف الذي تستشيره الجهات العليا في الدولة وعلى رأسها الرئيس الأمريكي، في القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي الداخلي والخارجي. أما الخبرة والاستشارة للمساهمة في التخطيط لتنمية الإنسان الأمريكي، صحة وتعليما وعملا وترفيها...فهي أولوية لا يمكن القفز عنها لأن السيكولوجيا هي أولا وأخيرا علم يجب توظيفه لخدمة الإنسان.
إذن فأين نحن من كل ذلك؟ لذا قلت إن السيكولوجيا، وإن كانت في الطريق السليم إذا ما احتكمنا بوضعها إلى ما يوجد عليه الأمر في محيطنا العربي بالخصوص، فهي ليست على ما يرام مقارنة بما هو عليه الأمر في كثير من الدول الغربية....



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن