ابن خلدون والمعادلة الصعبة بين الدولة والاقتصاد

ناجح العبيدي
nagih.al-obaidi@dw.com

2019 / 8 / 13


أفكار تهم الحاضر أيضا

لو كان ابن خلدون حيا لاتهمه البعض هذه الأيام بالنيوليبرالية على خلفية تحفظه على قيام الدولة بدور مباشر في الاقتصاد ودفاعه عن القطاع الخاص. صحيح أن كتاباته توحي بأن أفكاره الدينية والكثير من مواقفه السياسية والاجتماعية كانت محافظة ولم تخرج كثيرا عن القناعات السائدة حينها، إلاّ أن آراءه الاقتصادية تشير بالفعل إلى نزعة ليبرالية واضحة الأمر الذي يجعل من المفكر العقلاني البارز أقرب إلى آدم سمث منه إلى كارل ماركس، بل وحتى إلى ممثلي الاقتصاد الإسلامي في الوقت الحاضر.
لم يستخدم بالطبع مصطلحات مثل القطاع العام أو الخاص ولا التأميم أو تحرير الأسواق، ولكن مقدمة ابن خلدون حافلة بملاحظات وأفكار ثاقبة وسابقة لزمنها بشأن العلاقة بين الدولة والاقتصاد. لكن من المهم جدا الانتباه هنا إلى أن ابن خلدون لم يستخدم – إلاّ فيما ندر - مفهوم "الدولة" بالمعنى المتعارف عليه اليوم، أي النظام السياسي والحكومي ونظام ممارسة السلطة في بلد ما، وإنما غالبا بمعنى الإمبراطورية والسلالة الحاكمة. وهو إشكال لا يزال قائما حتى اليوم عندما يدور الحديث عن "الدولة" الأموية أو العباسية والفاطمية والعثمانية. في المقابل تتكرر في صفحات المقدمة مفردات "المُلك" و"الإمارة" و"السلطان" للتعبير عن الدولة بمعناها المعاصر. كما لم يرد مصطلح "الاقتصاد" في المقدمة، وإنما طوّر المفكر الكبير مفاهيم خاصة به، وأهمها "المعاش" وكذلك "الكسب" و"الصنائع".
ورغم مضي أكثر من 6 قرون على صياغتها، يمكن لاسنتاجات ابن خلدون أن تقدم مساهمة قيمة في الجدل الدائر حاليا في العالم العربي حول الإصلاحات الاقتصادية وتحرير الأسواق والتجارة والنظام الضريبي (الجباية) وغيرها. صحيح أن الكثير من ملاحظاته حول المعاش والكسب تنطوي أيضا على تناقضات وتأثرت كثيرا بظروف حياته وعصره المتقلبة، إلاّ أنها احتوت في نفس الوقت على اكتشافات مذهلة فيما يخص الجوانب النظرية والعملية للسياسة الاقتصادية.
بخلاف أسلافه من الفقهاء والكتاب المسلمين الذين تطرقوا للجوانب الاقتصادية وقدموا النصائح للخلفاء والحكام، ومن بينهم القاضي أبو يوسف في كتابه الشهير "الخراج"، لم ينشغل ابن خلدون كثيرا بالقضايا الشكلية مثل الحلال والحرام في المعاملات المالية والصدقات والجزية والفيء والغنائم وطرق توزيعها، وإنما حاول قبل نحو أربعمائة عام من صدور كتاب "ثروة الأمم" لأب الاقتصاد السياسي آدم سمث تفسير مفاهيم وعمليات اقتصادية معقدة مثل القيمة والسعر والنقود وتقسيم العمل والاقتصاد الوطني وفروعه. كما اعتمد نهجا عقلانيا في تحليل العوامل المؤثرة على النمو الاقتصادي ودوره في الانتقال من البداوة إلى الحضارة وعلاقته بمراحل الرفاه والانحطاط في حياة الدول والممالك.
سطوة الدولة كعائق للاقتصاد
لا يجور الجمع بين "الإمارة" و"التجارة"، هكذا يمكن تلخيص وجهة نظر عالم الاجتماع الشهير في تدخل الدولة في الاقتصاد. بعبارات واضحة يُحذر ابن خلدون الحكام من القيام بدور اقتصادي مباشر لأن مثل هذا التدخل، إذا جاء بطريقة متعسفه، يضر بمصالح السكان والدولة على حد سواء. لم يتطرق إلى ذلك بشكل عارض وإنما أبرزه في عناوين فصول مقدمته ومنها مثلا "في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية". وكان من اللافت للانتباه أن العلامة الشهير لم ينطلق في نظرته إلى العلاقة بين الدولة والاقتصاد من تعاليم أخلاقية أو دينية، وإنما التزم بمبادئ العقلانية ومعايير الكفاءة والجدوي الاقتصادية. برر رفضه للجمع بين الهيمنة السياسية والاقتصادية، كما لا يزال مألوفا حتى يومنا هذا في غالبية الدول العربية، بأنه يتعارض مع مبدأ تقسيم العمل. قبل نحو أربعمائة عام من آدم سمث الذي خصص الفصول الثلاثة الأولى من كتابه "ثروة الأمم" لشرح نظريته عن دور تقسيم العمل في رفع الإنتاجية ونمو الدخل القومي، أكد ابن خلدون أن وسائل الرفاه والعمران في أي بلد لا يكمن قياسها بالاحتياطايات النقدية وكميات المعادن النفيسة ولا بالكنوز المدفونة تحت الأرض، وإنما في قيمة المكاسب الناتجة عن العمل الإنساني. ورأى في الاستفادة من مزايا تقسيم العمل عاملا حاسما لتفوق بلد على آخر في مجال الثروة والدخل. "والسبب في ذلك أنه قد عُرفَ وثَبتَ أن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيلِ حاجاته في معاشه، وأنهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك، والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من أعدادهم أضعافا". كما رفع من شأن أهمية التخصص للحرفيين وأرباب الصنائع. فالصنائع "تنقسم إلى ما يختص بأمر المعاش ضروريا كان أو غير ضروري وإلى ما يختص بالأفكار". وجميعها بحاجة للتعليم والخبرة بحسب متطلباتها الذهنية والجسمانية وتترسخ "بكثرة التكرار وطول الأمد". واستنادا إلى ذلك يتوصل المفكر إلى أن "منْ حصلت له مَلَكة في صناعة فقل أن يجيد بعد في مَلَكةٍ أخرى". وبطبيعة الحال فإن هذه المعايير تنطبق أيضا على الحاكم أو السياسي الذي طالبه ابن خلدون بأن يتميز بأهم صفة بالنسبة إليه وهي "حُسْنُ الملَلكَةِ" ، أي فن الحكم والقيادة، وليس إجادة فنون التجارة وأسرارها وألاعيبها. وهي حقيقة تثبتها الكثير من تجارب العصر الحاضر التي تُبين بأن السياسيين في العادة تجار سيئون. صحيح أن العلامة الشهير انتقد في عدة فصول أخلاق التجار وسلكوهم، واعتبرها غير لائقة برجال السياسة، كما يتضح في الفصل المعنون "في أن خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة عن المروءة"، إلاّ أنه اعتبرها من متطلبات المهنة التي تتطلب "المكايسة (المساومة) والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللجاج". ويمكن تفسير هذه الأفكار بأنها محاولة أولية لصياغة مبدأ ما يدعى بـ"أولوية السياسة مقابل الاقتصاد". لا يعني هذا المبدأ، الذي تعود جذوره إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو وكتابه "السياسة"، أن السياسة تتحكم بالاقتصاد، وإنما تطالب رجل الدولة بعدم وضع مصالح خاصة ضيقة فوق مصالح البلد، وألاّ يتخذ قراراته انطلاقا من حسابات الربح والخسارة بمعناها المالي فقط كما يفعل التاجر بحسب الفكرة السائدة. وفي كل الأحوال فإن عدة صفحات من المقدمة تُكرّه للسياسي ممارسة التجارة بنفسه. بيد أن سياقها العام لا يرجح أنها تهدف أساسا لذمّ التجار، بل للتحذير من مغبة الخلط بين الإمارة والتجارة.
المنافسة تُنعش العمران
نبّه ابن خلدون إلى ضرورة احترام المنافسة النزيهة والتي تختل إذا ما زاحم السلطان أصحاب الصنائع لأن "الرعايا متكافؤون، في اليسار متقاربون ومزاحمة بعضهم بعضا تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب، وإذا رافقهم السلطان في ذلك، وماله أعظم كثيرا منهم، فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شيءٍ من حاجاته، ويدخل على النفوس من ذلك غم ونكد." هنا يشير ابن خلدون إلى عدم توفر شروط المنافسة المتكافئة بين الحاكم والتاجر والتي تتحول إلى علاقة تعسف عندما يقوم السلطان بإزاحة منافسيه في السوق مستغلا نفوذه السياسي وقوته الاقتصادية وتحكمه بسلطة اتخاذ القرار. وهي ظاهرة نجدها اليوم في عدد من الدول العربية حيث تُقدم للقطاع العام، وبما فيها المؤسسات الاقتصادية العسكرية، امتيازات وتسهيلات مالية وضريبية وقانونية كثيرة تصل أحيانا إلى منحه وضعا احتكاريا في السوق الأمر الذي يجعل شركات القطاع الخاص في موقع ضعيف وغير قادرة عمليا على التنافس مع المؤسسات العامة. والنتيجة هي تدني الكفاءة في استغلال الموارد المتاحة. ويضيف العلامة الكبير "ثم أن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غضّا أو بأيسر ثمن ، إذ لا يجد من ينافسه في شرائه، فيبخس ثمنه على بائعه"، أين أنه قادر على احتكار السوق وفرض أسعار متدنية على الموردين. غير أن هذه السياسة التي تغري بتحقيق منافع على المدى القصير، تؤدي على المدى الطويل إلى نتائج مدمرة وخسائر اقتصادية ومالية كبيرة بسبب كساد قطاع الأعمال و تقويض القاعدة المادية للضرائب لأن "معظم الجباية إنما هي من الفلاحين والتجار، لا سيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها، فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة، وقعد التجار عن التجارة، ذهبت الجباية جملة أو دخلها النقص المتفاحش."
لا يجوز الاستنتاج طبعا بأن ابن خلدون يدعو لوضع جدار فاصل بين الاقتصاد والدولة، أو أنه روّج لاقتصاد السوق الحر، وإنما أكد على أهمية تنظيم العلاقة بين الجانبين بحيث تتولى الدولة دور المراقب والضابط للنشاط الاقتصادي دون أن تفرض سطوتها عليه ودون أن تكون البديل للقطاع الخاص. كما لم يقلل من أهمية توفير الظروف السياسية اللازمة للانتعاش الاقتصادي والرفاه المادي. وهذا ما يتضح في إسهابه في الحديث عن الحِسبة (الرقابة) والسّكة (إصدار النقود)، وكذلك ملاحظاته الوافية عن "ديوان الأعمال والجبايات".
الضرائب كأداة هامة للسياسة الاقتصادية
ما كتبه ابن خلدون عن الجباية لم يستبق فيه معاصريه وحتى أسلافه من المفكرين الاقتصاديين الذين جاؤا بعده بعدة قرون فحسب، وإنما يُعد أيضا مساهمة نظرية متميزة لإيضاح تأثير الضرائب على الحياة الاقتصادية عموما ودورها في سياسة الدولة الاقتصادية. أكثر ما يلفت القارئ للمقدمة هو استخدامه المتكرر لمفهوم الجباية والجبايات وتخصيص عدة فصول لها. صحيح أن النبرة السائدة في معظم هذه الفصول هي التحذير من مساؤي ما يصفه بالمغارم وما تعنيه من إذلال للرعية، وانتقاد الغلو في فرض الضرائب على التجار وأصحاب الصنائع والتي يمكن أن تؤدي حتى إلى انهيار الدولة وتلاشي العمران، إلا أن هذه النظرة السلبية ترتبط، كما يبدو، بالفترة التي عاشها المؤرخ وهي مرحلة انحطاط وأفول الحضارة الإسلامية. لم تشهد تلك الحقبة تلاشي مصادر التمويل التقليدية السائدة في صدر الإسلام وفترة الغزو والفتوحات، وفي مقدمتها الغنائم والجزية وغيرها من الإجراءات المجحفة بغير المسلمين فحسب، وإنما عانت أيضا من تفشي الفساد والتعسف في استنزاف الأموال من العامة لتمويل الجند والحراس وحياة البذخ في قصور السلاطين. من جانب آخر أدرك ابن خلدون تماما أهمية الضرائب في تمويل الدولة وتنشيط الدورة الاقتصادية، كما يتضح من قوله: "واعْلمْ أنَّ السُلطانَ لا يُنْمي مالَه ولا يُدِرُّ موجودهُ إلّا الجبايةُ". كما أكد على أهمية إنشاء ديوان الأعمال الجبايات (أي وزارة العمل والاقتصاد والمالية بالمفهوم الحديث) والذي اعتبره من "الوظائف الضرورية للمُلك" لأن مهمته تتلخص في "القيام على أعمال الجبايات وحفظ الدولة في الدخل والخرج" وإحصاء نفقاتها. غير أن تنمية الجباية وإيرادات الدولة مرتبط لدى ابن خلدون بمفهوم العدالة الاجتماعية: " وإدرارها إنَّما يكون بالعدلِ في أهلِ الأموالِ". أما أشد انتقاد وجهه ابن لخلدون فكان من نصيب المكوس التي تعتبر الشكل الأولى للضرائب غير المباشرة المنتشرة حاليا مثل الجمارك وضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة وضرائب التبوغ والخمور والتي تتصدر حاليا بنود إيرادات ميزانية الكثير من الدول. من خلال عنوان الفصل الخاص بها (في ضرب المكوس في أواخر الدولة) يتضح بأنه يرى فيها مؤشرا على اضمحلال الدولة. فعندما "يُدرك الدولة الهرم وتضعف عصابتها عن جباية الأموال من الأعمال...فيستحدث صاحب الدولة أنواعا من الجباية يَضربها على البياعات ويفرض قدرا معلوما على الأثمان في الأسواق". لم يأتِ موقف بن خلدون الرافض للمكوس بعيدا عن تحريم الإسلام لها بحسب أحاديث منسوبة للنبي محمد، لا سيما وأن شروحات المقدمة تشير إلى أنها كانت أشبه بالإتاوات. في نفس الوقت حاول ابن خلدون تبرير ذمّه للمكوس بأسباب اقتصادية بحتة لأنها تؤدي بحسب رأيه إلى كساد الأسواق وبالتالي إلى تراجع إيرادات الدولة واضمحلالها و"اختلال العمران". ويتضح موقفه غير المتزمت من خلال ذكره لحكاية وصفها بـ"الظريفة" عن فرض المكوس على الخمور وأفضليتها على بقية المكوس لأن الناس يدفعونها بسرور: "والخمر قلَّ أن يبذل فيها أحد ماله إلا وهو طربٌ مسرور بوجدانه غير أسف عليه ،ولا متعلقة به نفسه". وفي كل الأحوال فإنه لم يهتم كثيرا بالجوانب الفقهية والدينية للضرائب وهذا ما تجسد في تجاهله الواضح للزكاة.
وصفة قديمة-جديدة
لكن أهم ما توصل إليه ابن خلدون في مجال الضرائب يتمثل في دراسته للعلاقة بين معدل الضرائب من جهة وبين حجم الموارد الضريبية من جهة أخرى. في الفصل تحت عنوان "في الجباية وسبب قلتها وكثرتها" يُحذر ابن خلدون السلطان من الوقوع في وهم أن رفع معدل الضرائب وزيادتها واستحداث ضرائب جديدة يعني دائما جني المزيد من الإيرادات لصالح الدولة. مثل هذه الخطأ لا تزال تقع فيه حتى بعض الدول المتقدمة، والنتيجة عادة تكون وخيمة. فهو يقول في بداية هذا الفصل: "اعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة، وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة". ويعني بذلك أن معدلات الضرائب على الأشخاص والمشاريع والممتلكات تكون في مرحلة ازدهار الدول متدنية، ولكن عائدات الضرائب تكون كبيرة لكثرة دافعي الضرائب وارتفاع مستوى دخلهم ولازدهار الأسواق والصنائع، بينما يحدث العكس في مرحلة انحطاط الدول حيث تكون الضرائب عالية ولكن عائداتها قليلة. ويفسر ابن خلدون سر هذه العلاقة العكسية بأن هذه السياسة "تُثقل المغارم على الرعايا وتهضمهم فتنقبض كثير من الايدي عن الاعتمار جملة فتنقص جملة الجباية" وتُحبط معنويات المستثمرين "لذهاب الأمل من نفوسهم بقلة النفع إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين ثمرته وفائدته". هذا يعني بلغة الاقتصاد الحديثة أنه كلما ازداد معدل الضريبة، تراجع الحافز لدى أصحاب الأعمال والمشاريع لتحقيق مزيد من الدخل أو يزداد الدافع لتجنب الضرائب والتهرب من دفعها لأنهم لا يستفيدون من هذه الزيادة التي تستولى الدولة على حصة الأسد فيها. وإذا وجد دافع الضرائب أن لا مصلحة مادية له في تحقيق أرباح أكبر، توقف عن بذل جهد أكبر. وفي نهاية المطاف فإن المبالغة في رفع العبء الضريبي واستنزاف القطاع الخاص تؤدي لا محالة إلى انحسار النشاط الإنتاجي والاستثماري، وبالتالي انخفاض إيرادات الدولة وكبح النمو. بهذا يمكن القول بأن ابن خلدون حاز جائزة السبق في التأكيد على أهمية السياسة الضريبية باعتبارها أحد أهم العوامل المؤثرة على المناخ الاستثماري في أي بلد.
بعد 6 قرون انتبه عالم الاقتصاد الأمريكي آرثر لافر (Arthur Laffer)إلى وجود علاقة بين معدل الضرائب من جهة وبين إيرادات الدولة الضريبية من جهة أخرى، وحاول أن يُصيغها على شكل رسم بياني عُرف بمنحى لافر. بموجب هذه النظرية تبلغ الموارد الضريبية صفرا عندما يكون معدل الضرائب عند مستوى الصفر. مع رفع معدل الضرائب تبدأ الإيرادات الضريبية بالارتفاع التدريجي. لكن بعد نقطة معنية يبدأ مسار هذه الإيرادات بالتراجع، لأن تجاوز معدل الضرائب لحد معين سيؤثر على سلوك دافعي الضرائب بشكل مزدوج. من ناحية سيثير لديهم نوعا من الإحباط طالما أن الدولة تستأثر بنتيجة جهدهم واستثماراتهم. من ناحية أخرى يشكل العبء الضريبي المتزايد حافزا قويا لاتخاذ إجراءات مضادة لتجنبه من خلال هروب رأس المال أو اللجوء للمضاربات والأنشطة غير الشرعية. وعندما يصل معدل الضرائب إلى 100 % تهبط موارد الدولة الضريبية بموجب منحى لافر إلى مستوى الصفر لأن ذلك سيعني انعدام المبادرة الشخصية وتوقف نشاط القطاع الخاص. يبدو التشابه بين نظرية لافر وأفكار ابن خلدون واضحا. ولهذا أقر لافر بنفسه بأن ابن خلدون أول من اكتشف هذه العلاقة. بل وبرر الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان (1911 - 2004) برنامجه لتخفيض الضرائب في أوائل ثمانينات القرن الماضي بأنه أثناء دراسته الاقتصاد في الجامعة تعلم من المفكر العربي بأن الممالك والإمبراطوريات في بدايتها تتصف بتدني معدل الضرائب وارتفاع إيراداتها، بينما تكون المعادلة بالعكس عندما تهرم الممالك وتضمحل. وبما أن ريغان لم يرد لإمبراطوريته الأمريكية أن تأفل، فقد عمل بنصيحة ابن خلدون دون أن يبالي كثيرا بارتفاع أصوات المنتقدين وتحذيراتهم. وقد أثبتت نتائج الميزانية الأمريكية للسنوات اللاحقة صحة استنتاجات ابن خلدون وريغان على حد سواء. ومع أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لم يقتبس ابن خلدون، إلا أنه يبدو متأثرا بنفس هذه الوصفة "القديمة-الجديدة" عندما أعلن قبل عام عن برنامجه الضخم للإصلاح الضريبي والذي تضمن تخفيضا كبيرا للجبايات المفروضة على الشركات.
للوهلة الأولى تبدو المعادلة الخلدونية بأن الموارد الضريبية يمكن أن تزداد في ظل تناقص معدلات الضرائب غير منطقية. لذلك تواجه سياسة ترامب الضريبية انتقادات شديدة بدعوى أنها ستؤدي لا محالة لتفاقم مشكلة العجز في الموازنة العامة للدولة. وهذا صحيح تماما على المدى القصير. لكن مؤيدي تخفيض الضرائب يردون بأنه سيؤدي على المدى الطويل إلى تسريع نمو الناتج الاجتماعي الإجمالي والتبادلات التجارية وبالتالي اتساع القاعدة المالية لاحتساب الضرائب وبما يعوض التراجع في نسبتها المئوية. وفي كل الأحوال يوضح هذا الجدل المتكرر بأن أفكار ابن خلدون الاقتصادية ما زالت تؤثر في علم الاقتصاد الحديث. بيد أن المفكر الإسلامي لم يؤكد على أهمية الضرائب في الحياة الاقتصادية فقط، وإنما قدم ايضا نصائح عملية لطريقة التصرف بها.
الطلب الحكومي كمحرك للنمو
"الدولة هي السوق الأعظم" أو "أم الأسواق" عبارة تتكرر عدة مرات في المقدمة في إشارة إلى الأهمية التي يوليها ابن خلدون لدور الطلب العام والانفاق الحكومي في النهوض بقطاع الأعمال وازدهار الأسواق وتحقيق النمو الاقتصادي. لهذا حذّر السلطان من المبالغة في التقشف واكتناز الأموال وسحبها من الدورة الاقتصادية، وحثه على صرفها في شراء السلع والخدمات تجنبا لحصول كساد في الأسواق. فهو يقول مثلا: "فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات ... ولم يصرفها في مصارفها، قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية...وقلت نفقاتهم جملة .....فيقع الكساد حينئذٍ في الأسواق وتضعف الأرباح في المتاجر". غير أن ذلك لن يقتصر على الأسوق فقط، وإنما يمتد تأثيره إلى إيرادات الدولة التي تتراجع نتيجة انحسار النشاط الاقتصادي وحركة الشراء والبيع. وهذا ما لخصه ابن خلدون في عنوان الفصل "في أن نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية". من خلال هذا العنوان يكشف العلامة عن العلاقة بين زيادة الإنفاق العام وبين تحفيز القطاعات الإنتاجية ولرفع مستوى التشغيل. لهذا يرى كثيرون بأن هذه الأفكار قد مهدت الطريق لنظرية الاقتصادي البريطاني جون مينراد كينز (1883 - 1946) الذي اكتسب شهرة كبيرة في ثلاثينيات القرن الماضي عندما عرض مبادئه عن أهمية الطلب الفعال ودوره في تحسين استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة ومكافحة البطالة وتجاوز أزمة الكساد في البلدان الرأسمالية.
يمكن أن تفسر هذه الفكرة الخلدوينة (ونظيرتها الكينزية) بأنها دعوة للتدخل الحكومي ورفض لمبدأ اليد الخفية التي بشّر بها آدم سميث. غير أنه من الواضح أن هذا التدخل يتخذ أشكالا غير مباشرة ويقوم على تفعيل الأدوات المالية. كما أنه لا يهدف إلى كبح المبادرة الخاصة، وإنما إلى توسيع الطلب الفعال على منتجات القطاع الخاص و تحسين شروط أرباحه واستثماراته حتى يقدر على أداء دوره في النمو والتشغيل.
من جهة أخرى دفع موقف ابن خلدون المتحفظ إزاء تدخل الدولة في الاقتصاد إلى استبعاد النشاط الحكومي من قائمة الأعمال الخالقة للقيمة والثروة. ففي مواقع مختلفة من مقدمته يؤكد ابن خلدون بأن "الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش" بعكس الزراعة والصناعة والتجارة التي اعتبرها "وجوها طبيعية للمعاش". لا يجوز فهم هذه العبارة بأنها تقليل من شأن عمل النشاط الحكومي، وإنما هي محاولة لإظهار الفارق بين المجالين. وبرر المفكر الاقتصادي وجهة نظره هذه بأن تحصيل الرزق وكسبه بالنسبة لرجل الدولة "يكون بأخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمى مغرماً وجباية". بلغة الاقتصاد الحديثة يريد ابن خلدون أن يقول بإن عمل الموظفين الحكوميين بحد ذاته لا يخلق قيمة مضافة ويحتاج في تمويله إلى القطاع الخاص لأن السلطان وحاشيته وحرسه وشرطته يعتمدون في عيشهم على الدخل الذي يستقطعونه من دافعي الضرائب. وهي فكرة صحيحة ومتقدمة تجد الآن تأييدا واسعا في الدول الديمقراطية حيث يقول المواطن (دافع الضرائب) عادة للمسؤول الحكومي بإنه صاحب الفضل عليه في معيشته وليس العكس، كما هو الحال في الدول الريعية حيث يحاول الحكام الإيحاء وكأنهم يتصدقون على "الرعية". من جانب آخر يحاول ابن خلدون إبراز أهمية القطاعات الإنتاجية في التنمية الاقتصادية. وهذا يذكّر بمفهوم كارل ماركس عن العمل المنتج وغير المنتج والذي شكّل الأساس النظري للحسابات القومية في الدول الاشتراكية سابقا. بموجب هذه الفرضية يتم التفريق بين القطاعات الإنتاجية (مثل الصناعات الاستخراجية والتحويلية والزراعة والبناء) وبين ما يوصف بالقطاعات غير الإنتاجية (مثل الإدارة الحكومية والصحة والتعليم والبنوك والسياحة) التي لا يندرج نشاطها ضمن احتسابات الناتج الإجمالي للبلاد. وإذا كان ذلك صحيحا في عهد ابن خلدون، فإن الواقع الاقتصادي حاليا يشير إلى أن الخدمات الحكومية تمثل مصدرا رئيسيا للدخل الوطني ولا يجوز التقليل من شأنه بدعوى أنها "غير إنتاجية".
عواقب التعسف الحكومي في الأسعار
حتى يومنا هذا يعتبر خبراء الاقتصاد شبح انكماش الأسعار، أي تراجع مستواها العام، الخطر الأعظم الذي يمكن أن يقود إلى انهيار الاقتصاد على نطاق واسع ، كما حدث في أزمة الكساد العظيم 1929 – 1933 التي ضربت البلدان الرأسمالية في أمريكا وأوروبا وأدت إلى إفلاس الكثير من الشركات وارتفاع مستويات البطالة. وهذا ما حذر منه ابن خلدون عندما اختار لأحد فصول مقدمته العنوان التالي: "في أن رخص الأسعار مضر بالمحترفين بالرخص". وشبّه الانكماش بالدوامة التي تجتاح التجارة أولا ثم تمتد إلى الزراعة والصناعة لتشمل أخيرا الدولة وجباياتها. وعزا النتائج المدمرة له إلى أن رخص الأسعار يؤدي لا محال إلى "فساد الأرباح" لدى التجار وأرباب الصنائع وتآكل رأسمالهم وإفلاسهم عاجلا أم آجلا الأمر الذي يعني اندلاع أزمة تطال الاقتصاد برمته. ووصف تدخل الحاكم بطريقة تعسفية في أسعار السوق بأنه من أشد أنواع الظلم والتسلط على أموال الناس لأن "شراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان" سيعني تكبدهم لخسائر في صفقتي البيع والشراء. والنتيجة ستكون شمول الخسارة لـ"سائر الأصناف والطبقات" وكساد الأسواق وتوقف المشاريع الاقتصادية الأمر الذي سيظهر في نهاية المطاف في تناقص "جباية السلطان" "وفساد العمران".
مثل هذه الكلمات والنصائح لم يستوعبها حتى الآن اقتصاديون ومسؤولون في دول عربية الذين لا يزالون يروجون للتدخل الفظ وغير المدروس في آلية السعر ويدافعون بحماسة عن سياسة دعم الأسعار للمواد الغذائية والوقود والكهرباء والكثير من السلع والخدمات تحت شعار "الدفاع عن مصالح الفقراء"، بينما النتيجة الواضحة لمثل هذه السياسة هي المزيد من هدر المال العام والتبذير في الاستهلاك وتراجع الإنتاج المحلي مقابل نتائج هزيلة في مجال مكافحة الفقر. فأي حافز يبقى لدى الفلاح عندما يجد بأن شراء رغيف الخبز من المخابز الحكومية المدعومة هو أسهل وأجدى اقتصاديا من عبء زراعة القمح والشعير.
العدالة والنزاهة ومحاربة الفساد
نظر ابن خلدون إلى سيادة مبادئ العدالة والقانون واحترام حق الملكية الخاصة باعتبارها شرطا لا غنى عنه لانتعاش الأسواق وازدهار قطاع الأعمال ولرفاه العامة ولتحسين الجبايات وإيرادات الدولة. ونبّه بكلمات واضحة إلى "أن الظلم موذن بخراب العمران" ويُنذر بانهيار الحضارة. ويتخذ هذا الظلم أشكالا عديدة منها المصادرة والتأميم دون تعويض وأعمال السخرة والإكراه والاعتداء على حقوق الناس وأموالهم وفرض الضرائب دون حق والاستيلاء على الأملاك عنوة وغيرها. ولم يتردد من التحذير من مغبة ذلك عندما كتب في مقدمته: "ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوضٍ ولا سبب ذلك كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحدٍ أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق، أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرعُ، فقد ظلمه. فجباة الأموال بغير حقها ظًلَمَةٌ، والمعتدون عليها ظًلَمَةٌ، والمنتهبون لها ظًلَمَةٌ، والمانعون لحقوق الناس ظًلَمَةٌ، وغُصّابُ الأملاك على العموم ظًلَمَةٌ، ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لإذهابه الآمال من أهله". كما اعتبر الاحتكار واستخدام سلطة الدولة في فرض الأسعار من أعظم أشكال الظلم وأكل أموال الناس بالباطل. وأضاف بأن الدين أباح المكايسة (أي المساومة) في البيع والشراء بين طرفين متكافئين. ورأى ابن خلدون في تحريم الظلم وما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه تجسيدا للتعاليم الدينية التي تنص على حفظ الدين والنفس والعقل والنسل.
لم يستخدم ابن خلدون كلمة "الفساد" بمعنى الرشوى والاختلاس وغيرها من مظاهر الفساد الإداري والمالي السائدة حاليا، وإنما بمعنى الخراب والكساد وانهيار الحياة الاقتصادية. غير أن مقدمته تحفل بالكثير من الملاحظات والأفكار التي ترى في النزاهة شرطا للرفاه وللعمران. صحيح أن السلطان في عهد ابن خلدون كان حر التصرف بالمال العام، إلا أن سلوكه كان أيضا محكوما بمحددات الوضع الاقتصادي الذي يعتمد بدوره على مدى نجاح الدولة في أداء وظائفها الرقابية. في هاذ المجال أفرد ابن خلدون عناية خاصة للحِسْبة والسِّكَّة. مع أنه اعتبر الحسبة "وظيفة دينية تندرج تحت باب الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر"، إلاّ أن وظائف المحتسبين الواردة في الفصل الخاص بهذا الشأن تُركز على جانب الرقابة على الأسواق والحفاظ على المصالح العامة والخاصة ومنع الغش والتدليس في المكاييل والموازين دون التدخل في خصوصيات الناس. من جانب آخر أولى ابن خلدون اهتماما كبيرا للنقود وعلاقتها بالدولة من خلال التأكيد على أن سك الدرهم والدينار من الوظائف الحصرية للسلطان الذي يجب أن يحرص على ضمان قيمتها ونقاوة معدنها وعدم التلاعب بها أو تزويرها. لهذا طالب باعتماد ختم السلطان بدلا من التعامل بوزن الذهب والفضة لكي "يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات" ولمنع "تفاحش الغش في الدنانير والدراهم".
من المؤكد أن الحياة الاقتصادية في زمننا تختلف كثيرا عما كان سائدا في عهد ابن خلدون. ولهذا لا يجوز تفسير أفكاره بتعسف بعيدا عن سياقها التاريخي وظروفها الملموسة. وهذا ينطبق أيضا على نظرته للعلاقة بين الدولة والاقتصاد. غير أن المنهج الذي اعتمده في دراسة هذه العلاقة يقوم غالبا على الفكر العقلاني وتوخي الموضوعية في تشخيص العوامل المادية والفكرية المؤثرة وتجنب التحيز والمواقف الشخصية والقناعات الجامدة الأمر الذي سمح له بإبداع طفرة في علم الاقتصاد سبقت زمانها ببضعة قرون ولا تزال تحتفط بأهميتها حتى يومنا هذا.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن