رحلة في عقل الفيلسوف كيركجارد

سامح عسكر
ascooor@gmail.com

2019 / 8 / 14

عاش الفيلسوف الدانماركي "سورين كيركجارد" في القرن 19 وتوفى سنة 1855، وتحديد سنة الوفاة للشخصيات مهمة في استلهام تجربة الفكر لهذه الشخصية لاحتمال أو رجحان تأثرها من واقعها الفكري والاجتماعي والسياسي والتاريخي، بمعنى أن أي فكرة سواء كانت دينية أو فلسفية هي بنت ظروفها في الغالب، عدا أنها قد تؤسس لمعانٍ وقيم عليا مشتركة تجمعها مع سائر الإنسانية، ومن خلال تلك المعاني المشتركة تعيش الأديان والفلسفات.

أشتهر الفيلسوف كيركجارد بالوجودية المؤمنة من خلفية مسيحية، وساق نظريته في الإيمان بالقفزة أو التجربة الشخصية في بعض كتبه أشهرها كتابيّ "التكرار في علم النفس" و "خوف ورعدة" وبذلك يعتقد كيركجارد أن الإيمان لا يلزمه دليلا عقليا لإقناع الآخرين، بل ومن خلال التجربة الشخصية والانطلاق من الذات في تفسير الأشياء تحدث الاعتقادات دائما، وعدم اعتراف كيركجارد بالدليل العقلي الإيماني ليس كراهية له على ما أظن بل لأنه ليس عمليا في تشكيل معتقدات الناس، ومن هنا يظهر ملمحا هاما من فكر كيركجارد وهو (الملمح الشعبي) الذي فطن له الفيلسوف وساقه في سائر أعماله مفسرا ومبررا لعقائد المسيحية بأسلوب وجودي.

في كتابه "خوف ورعدة" ساق نموذج الفارس والأميرة الذي سيقفز للإيمان بها متحديا الأخطار، في استدعاء لملمح أدبي خيالي تأثر به سائر الوجوديين بعد ذلك حتى اكتسبوا هذا الملمح الأدبي باعتبار أن وجودية كيركجارد تأمر بالانفتاح والتصالح التام مع النفس والوجود، وهذه الجزئية من الإيمان الوجودي شرحها المستشار "سعيد العشماوي" في كتابه "تاريخ الوجودية" قال فيها أن العلاقة بين وجود الإنسان والعالم هي العلاقة بين (الكلي والجزئي) وأن الوجود واحد في الحقيقة يتطلب تفاعلا من الفرد مع العالم لمعرفة الحقائق وليس العكس، باعتبار أن العالم هنا كيانا اعتباريا لا يفكر بذاته ولكنه هدف من الذات في الوصول، وتلك الجزئية بالذات كانت استشكلت عليّ في مرحلتي مع الإخوان.

فقديما مع الجماعة قرأت للشيوخ والقادة أن الوجودية تعني الإلحاد، وفسروا ذلك أن اعتقادهم بأنفسهم فقط يتطلب عزلة وانغلاق وكفر بالآخرين وآيات الله، بالتالي سيدخلوا في صراع مع العالم وجرائم وخلافه، حتى أن بعضهم فسّر حروب القرن العشرين على أنها نتيجة طبيعية للفكر الوجودي، ومن هذه الرؤية انطلقوا لتكفير كل مثقف بتهمة الوجودية حتى طال ذلك التكفير الأديب الكبير "طه حسين" ولأن هذا الادعاء الإخواني – السلفي في جوهره – لم يأتِ بالأدلة عليه لم يكن مقنعا، خصوصا وأنه لم يثبت أن مجرمي العالم وفلاسفة التشدد والمصادرة والإقصاء لم يعتنقوا في أغلبهم فكرا وجوديا، وهذا يؤكد تفسير عشماوي لها بأن الوجودية تعني انفتاح وصدق وتصالح مع الذات في المجمل.

باستعراض حياة كيركجارد نجده معاصرا لفيلسوف الوضعية "أوجست كونت" وفي رأيي أن بين الفيلسوفين أمور مشتركة كمثال اهتمام الوضعيين بالجانب الحسي واعتباره أداة الحقائق، بينما الحسية تعني العودة للذات في التقييم على أساس أن مصادر المعلومات الأولية حسية.. وهذا في المجمل اتجاه وجودي أصلا، توجد اختلافات لكن المشتركات كثيرة..ففضلا عن اشتراكهم في أصالة الحس نجد أن تاريخ نشأة الوضعية حدث بعد صدمات وصراعات وحروب القرن 18 وأوائل القرن 19 ، وهي نفس ظروف نشأة الوجودية كتعريف واتجاه واضح في نفس الفترة خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني أن كلا الفلسفتين هما مجرد ردود أفعال بحث فيها الإنسان عن حياة أفضل بعيدا عن الظلم والجهل والدمار.

كذلك توجد علاقة بين الفلسفتين الرومانسية والوجودية ، كلاهما يعتقدان بأصالة الخير في نفس الإنسان باعتبار أن كلاهما متصالح جدا مع نفسه ويطالب بإعادة الاعتبار للفكر الإنساني دون مؤثرات خارجية مادية، وهذا الذي جعل أن أكثر فلاسفة الوجودية أدباء منهم كيركجارد نفسه الذي ساق كتابه "خوف ورعدة" بأسلوب الحكّائين الأدبي ، كذلك في "دينونة المحبة" الذي بلغ فيه مرتبة القداسة والرهبنة دون سلوك عملي لها يساويه مع القساوسة "توما الإكويني وسانت أوجستين" من قبل، ويؤكد تلك العلاقة بين الرومانسية والوجودية أن كلاهما يظهران دائما أثناء وبعد حقب صراع وحروب مريرة أقدمها التي ظهرت في العصر الهلليني وأشهرها التي بدأت في القرن 19، حتى ظواهر ذلك نراها في السينما الأقرب كنموذج السينما المصرية مثلا والتي شرحت واهتمت بهذا الاتجاه الرومانسي ونشر أعمال الأدباء سينمائيا بعد الحرب العالمية الثانية خصوصا في حقبتي الخمسينات والستينات.

قبل ذلك كانت السينما المصرية مهتمة بالجانب الطبقي والكوميديا كأعمال شالوم ونجيب الريحاني وفوزي الجزايرلي وعلي الكسار، لكن فور انتهاء الحرب فطن المصريون – كجزء من حركة عالمية – لأهمية الحب ونشره ودور العاطفة في التكوين البشري، فترافق آدائهم الرومانسي مع نزعة دينية محافظة ملأت الفراغ الذي أحدثته الحرب مما ساهم في نشر الأصولية بعد ذلك، ومن هذه الجزئية بالذات يعارض بعض الفلاسفة الاتجاه الرومانسي لأصالة العاطفة البشرية فيه، ويعتبروه مقدمة أو سُلّم لصعود الأصوليين والتشدد الأيدلوجي بمعادلة وجيزة هي (الرومانسية والعاطفة والدين = أصولية) على أساس أن أمور الاستنارة لا يحتل فيها الجانب الروحاني والعاطفي سوى مكان بسيط وغالب مسئولية التنوير تقع على عاتق الفكر والعقل.

جزئية أصالة الخير في الفكر الوجودي عرضتها من قبل عند الهندوس، وبالتبعية عند السلوك الغنوصي والصوفي بالمجمل، من هنا تظهر العلاقة بين الرومانسية والتصوف والوجودية بإثبات أن الحب الصوفي كما أنه أساس الدين هو أيضا أساس الدنيا، وكما أن الصوفي يكافح تأثيرات المادة والشهوات عليه فالوجودي أيضا يرى أن المادة خطر يجب التفكير في عواقبها، ومن تلك الجزئية أفاض كيركجارد في شرح منظوره عن الأخلاق في كتاب "خوف ورعدة بقوله (ليس ما يحدث لي هو ما يجعلني عظيما..ولكن ما أفعله، ومن المؤكد أنه لا يوجد شخص يفكر أن إنسانا عظيما لأنه فاز بالجائزة الكبرى في اليانصيب) صـ 82

ويظهر من كلام كيركجارد عدم إيمانه بعظمة الإنسان بأقوال وأفعال الآخرين أو مجرد حظ وتأثيرات المادة الخارجية، بل يؤمن بأن عظمة الإنسان الحقيقية هي في سلوكه هو كذات عاقلة وسالكة، لاسيما أنه أعقب هذا التقرير عن العظمة بفكرة "طهارة مريم" وتحملها للألم النفسي والاجتماعي بعد ولادة المسيح ، ومعاناتها من العزلة والقلق والحزن جراء هذه الولادة الغريبة والمثيرة للشبهات..هذا شرط الطهارة والعظمة عند كيركجارد أن تكون أولا صاحب رسالة سلوكية إصلاحية وأن تتحمل الألم النفسي الذي ستواجهه كضريبة، أما الذي ينظر لمريم ويحقد عليها على نولها ذلك المقام الطاهر دون بقية النساء فيقول كيركجارد أن بقية النساء لو ولدوا أطفالهم كما ولدت مريم وتحمّلت عواقب ذلك فيستحقوا العظمة، واعتبر أن هذا الحقد ومساواة بعض النساء أنفسهم بمريم هو عمل غبي.

المشترك واضح بين الاتجاه الصوفي وبين وجودية كيركجارد، وما يثير الدهشة هو ما ذكرته في المقدمة أن الوجودية عند كيركجارد لا تحتاج لأدلة عقلية..وهو عين ما يتميز به الصوفيون بأن عبادتهم لربهم تخلو من الجوانب العقلية في الغالب، هذا لأنه توجد مساحة تأمّلية كوزمولوجية في كل الأديان هي عند الصوفيين والوجوديين المؤمنين مساحة بسيطة، ويستعيضون عنها في إثبات دينهم وممارستهم للشعائر بالحب والعاطفة وإحسان الظن، وعند بعض المذاهب الدينية يُكثرون من الأذكار الفردية والجماعية كطريقة يُعوّضون بها افتقارهم للعقل ومسائله بسلوكيات عملية محببة عند أصحاب الاتجاهات العملية، وفي هذه المسألة يبرع الصوفيون جدا بتحويل نظرياتهم الدينية إلى أعمال خير وموالد يُكثرون فيها من العمل الصالح طوال العام.

وكما ذكرنا مشتركات وجودية مع الرومانسيين والوضعيين يوجد مشترك أيضا لهم مع الماركسيين، حيث يتفقان معا على أحقية الإنسان ومسئوليته عن معتقداته وتأسيسها انطلاقات من الجزئية المشتركة مع الوضعية، الاختلاف في موقفهم من المؤثر الخارجي، حيث يعتقد الوجوديون أن المادة لا تؤثر في إنسان وجودي يريد أن يصل لليقين بأسلوب قفزة كيركجارد ونموذج الفارس والأميرة، في حين يرى الماركسيون أن تأثير المادة على الإنسان ومعتقداته ثابت تاريخيا ويطالبون خصمهم بقراءة التاريخ وعلم الاجتماع لرؤية هذا التأثير بوضوح، وهنا لن ننتصر لفكرة على أخرى بينما أكتفي بذكر المشترك الذي يجمع الفلسفتين أولا من باب العلم بالشئ..ثانيا لتفسير كيف أن الجدل الهيجلي – المؤسس للجدل الماركسي – كان معاصرا لكيركيجارد

والعلاقة بين الألمان الهيجليين والدانماركيين وشعوب الفايكنج وثيقة، فعلاوة على قُربهم الجغرافي هم أيضا تأثروا بحروب نابليون ونتائج الثورة الفرنسية ولاحقا معارك القرم بين الروس والأتراك..كل هذا أثر في طريقة فكر الإنسان فبدأ في تفصيل العقل التنويري الذي تم اكتشافه خلال القرنين 17 و18 إلى اتجاهات عقلية وروحية متنوعة ومضادة أحيانا ترى أنه ومن الضروري لكي يعيش الإنسان على هذا الكوكب لابد له من التخلي عن الأفكار القديمة وتجديد رؤيته للحياه بما يتناسب مع الظرف الراهن، وذكرت أن هذا الاتجاه ظهر مع 5 فلسفات كبرى نشأوا سويا هم ( الرومانسية – الوجودية – الوضعية – الماركسية – الهيجلية) وظيفتهم الأولى كانت تشريح العقل الديكارتي وإعادة إنتاج مفاهيم الأخلاق عند سبينوزا والعقد الاجتماعي عند روسو من جديد ، ثم إعادة النظر في مفهوم الدولة والسلطة السياسية عند جون لوك وتوماس هوبز وعلاقة ذلك بالأديان

كذلك فالليبرالية استفادت من ظهور الوجودية وبدأت حقبة (تمثيل/ مثالية) الليبرالية وعقلنتها، فقبل الوجودية كانت الليبرالية تعني التحرر من قيود الدين والمجتمع والدولة وهذا مبدأ قبيح عند العامة والسلطة، لكن الوجودية قرّبته وجعلته حق إنساني وإيمان ذاتي متفرد بالدين والمجتمع والدولة لكن بشكل آخر عن صناع القرار أو ذوي النفوذ، بالضبط كما هذّبت التحليلية مفهوم العلمانية ونزعته من معناه الإلحادي في القرن 19 إلى عدة مفاهيم متشابكة لا تعادي الدين في جوهرها وتدعو للتعايش بين الأديان كضرورة لفض الاشتباك الديني وكفاح مصدره المتمثل في سلطات رجال الدين التنفيذية والتشريعية.

ينطلق كيركجارد في تصوره للدين بأن الحقيقة تنبع من الذات، ولكي تصل هذه الذات للحقائق ينبغي لها أن تغامر وتتحدى بأسلوب الفارس المؤمن كسلوك تعويضي عن عدم عقلنة الإيمان، وهذا التصور له خصوم كثيرة لأنه يفضي إلى اعتبار العالم جزء من أحكام البشرية غير متقيد بقوانين أو أفكار عقلية مهما بلغت صحتها، ويرهن كيركجارد الكون - حسب تصورهم – لفس الإنسان وأهوائه، لاسيما أن هذه العودة للذات دون النظر للمؤثرات الخارجية قد تؤدي لصناعة تيارات متطرفة تريد تطويع العالم لرؤيتها بالقوة، لكن كيركجارد في نظري لم يهمل هذا الجانب ووضح من خلال كتاباته إيمانه المطلق بالتسامح والحوار، بخلاف نيتشة مثلا الذي في تقديري كان وجوديا في نقد الأديان ولم يهتم للدليل العقلي في مناقشة قضايا الإيمان بالمجمل.

لذلك يضع البعض طُرق الفيلسوفين نيتشة و كيركجارد كطرق متعارضة ومتشاكسة واتجاهات فكرية مختلفة أسست حروب وصراعات بعد ذلك، أبرزها خلافهم في الدين وإيمان نيتشة بدور المجتمع في صناعة الأديان، بينما يركز كيركجارد على الفرد باعتباره الذات الواعية المنتجة للتصور الديني والفكري بالمجمل، لاسيما أن هذا الخلاف يبرز ملمحا هاما لم ينتبه له الوجوديون المؤمنون هو أن دور المجتمع في صناعة الأديان ثابت تاريخيا وعلميا وأن دور الذات الواعية التي يقصدها كيركجارد هنا لن يكون مستقلا وسيذهب حيث ذهب المجتمع لعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، وقصص التحوّل الديني من الكاثوليكية إلى الإنجيلية في أوروبا كانت أبرز مثال واضح على دور السياسة في تشكيل المعتقدات، ثم دور المجتمع في وراثة هذا التشكيل في صورته النهائية.

من هذا الخلاف مع نيتشة وصلت لقصور كيركجارد عن تناول التاريخ، فكتبه أدبية نفسية أكثر من استعراض الجانبين التاريخي والعلمي في تحرير المفاهيم، ومهتم جدا في إيجاد علاقة بين الروح والنفس كما في كتابه "المرض طريق الموات" لاسيما أن هذا الاهتمام الكيركجاردي يشبه اتجاهات المتدينين عامة في مناقشة مصلطحات الدين بطريقة عملية ونصوصية لا بطريقة علمية، فالروح لم يثبت وجودها علميا..لكن كيركجارد ناقشها بتفصيل وفصل عن النفس في فهم الذات المؤمنة الوجودية، مستخدما لبعض المفاهيم الأدبية "كاليأس" في ترغيب القارئ للإيمان بوجهة نظره من خلال التحدي المساق عاليه بنموذج الفارس المؤمن والأميرة، أو ما تم التعبيرعنه بمفهوم "القفزة"

ولاشك أن كثرة استعمال كيركجارد لكلمات يسوع في العهد الجديد هو إثبات لعلاقته الروحية بالتصوف العالمي وبضرورة اكتشاف المعنى الصوفي من وراء كلمات يسوع وتأثيرها على اتجاهات الدين الغنوصي العالمي، ثم اكتشاف تأثير هذا الدين بالمجمل على كيركجارد نفسه وتعبيره الشخصي عنه بالوجودية والتجربة الشخصية، لذا من السهل أن يفهم الهنود والصينيين مثلا والفئة الأغلب من المسيحيين كيركجارد، ولو تصادف أن يقرأ له واحدا من أنصار ابن عربي وابن سبعين لشعر بالاندهاش وتطابق أفكار هذا الفيلسوف تقريبا مع أفكار شيوخه، كذلك أنصار التنمية البشرية في الشرق الأوسط الذين يؤكدون على دور الإرادة الشخصية في التغيير، سيجدون تطابقا لأفكارهم مع كيركجارد الذي عبر عن قهره لليأس دائما بالإرادة الحرة.

وبرغم أن مفهوم الإرادة الحرة هو مفهوم عقلي له أيضا مدخل روحاني تمثل في الرؤية التي ساقها كيركجارد باعتبار أن أصل السلوك الديني والذي يجب أن يكون عليه المرء هو الوضوح، بقوله في كتاب "المرض طريق الموات" (أن تصير نفسك هو أن تصير محددا واضحا، لكن أن تكون واضحا لا يعادل أن تكون محدودا أو لامتناهيا، لأنه في الواقع أن تكون محددا واضحا هو تركيبة) صـ 40 بمعنى أن الوضوح هو شرط الوجودية والشعور بنفسك، وأن غاية الوجودية هي الشعور بنفسك المتصلة مع الله، بالتالي يظهر أن كيركجارد لا يرى أن الغائب عن الوعي والمنفصم هو وجودي عابد يشعر ويتصل بالله، خلافا للصوفيين الذين قالوا بالوجد والغياب عن الوعي كشرط للوصول والوحدة مع الله أحيانا، لكن كيركجارد لا يؤمن بوحدة الوجود كي يتصل مع الصوفيين في هذه الرؤية، وكما ذكرنا مشتركات بين فكر كيركجارد والصوفيين ذكرنا هذا الملمح الخلافي.

قصة الوضوح هذه أعتقد أنها كانت مؤسسة عن ديكارت من قبل، الذي وضع شرطا لقبول المفهوم وإصباغه بالعلم هو أن يكون المفهوم واضحا للانتقال والبناء عليه، هنا كيركجارد يشترط الوضوح في الوجودية ويعطيها صفة مركبة - لم يُسمّها – أعتقد أنها جمعت بين القول والعمل كطريقة وحيدة للتخلص من جدلية النفس عنده التي ساقها وشرحها في نفس الكتاب بدءاً من الصفحة 41 لكن في تقديري أن كتب كيركجارد بالمجمل لا زالت غامضة في بعض جزئياتها بدليل إساءة فهمه من طرق كثيرة وتعارض رؤاه الأدبية مع نداءاته بالوضوح، لاسيما أن الرؤية الأدبية لا تتطلب وضوحا شعريا ونثريا في حين أن الغالب المتبع عند الأدباء هو الإكثار من المجازات والكنايات والرموز..وأحيانا الاستغراق في الميثولوجيا والخيال لحد قد يصبح فيه الوجودي معزولا على غير رغبة كيركجارد وتلاميذه.

عذر كيركجارد الوحيد في غموضه أنه قد يضطر إلى ذلك لمداهنة الحكام أو الإفلات من مقاصل العامة، فالجمهور المترصد لا يستضعف سوى المفكرين بأقلامهم لا يستضعف الحكام بسيوفهم، لذا كان من الضروري على كيركجارد وأمثاله أن يداهن ولو بالشئ القليل، وأن الخوف في تلك الأحيان نعمة..مثلما خاف كثيرا من الأدباء والعلماء والفلاسفة من إظهار دينهم الحقيقي..والأمثلة كثيرة

فالحاكم قد يتخلى عن كل شئ إلا الدين..سيتقرب من رجاله وأنصاره ليكسب حائطا وقلعة لنفوذه الشعبي، سلوك معهود منذ القدم فلم يحدث أبدا أن جاء حاكما ليعلن موقفا عدائيا من الإله بل العكس هو الصحيح، وأذكر أن النزعة العلمية البحثية المعاصرة لا تؤمن في مجملها بآلهة وأديان، بل تراها أكبر معوّق للعلم..لكن لا مانع من تدين بعضهم وإظهار بعض أشكال الوَرَع والتقوى والبكاء في المعابد، هذه الازدواجية تكاد تكون أعدى أعداء وجودية كيركجارد..فهي تنزع قيمة التجارب الشخصية والاستمتاع بالحقائق المستخلصة بمجهود ذاتي، وتفرغ أي كلام ميتافيزيقي من معناه بإحالة فورية إلى الواقع المرير..أما ما فعله الرجل من تحديث للمسيحية بأسلوب وجودي فيبدو أنه كُتِب بيدٍ مرتشعة تخلت عن وضوحها كثيرا وتعاملت مع عدة مسائل بتبسيط شديد لا يليق بفيلسوف، لكن المؤكد أن كيركجارد برغم كل آفاته وتبسيطه وغموضه لكنه نجح في تكوين نظرة موضوعية تجديدية للمسيحية لا زالت محل إشكال.

وأخيرا نجح كيركجارد في إنتاج دين مسيحي عميق ومعتدل بعيد عن استفزاز المفكرين والفلاسفة في عهده، بحيث أنك لو قرأت أعماله الوجودية الإيمانية لن تتردد في الحكم على المسيحية بأنها دين مسالم روحاني طاهر نزيه..وأن الذين وقعوا مع العامة والثوار في زمنه حدث عن كِبر وغرور الكهنة وعدم انفتاحهم الوجودي على الآخر كما ينبغي.

كيركجارد لم يكن داعية ديني لكنه فيلسوفا مصلحا أجاد في استخدام أدوات عصره ومهارته الشخصية في الفكر والتعبير مما أثر على آخرين الذين تبنوا نفس رؤيته الوجودية الإيمانية كالفيلسوف الإسرائيلي "مارتن بوبر" والحاخام "إبراهام هيشيل" فلقد نجح هؤلاء في تسويق يهودية أشبه بمسيحية كيركجارد المسالمة ، وتأثيره اللاحق في بناء علم مستقل عن النفس أسسه فرويد بعد ذلك إثر استفادته من كتاب التكرار ومهارة كيركجارد الأدبية في إيصال فكرته التي أرادها سلفا بأسلوب مبسط وسهل، لكن تظل خشية الرجل وخوفه من الوضوح – الذي طالب به – معضلة مهمة في أفكاره ومطعن أحيانا على الفكر الوجودي بالمجمل.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن