العرب لا يقرأون والحرب اليمنية

علاء الدين الظاهر
msibawi@yahoo.com

2019 / 8 / 13

بعد هزيمة حزيران 1967 قال وزير الدفاع الاسرائيلي موشيه دايان ان العرب لا يقرأون. كان دايان يعني ان العرب لم يقرأوا مذكراته عن حرب السويس في عام 1956 عندما كان رئيسا للاركان ونشر فيها خطة الاجتياح الاسرائيلي لغزة وسيناء. في عام 1967 استخدم دايان ئنفس الخطة. اخبرني الراحل كمال مصطفى علمدار انه قبل حرب حزيران وعندما كان آمرا لكلية الاركان العراقية زار مع وفد من طلابه سيناء لدراسة حرب السويس. قال لي علمدار انه هناك طريقان فقط يمكن استخدامهما لاجتياح سيناء. للدقة التأريخية وجد آرئيل شارون وهو يقود احد الالوية العسكرية طريقا ثالثا غير سالكة. لكن الحروب العربية الاسرائيلية ليست موضوع هذه المقالة وإنما اليمن.
ارسل عبدالناصر قوات عسكرية كبيرة وسلاح طيران الى اليمن لدعم الرئيس اليمني عبدالله السلال ضد الملكيين الزيديين واضطر بعد حرب طويلة للانسحاب من اليمن مضيفا هزيمة اخرى لسجله بعد هزائم السويس وحزيران العسكرية وانهيار الوحدة مع السودان في الخمسينيات والوحدة مع سوريا في بداية الستينيات. كان من الممكن ان تكون هزيمة اليمن الناصرية درسا لمن يرغب في دخول حرب في اليمن اذا قرأ التأريخ لكن العرب لا يقرأون.
قرر عدي صدام حسين آل سعود قبل اكثر من اربع سنوات الدخول في حرب يمنية جديدة وتحالفت معه عدة دول عربية واسلامية عديدة. هذا التحالف بدأ يتفكك رويدا رويدا وآخر الاخبار تتحدث عن انسحاب دولة الامارات حليفه الاخير في هذه الحرب. إن صحّت هذه الاخبار فيبدو ان الامارات ادركت عدمية هذه الحرب خصوصا بعد التوتر الحاد في الخليج بسبب تفجيرات واحتجاز ناقلات النفط وما سيؤدي ذلك الى دمار الاقتصاد الاماراتي إن تطور هذا التوتر الى حرب عسكرية. وفي آخر تطور دعمت الامارات الجنوبيين في السيطرة على عدن واخراج قوات الحكومة اليمنية المدعومة سعوديا منها.
سبب هذا التطور الاخير هو النزعة الجنوبية لإعادة دولتهم المستقلة لهم وهذه ليست المرة الاولى. تم قمع محاولتهم الاولى في عام 1994 عسكريا بدبابات على عبدالله صالح في حرب دامت لعدة اسابيع. لم تكن هذه الوحدة موفقة بين نظام ماركسي في الجنوب ونظام قبلي متخلف في الشمال خصوصا بعد ان هيمن هذا الاخير على الجنوبيين. سبب هذه النزعة الانفصالية هو غياب الهوية الوطنية والصراع على السلطة. لا بد ان اذكر المرارة التي شعرت بها وانا ارى على احد التقارير الاخبارية الغربية رجلا مسنّا في احد المقابر يطلب من صبي في التاسعة من العمر ان يعود الى الشمال محتجا على وجود هذا الصبي الشمالي الذي هرب من الشمال الى عدن بسبب الحرب مع الحوثيين. كل ما كان يقوم به هذا الصبي هو تنظيف القبور متمنيا ان يعطيه زائري تلك القبور بعض النقود ليعيش منها. بدلا من شكر الصبي على ما يقوم به نَهَرَهُ الرجل المسن من دون اي عطف على اوضاعه. قارن هذا السلوك بسلوك الاوربيين مع اللاجئين العرب والمسلمين.
يقوم ادعياء الوحدة العربية بإلقاء اللوم على السعودية واسرائيل واميركا وبريطانيا وربما جزر فيجي بعد فشل كل وحدة عربية بدلا من القاء اللوم على عواطفهم واحلامهم الغير واقعية. تعصّب هذا الرجل الجنوبي المسن ليس وحيدا. تجده في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن وفي لبنان وفي السودان وفي مصر وفي العراق بشكل او بآخر سواء كان هذا التعصّب قبائليا ام مذهبيا ام مناطقيا او حتى زقاقيا. كانت المظاهرات في الاعظمية ببغداد تخرج منادية بالوحدة العربية لكن نفس هؤلاء المتظاهرين كانوا يتعصبون للاعظمية ويذهبون لضرب شباب الكسرة ثم ينحسر هذا الولاء الى صراع بين شارع عشرين ومنطقة السِفينة وكلاهما في الاعظمية وحتى بين زقاقين في منطقة السِفينة. وإذا سألت احدهم إن كان يقبل ان يحكمه سوريا فيكون جوابه بالرفض. اتذكر وانا اسأل نفسي كيف يمكن لكل هؤلاء ان يؤمنوا بالوحدة العربية.
كدليل على ايمانه بالوحدة العربية وهويته السياسية كان البعض يضع شدة رباط من ثلاثة اهرامات على صدر سترته تماما مثلما كان يفعل جمال عبدالناصر. فضلا عن غياب الشعور الوطني العراقي لهؤلاء وإستخدامه لرمز فرعوني فهو يدل على تقليد غبي واعمى. يؤسفني ان اذكر تعبيرا مهينا للمصريين استخدمه حينها احد البسطاء من اصحاب الدكاكين في الاعظمية لوصف هذا التقليد عندما قال: هذوله يقلّدون القردة. في عام 1963 استبدلت الحكومة البعثية العلم العراقي (مع اضافة نجم ثالثة الى العلم) والشعار الجمهوري والسلام الجمهوري بمثيلاتها المصرية. بعدها بفترة ذهبنا في سفرة مدرسية وبدلا من غناء السلام المصري (والله زمن يا سلاحي) استبدله مع نفس اللحن احد الطلاب وغناه على الطريقة الريفية (عالناي جيت لدارك، جيت اشتكي من نارك). سرعان ما شاركه بقية الطلاب والطريف ان مدير المدرسة المتوسطة كان البعثي عادل احمد زيدان الذي ضحك مستمتعا من دون ان يشارك في الغناء. لا زلت اتذكر احد اصدقاء الدراسة الجامعية في بداية السبعينيات وهو يصف النسر على الشعار الجمهوري الجديد بالعصفور. لم يكن رشيد مصلح التكريتي كاذبا عندما قال لعبدالناصر في عام 1964 ان الشعب العراقي ضد الوحدة وضد التأميمات التي قامت بها حكومة طاهر يحي التكريتي. إذا لم ندرك واقعنا ونقوم بإصلاحه من خلال هوية وطنية سليمة سنبقى نتخبط من سئ الى اسوأ ولن ينجح فرض وحدة يمنية جديدة تفرضها القوة العسكرية السعودية. هل انتبهت الى ان السعودية مع الوحدة اليمنية وليس ضدها؟
اذا استمرت السعودية لوحدها بخوض الحرب في اليمن فإنها مضطرة لطلب المزيد من المساعدات العسكرية الامريكية ولن يكن بإمكان معتوه البيت الابيض تقديم الكثير. هناك معارضة في الكونغرس ومعارضة اوربية ودولية للحرب في اليمن. لم تترك جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشوقجي رصيدا ايجابيا كثيرا لعدي صدام حسين آل سعود. اذا استمر هذا بخوض الحرب في اليمن فسيخوضها على ثلاث جبهات. الاولى ضد الحوثيين والثانية ضد الجنوبيين والثالثة ضد ايران في حرب الناقلات والتي إن تصاعدت ستدمر الاقتصاد السعودي بالكامل. آبار النفط السعودية والاماراتية في مرمى النيران الايرانية مثلما ان تدمير الآبار الايرانية سهل ايضا. هذا يعني ان سعر برميل النفط قد يصل الى 500 دولار وهذا هو احد الاسباب الرئيسية لتفادي الغرب في دخول حربا مع ايران او حتى التصعيد الاقتصادي عدا ما يقوم به معتوه البيت الابيض. فضلا عن التكاليف البشرية للحرب فهناك التكاليف المالية. مثلا، صاروخ باتريوت مثلا يكلف ملايين الدولارات لإعتراض صواريخ بدائية او طائرات مسيّرة بسيطة يطلقها الحوثيون. لن يساعد عدي صدام حسين آل سعود كثيرا الغزل العلني والتعاون مع نتن ياهو. الخيار الثاني لعدي صدام حسين آل سعود هو الانسحاب من اليمن مما يعني الاعتراف بالهزيمة وهو ما لن يقدم عليه وإن كان اسلم الحلول. كان على عدي صدام حسين آل سعود ان يستمع لنصيحة موشيه دايان ويقرأ التاريخ.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن