بعض من بعض الذي كان ..5 .. عيوب في نظرية العصر الجميل

جعفر المظفر
jafaralmudhafar@yahoo.com

2019 / 8 / 12

الزعامة الناصرية والمد القومي كان في أوج إحتدامه حينما قدمت بريطانيا الحكم الملكي العراقي ضحية على مذبحه. وما كان بمقدور السعيد أن يكون ندا مكافئا لعبدالناصر الذي كسب كاريزمته الجماهيرية العربية والوطنية من خلال نصره السياسي الكبير على العدوان الثلاثي ثم أضاف عليها بعد ذلك رصيدا ضخما حينما بايعه السوريون زعيما على دولة الوحدة التي كانت في حينها مطلبا رسميا وجماهيريا سوريا قبل أن تكون مطلبا مصريا.
أما البريطانيون فحاولوا التصدي لذلك الخطر الوحدوي المتصاعد من خلال إعلان دولة الإتحاد الهاشمي بين العراق والأردن التي لم تفلح في تقديم نفسها إلا كندٍّ كاريكتري هزيل في مجابهة أخطار الزعامة الناصرية المنطلقة مثل شهاب خارجٍ على قوانين الجاذبية وقادمٍ لصنع مداراته وقوانينه الخاصة.
وماذا كانت النتيجة على صعيد الوضع العراقي الداخلي ؟.
من جهة كان وجود العراق في حلف بغداد قد وضعه في المركز من دائرة الصراع الدولي المحتدم في أثناء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي بدلا من أن يضع في يديه قدرة الإنتحاء جانبا والنأي بعيدا عن بؤر التوتر.
ولقد صار ذلك حافزا للشيوعيين العراقيين لتصعيد نشاطهم السياسي الجماهيري من أجل إسقاط الحكم الملكي في العراق. كما أن خسارة دول العدوان الثلاثي لحربهم العدوانية ضد مصر في أعقاب تأميم قناة السويس قد تسبب بخسارة كبيرة أيضا للزعامة السعيدية التي لم تخفِ فرحها حينما بدأ ذلك العدوان, وراح نوري السعيد نفسه يبشر بصوت مسموع بقرب نهاية عبدالناصر الأمر الذي جعل هذا الأخير لا يتردد في إعلان حربه السياسية ضد النظام الملكي, والتي كانت واحدة من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط ذلك النظام.
على صعيد شعبي صار النظام في أضعف حالاته, وما عدا شيوخ القبائل المنتفعين من النظام الإقطاعي العشائري فإن الشارع العراقي السياسي لم يتوقف لحظة عن التظاهر العلني ضد النظام الملكي.
لكن الخطر الأكبر جاء من الجيش الذي تحول أغلب قيادية إلى (ضباط أحرار). ولعل المعني بذلك أن الحالة الوطنية المعادية للنظام قد تجاوزت كثيرا حدود أن تبقى ضمن لجنة أو لجان سرية.
لقد كانت واحدة من أهم الأسباب التي دفعت عبدالناصر إلى تأسيس حركة الضباط الأحرار في مصر هي فضيحة صفقة الأسلحة الفاسدة التي إستعملها الجيش المصري المشارك للجيوش العربية الأخرى في أثناء الحرب التي سبقت قرار تقسيم فلسطين في عام 1948.
أما إحتدامات قاسم وعارف الوطنية, والذي شاركه فيهما أغلب ضباط الجيش العراقي, فلم تكن هزالة الموقف الملكي إتجاه تلك المعركة بعيدة عن تفعيلها, ولا كان إنتماء العراق إلى حلف بغداد بمعزلٍ عن تأجيجها. وسرعان ما تحول الجيش بفعل ذلك وبعد إعدام عقدائه الأربعة, الذين فشلت إنتفاضتهم ضد الإنكليز عام 1941 والتي نتج عنها فرار الوصي على العرش الأمير عبدالإله وإعادته بعد ذلك من قبل الإنكليز إلى بغداد, سرعان ما تحول ذلك الجيش بأغلب ضباطه إلى مؤسسة معادية للنظام, أما الثورة ضده ذلك فلم تكن تحتاج إلى غير فرصة التنفيذ.
وعموما يمكن القول أيضا أن سقوط النظام الملكي في العراق كان نتيجة من نتائج إنحسار النفوذ البريطاني عن المنطقة التي بدأت تدخل سريعا في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي إنقسم بدوره إلى عالمين, عالم غربي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية الساعية إلى إحتلال مناطق النفوذ البريطاني والفرنسي ولكن على جواد (ولسون) وإعلانه بشأن حق تقرير المصير وحقوق الإنسان الذي تضمنته مبادئه الأربعة عشر, وعالم شرقي يقوده الروس الذين أفلحوا في إقامة دولتهم السوفيتية ومعسكرهم الإشتراكي الذي كان في مطلع نجوميته قبل أن يتآكل تديجيا بفعل عجز النظرية الماركسية اللينينية عن تأكيد فاعليتها السياسية وآهليتها العقائدية في عالم إنحسرت فيه سبل المجابهات العسكرية بين العملاقين لتحل محلها حربا باردة كانت أسخن على الشيوعيين من نار الحرب التقليدية.
إن النظامين الملكيين في كل من مصر والعراق كانا قد إستهلكا نفسيهما على صعيد سياستهما الداخلية بحيث ظهرا مثل ثور الناعور خاصة على المستوى السياسي.
على صعيد آخر فإن اللعبة الديمقراطية كانت قد إستهلكت نفسها كلعبة صالونات لا علاقة لها بالشارع. ويوم نتفحص أدبيات إنقلابَيْ او ثورتَيْ تموز في أيٍ من البلدين فسوف نعثر على ما يشير إلى أن تلك الإنقلابات نفسها قد جاءت في بعض مشاهدها الرئيسة وكأنها رد على تلك الديمقراطيات الملكية المُستهلكة التي لم تعد تصلح كآلية للعمل والإنتاج في بلد ذا إقتصاد قائم على التحالف بين زعماء القبائل والإقطاعيين ونظام إجتماعي يستعرض نفسه من خلال مشاهد عبودية الفلاح وعري الفقراء.
وإن من الحق على أصحاب الشق الملكي من نظرية (العصر الجميل) أن يستعرضوا ويعرضوا صور (المصاليخ : العراة) من عمال الموانئ وحمالي الشورجة ووجوه الفقراء المتعبة والمريضة وأكواخهم المتهاوية, جنبا إلى جنب مع صور شارع الرشيد النظيف الأنيق الذي إعتادوا عرضها للتأكيد على جمالية الماضي, حتى يساعدوا المرأ على قراءة ذلك العهد بعدالة ودقة وموضوعية.
أما الإصرار على تقديم صورة هذا (العهد القبيح) الذي جاء به الإحتلال والأحزاب الدينية الفاسدة وعملاء إيران والإتكاء عليها لإستنباط نظرية تقول أن العهود العراقية السابقة وفي المقدمة منها عهدي نوري السعيد وصدام حسين كانت عهودا جميلة فذلك في إعتقادي هو نوع من التدليس, أو حين توفر النيات الطيبة, فهو العودة لقراءة التاريخ قراءة إسقاطية يتم من خلالها فحص المرحلتين على أساس المقارنة بين أسوء ما في العهد الحالي وأفضل ما في العصر السابق, وهي مقارنات ليست عادلة على الإطلاق, إضافة إلى أنها تهمل بدايةً كل أساس لقراءة تاريخ كل مرحلة بسيئاتها وإيجابياتها لفهم الضرورات التي قادت إلى حتمية التغيير وفهم ماهية الدخول في مرحلة أخرى نقيضة لسابقتها.
إن العراق لم يكن مقدرا له أن يتطور من داخله بفعل ثقل نظامه الاقتصادي الاجتماعي والسياسي المعرقل لأية خطوة بهذا الاتجاه, لذلك ستبدو النظرية ( الْلَوْئية), والقائمة على الإفتراض الذي يقول أن العراق الملكي كان سيتطور سياقيا (لو) لم يسقطه العسكر في الرابع عشر من تموز, ستبقى هذه النظرية عاطلة تماما عن العمل وغير منصفة لتفسير التاريخ وقراءته.
وأخيرا فإن الإقرار بعمق وكثافة الكوارث التي حلت بالعراق في المراحل التي تلت سقوط الحكم الملكي لا يمكن أن تكون دليلا على أن النظام الملكي كان رائعا, لكنها تصلح للتأكيد على أن المراحل التي تلته كانت سيئة.
وعليه فإنه لا يمكن مطلقا لمرحلة ما أن تصبح جيدة لمجرد أن المرحلة التي تلتها كانت سيئة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن