الذاكرة الفلسطينية تتحدى مشاريع الاسرلة

تميم منصور
shawkea.mansour@gmail.com

2019 / 8 / 13

الذاكرة الفلسطينية تتحدى مشاريع الاسرلة
تميم منصور

اعترفت صحيفة " هآرتس " في مقالها الذي نشرته يوم 11/9 / 2017 واتبعته بمقال شمولي أكثر نشرته في نهاية شهر تموز من العام الحالي ، تناول هذين المقالين ما قامت وما تقوم به شركة " الكيرن كيمت " وتوأمها " جمعية حماية الطبيعة" وتوأمه ثالثة تدعى " سلطة الحدائق الوطنية " . جميع هذه البؤر العنصرية المزيفة ، ظاهرها انساني وحضاري وباطنها عنصري صهيوني احتلالي ، لقد لعبت هذه البؤر ولا تزال تؤدي دورها الذي كلفتها به الحركة الصهيونية ، وهو المساهمة في تغييب ومصادرة الذاكرة الفلسطينية ، ليس في مجال السياسة فقط وحقنا في هذا الوطن ، بل أيضاً في مجالات خطيرة لا تقل عن خطورتها السياسية ، مجالات تعمق الاحتلال والأسرلة ، وتساهم في تدمير واقتلاع جذور سكان البلاد الأصليين ، وهم أبناء الشعب الفلسطيني.
ما قامت به هذه البؤر التغطية على جرائم الاحتلال ، الاحتلال دمر القرى الفلسطينية وشرد المواطنين ، أما هذه المؤسسات فقد قامت ولا تزال تعمل على تزييف الهوية والحضارة الفلسطينية . لقد أكملت ما قام به الاحتلال من تدمير القرى والمدن بالعمل على طمس هويتها ونزعها من كل زاوية من زوايا فلسطين ، من كل حجر أو تلة أو جبل أو حقل أو نهر أو وادي أو شلال وكافة المجمعات المائية ، تنكرت لأسماء وخواص كل الكائنات الحية وكافة التضاريس الجغرافية والاحداث التاريخية ، عملت على تلبيسها البسة عبرية ، من هذه الأسماء ما قامت بترجمتها أو ترجمة معانيها من العربية الى العبرية ، كأسماء الطيور والزواحف والحيوانات وأسماء الأودية والعيون والجبال وأنواع التربة وأنواع الصخور وكل النباتات في النقب والجليل والمثلث ، كانت مجموعات من المستوطنين المكلفين لهذه المهمات تتجول داخل المناطق الفلسطينية وتقوم بسؤال المواطنين العرب عن أسماء الوديان والأشجار والنباتات والطيور ، بعدها يقومون باشتقاق أسماء عبرية مزيفة لهذه الكائنات أو الأماكن هذا ما اعترف به أكثر من مؤرخ إسرائيلي واحد .
كان هذا مخططاً مدروساً أشرف عليه القادمون الجدد ، الذين كانوا يجهلون كل شيء عن فلسطين ، لم يعرفوا أي شيء عن تربتها وجبالها ومناخها وأحراشها وطيورها وحيواناتها ، وكل كائن حي فيها ، قدموا مع الموجات الصهيونية غرباء فقرروا تهويد كل شيء في فلسطين ، رصدت المنظمات الصهيونية الأموال لتنفيذ هذا التحول الذي هو بمثابة سرقة ولصوصية تاريخية ، كما استعانت هذه المنظمات بالعديد من الخبراء لتنفيذ مخططاتها ، لم يكتفوا بسرفة الأرض ونهب البيوت والمؤسسات ، بل أقدموا على فرض هوية غير شرعية تراثية جديدة على هذه البلاد تناسب أحلامهم وتسقط من الذاكرة كل انتماء لهذا الوطن من قبل سكانه الأصليين ، طال هذا التزييف والحرمان وسرقة التاريخ سكان البلاد الأصليين ، أي المواطنون العرب الذين رفضوا الاقتلاع من وطنهم ، طالتهم الأسرلة الكاذبة والعقيمة المزيفة ، وقد ساهمت كل من الكيرن كيمت وسلطة الحدائق الوطنية وجهات أخرى ، ساهمت في طمس الهوية العربية الفلسطينية ، ووضعت حاجزاً بين الفلسطيني وبين كافة الكائنات الحية وجميع تضاريس البلاد الجغرافية وأحداثها التاريخية ، هذا ما فعله البيض في وقت من الأوقات في جنوب أفريقيا وما فعلوه أيضاً في القارة الأمريكية وأستراليا وكندا .
هل يعقل أن خُمس المواطنين في دولة تدعي الديمقراطية والمساواة محرومون من معرفة تراث وطنهم وثروات بلادهم الطبيعية وأسماء نباتاتها وطيورها ؟
اعترفت صحيفة هآرتس في المقالين المذكورين من خلال عرضها بعض الأمثلة من الأسماء التي تم سرقتها أو تزيفها أو تحرفيها وقالت ان اللغة العربية التي تعتبر لغة رئيسية في البلاد غير متواجدة على اللوحات وقطع الجرانيت التي تحمل أسماء الأماكن الأثرية وأسماء المواقع الجغرافية وأسماء الكائنات الحيوانية والنباتية المعروضة في الأماكن المخصصة لها ، هذا يؤكد أن هذه المؤسسات ما هي الا جزء من المشروع الصهيوني الخاص لشطب ومصادرة هوية البلاد الأصلية وتراثها ، وان السلطات الإسرائيلية تخشى من هذا التراث ، كونها تؤمن في داخلها بعدم شرعية حكمها لهذه البلاد وحقها المحدود فيها .
ان الغالبية العظمى من هذه اللوحات معروضة باللغتين العبرية والانجليزية ، أما لغة المدارس العربية والمتنزهين العرب فلا وجود لها ، مؤسسات التزييف المذكورة فقدت كل القيم والأخلاق فهي تدعي بأن عملها جاء لخدمة جميع المواطنين في الدولة دون التمييز بين الدين والعرق ، وهذا محض افتراء وممارساتها تفند ادعائها وانها تدعي بأن عملها الوحيد المحافظة على ثروة البلاد الطبيعية ، لكن ما قامت به غير ذلك .
ان طلاب المدارس العربية وجميع العائلات العربية التي ترتاد هذه الأماكن يعانون من ازدواجية في علاقاتهم مع هذه الأماكن الهامة ، في الوقت الذي يدركون فيه بأنهم يزورون أماكن في وطنهم ، إلا أنهم لا يجدون أي معلومات مكتوبة باللغة العربية عن هذ المناطق ، هذا من شأنه أن يجعل الطالب أو الزائر العربي يشعر بالغربة ومما يؤدي الى اضعاف الانتماء ، وهذا ما تتمناه دولة الابرتهايد .
المؤسف أم عدوى التزييف لهذه المناطق أصابت الكثير من المدرسين العرب مع طلابهم وبعض المواطنين عندما أخذوا بتسمية الأماكن التي صودرت هويتها بأسمائها العبرية، فأخذنا نسمع عن" وادي درجوت " و " ادي عامود " و " جان هشلوشا " و " عين حارود " و " جبل ميرون " و " روش هعاين " و " جبل طابور " و " الشارون " و " تسبوري " وغيرها من الأماكن .
تتساءل صحيفة هآرتس : عندما يقوم الطالب العربي بزيارة محمية تسمى " أربيل " ولا يعرف أن الوادي الذي يحيط بها هو وادي حمام وهو الاسم الأصلي لهذه المنطقة، عندها يقع في حيرة أين هو يتواجد وأي الأسماء يصدق ! وكما تقول الصحيفة أن فضيحة التزييف هذه كشفت عندما عُرضت لوحات كبيرة تتحدث عن تاريخ الحشمونائيم كتبت باللغة العبرية في حين ان المعلومات الحقيقية عن هذه المنطقة والتي تخص الطالب العربي هي وقوع معركة حطين في هذه المنطقة عام 1187 بقيادة صلاح الديم الايوبي ضد الفرنجة .
تقول الصحيفة لماذا لا يوجد ذكر لهذه المعركة في هذه المواقع ، اليس هذا من العار على دولة تتدعي المساواة ؟! وهذا يؤكد بأنها تخشى من التعامل مع الحقائق التاريخية ، ماذا يضرها لو أن الطلاب العرب عرفوا اسم هضاب حطين الحقيقية أو اسم صفورية الحقيقية ، مع ذلك فإن هذه السياسة لم ولن تنجح في طمس تراثنا التاريخي والعلمي لأن هذا التراث يسير في عروقنا ومسامات أجسامنا وقد توارثته الأجيال جيلاً بعد آخر ، واليوم يتواجد في عهدة المئات من المرشدين العرب ، مدرسين وغير مدرسين ، لقد استطاع هؤلاء وغيرهم تنقية تراث هذا الوطن من زوان التزييف الصهيوني ، ان معلوماتهم عن تراث هذا الوطن بما يخص مواضيع الرحلات والجولات تؤكد فشل المشروع الصهيوني ومنهم من اصدر المجلات والكتب التي تهدف ترسيخ هذا التراث في عقول الأجيال .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن