الحدث والكتابة في ديوان اشتعالات الدم والزنابق أحمد غطاشه

رائد الحواري
Read_111@hotmail.com

2019 / 8 / 13

لكن زمن/ظرف أسلوبه ولغته الأدبية، فالكاتب/الشاعر هو في النهاية إنسان يتأثر بالمكان والأحداث التي يمر بها وطنه/شعبه، في بداية الثمانينات تعرضت الثورة الفلسطينية ـ وكانت تمثل حركة التحرر العربية ـ لانتكاسة بعد أن دخل جيش الاحتلال بيروت وفعل ما فعله بالتحالف مع اليمين اللبناني، وأصبحت حركة التحرر العربية برمتها في مأزق، وخذت في التقهقر إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
من هنا كل من يتابع الأحداث يجد أن احتلال بيروت عام 1982كان بداية النهاية الثانية للمشروع التحرر العربي، فبعد ذهاب عبدالناصر الذي كان له كلمته عند الأنظمة وكان يستطيع أن يوقفها عند حدها، كان الثورة الفلسطينية هي البديل، لكن بعد خروجها من بيروت وتشتها في أكثر من
(سجن عربي) خبت، حتى اجبرت على الدخول إلى نفق مؤتمر مدريد ثم
(أوسلو)، فكان انعكاس ذلك على مجمل حركة التحرر العربية، التي وجدت في الثورة بارقة أمل في التخلص من الأنظمة البائسة، لكنها فقد هذا البديل بمجرد دخول (أوسلو) فأصبحت بلا أب ولا أم، وفقدت برنامجها العملي ـ الثورة الفلسطينية ـ ولم تجد أو تعمل على إيجاد البديل، فكان ظهور التيار الديني الإرهابي والفكر التكفيري هو البديل للفكر التقدمي والثوري، ووصلنا إلى خراب أربع دول وتدميرها وتهجير شعوبها.
وبما أن الشعراء يسبقون عصرهم، ويمتلكون طاقات وقدرات أكثر منا نحن الاشخاص العاديين، سنجدهم يتنبؤون/يرون المستقبل بعين العارف البصير بما ستؤول إليه أحولنا، فكانت كتابتهم بمجملها سوداء، ضمن هذا الواقع يكتب الشاعر "أحمد غطاشه" ديوانه "اشتعالات الدم والزنابق"، حيث السواد والقتامة والدماء والقسوة تعد سمة الديوان، فرغم حضور المرأة التي خففت قليلا من حدة القصائد، إلا أنه هذا التأثير سرعان ما تراجع إلى حالته الأولى، وحتى حضور الأم لم يخفف من حدة القتامة فيه، ففي قصيدة فاتحة الديوان "هذي وجهتي" يبدأ القصيدة:
"لغتي
شظايا القلب..
زنبقة الدم المنذور
فاكهة اليتامى
حنطة الفقراء
خبز النائمين على الحجارة
أرتمي كالظل
بين يدين من حجر
فتسكنني عيون الخوف
تلقيني وترميني
على أرصفة النفي" ص10، أن يستخدم الشاعر أهم ادة لدية (الكتابة) بصورة سوداء فهذا مؤشر على أنه وصل إلى القنوط، بحيث لم يعد هناك من/ما يخرجه من أزمته، وهنا نتذكر قول "اودونيس" في ديوان "كتاب الحصار": "مزق التاريخ في حنجرتي، ما أمر اللغة الآن، وما اضيق باب الأبجدية" ومن يتابع كتابات الشعراء في العقد الثامن يجدها بمجملها سوداء وقاتمة، وهذا يعود إلى رؤيتهم المستقبلية لما ستؤول إليه أحولنا.
إذن السواد لم يكن بسبب الحدث فحسب، بل ناتج عن الإبصار في المستقبل، من هنا نجد "أحمد غطاشه" غارق في السواد: "شظايا، الدم، اليتامى، الفقراء، الحجارة، أرتمي، الخوف" وإذا ما توقفنا عند هذا الألفاظ سنجدها متعلق بالبناء المادي بنيان/الزراعة، والإنساني/الاجتماعي، فهناك خلل أصاب العمار المادي "شظايا، فكهة اليتامى، حنطة الفقراء، وخلل إنساني/اجتماعي، أرتمي كالظل، فتسكنني عيون الخوف، وترميني" من هنا يمكننا أن نستوعب سبب هذا الحجم من السواد وهذا الفاتحة القاتمة، فالظرف الحالي والمستقل فرضا على الشاعر/البصير أن يكتب بهذا السواد.
والشاعر/البصير يتقدم أكثر من المستقبل معتمدا على الماضي وما حدث للمكان/للأرض التي تشكل منها، الأرض التي أوجدته كشاعر وكإنسان، يقول في قصيدة "تعال إلى شكل موتك":
"دفتر مهمل..
شرفة شاحبة
بعض ضوء على صورة في الجدار
وبعض دم..
لا يزال يسيل
جثة في الجدار
وهذا الدليل
والقتيل
بعيدا كيافا
غريب كيافا
وقد غادر البحر
والبحر ما هيأ الأغنيات
مناديل..
ما هيأ الكلمات..
قناديل
في وحشة الدرب عند الرحيل" ص20، القسوة حاضرة في "الدم، يسيل، جثة، القتيل" والحزن يظهر في "دفتر مهمل، شرفة شاحبة، بعض ضوء" والمكان/الماضي نجده في: " بعيد/عريب كيافا، البحر ما هيأ" ونجد حضور الشاعر في الحدث: " دفتر مهمل، ما هيأ الكلمات، في وحشة الدرب عند الرحيل" بهذا الشكل يكون الشاعر أوضح وكشف لنا حقيقة ما حدث وما سيحدث، له وللأمته/لوطنه، وهذا يفسر سبب وجود هذا الشكل من السواد، و(يبرر) لنا لماذا هو بهذا الحزن، فلا يوجد أي بصيص أمل فيما سبق، المكان والشاعر يملأهما الحزن، والمحيط/الناس يتعرضون للقتل والموت.
وإذا ما توقفنا عند ما جاء عن البحر "والبحر ما هيأ الأغنيات/في وحشة الدرب عند الرحيل" نجد الشاعر يتنبأ ليس بحالة المقاتلين الفلسطينيين الذين غادروا بيروت عبر البحر فحسب، بل بحال المهاجرين من المنطقة العربية بعد انتشار (الخراب العربي) فرغم أن القصيدة مرتبطة بزمن 1982، إلا انها تمتد لتصل إلى حالنا اليوم.
ويقول في قصيدة العنوان " اشتعالات الدم والزنابق":
"...
آهة..
هكذا ينزف العاشق المتنائي
احزانه في الطريق
إلى يومه الغامض
تستحم على شرفة الانتظار
أغانيه، أوجاعه النازفة
نبضة..
نبضة..
بين حزن وحزن
آهة..
آهة..
بين موت وموت
هو الانتحار ولا اختيار
والبدايات فاتحة العشق والاحتضار
وتمتصه الأرض..
في شهوة الانتماء
ويطلع من جلدها المتوهج
أما شهيدا
واما وليدا
كاشتعال الزنابق في دمه
في مخاض ينوح
أو تنضرج
أو طلقة تتموج" ص30و31، يجمل الشاعر حالة الحزن والألم والقسوة والسواد: "آهة، ينزف، أحزانه، الغامض، أوجعه، النازفة، موت، الانتحار، الاحتضار، لا، شهيدا، كاشتعال، دمه، ينوح، صرخة، طلقة" بحيث لا يبقى أي خيط أبيض يمكن الاسترشاد به، اعتقد عندما تجتمع كل هذه الحالات في مقطع واحد، فهذا يشير على أن الشاعر لم يعد يرى أي أمل في الحاضر أو في المستقبل، من هنا جاءت لا النافية للاختيار، وتأكيد الانتحار، وبعدها يجيء الاحتضار، فحجم السواد هائل بحيث انعكس على القصيدة، إن كان من خلال الألفاظ المجرة أو من خلال المضمون الذي تحمله.
ونجد حالة السواد في صيغة المتكلم، فالشاعر لم يستطع أن يدخل نفسه في المشهد، فجاء المقطع يتحدث عن الغائب، وهذا يأتي عادة عندما يصل الشاعر إلى حالة القنوط، بحيث لا يستطيع أن يكون داخل المشهد/الحدث، فيخرج نفسه منه، ليكون قادر على الكتابة.
المرأة
للمرأة أثر جميل على الشاعر، فهي من تمده بالطاقة والقدارة على الاستمرار ليكمل الدرب، من هنا علينا ان نميز بين حضورها (كقوة دافعة) وبين حضورها كعامل مهدئ ومخفف، ففي الحضور الأولى تكون بمثابة مشاركة للشاعر في الدرب، ولها دور ـ رغم عدم مشاركتها الظاهرة لنا ـ كحال الشاعر تماما، وهذا ما فعله "أحمد غطاشه" في ديوانه، يقول في قصيدة "فصائد":
"ابدئي صلواتك في حضرة العشق
إن المصابيح تأخذ..
من مهجتي زيتها..
وأنا أشتهي وقتها..
في حضورك ـ فاتنتي ـ
ليس لي غير هذا
التوحد في لغتي..
واشتعالي في صمتها..
عمديني بنارك..
أيتها الزهرة المشتهاة
وقلبي يهيء للعشق
أذرعه في خشوع أليف" ص36، تبدو "القصائد" خارج سياق الديوان، لكن هذا شكليا صحيح، لكنها في حقيقة الأمر تقع ضمن وحدة الديوان، فهذه القصيدة بمثابة الطاقة التي يستمد منها الشاعر القدرة على مواصلة طريقه في (الظلام الدامس)، لهذا نجد المرأة غير ناصعة، بل يشوبها بعض الغبار "اشتعالي، بنارك" وكما أننا نجد ألفاظ تشير إلى أنها طاقة/إضاءة يرشده إلى الطريق: "المصابيح، زيتها، عمديني" وإذا ما توقفنا عند عمديني ـ والتي تشير إلى الدخول إلى حالة جديدة، أكثر نقاء وصفاء ـ وما تبعها يمكننا أن نتأكد أن الشاعر يحضر نفسه لتقبل حالة جديدة وبرضاه، من هنا جاء "خشوع أليف".
من هنا نجده في قصيدة "ليديك هذا العشب" يتقدم من جديد في دربه المظلم:
"4
وانتظرتك..
حلف هذا الليل
مقتولا
ومرميا
على حجر القطيعة
انتظرتك
متعب العينين
مسكور إلى نصفين
منفيا
كنقطة ضوء
في قاع الليالي
ظل عينيك على الآفاق
بعض من رمادي
ظل عينيك
رمادي
وبأعماقي حريق هائل
وبصدري تتلظى
نار اشواق رهيبة
تصهل الريح
التي حملتها يوما سلاما
خلف ابواب المدينة
وعلى درب خطاك
قد رميت القلب
عشبا
وخزامي
ومضيت" ص 50و51، رغم عدم حضور المرأة كمرأة، حيث جاءت كأنثى، إلا أن حضورها لم يغير في مسار/نهج الشاعر القاتم، فهناك كم من الألفاظ السوداء والقاسية: "الليل، مقتولا، مرميا، حجر، القطيعة، متعب، مكسور، منفيا، قاع، رمادي، حريق، تتلظى، نار، رهيبة، الريح، رميت" كل هذا يؤكد غلى أن مسار القصيدة الأسود هو الجامع والموحد، فاللغة والمضمون والألفاظ كلها تجتمع وتتوحد لخدمة القتامة.
الديوان من منشورات دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى 1984.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن