نقد تعاون اليسار مع الإسلاميين

عبد الرحمان النوضة
nouda.abderrahman@gmail.com

2019 / 8 / 12

تقديم: سبق لِرَحْمَان النوضة أن نشر، على صفحته على "الفايسبوك"، في 3 غشت 2019، مقالًا أوّليًّا تحت عنوان: «أين نحن؟ وإلى أين ذاهبون؟». وانتقد النوضة في هذا المقال بعض نقط ضعف قوى اليسار بالمغرب. ومن ضمنها ضعف نقد اليسار بالمغرب للحركات الإسلامية، وللحركات الأمازيغية. ثم رَدَّ عليه عبد الله الحريف، في 4 غشت 2019، على صفحته على "الفايسبوك"، بمقال ثان تحت عنوان: «نقاش مع الرفيق النوضة ». وطرح فيه الحريف أن انتقادات النوضة لا تنطبق على حزب النهج. ثم أجابه رحمان النوضة بمقال ثالث، في يوم 5 غشت 2019. وأَُوْضَحَ النوضة في هذا المقال الحالي أهم الانتـقادات التي كان على قوى اليسار بالمغرب أن تُوَجِّهَهَا إلى "الحركات الإسلامية". والغاية من هذا الحوار، ليس هو التنافس السياسي فيما بين المتحاورين، أو تسجيل نقط ضد أي طرف كان، وإنما الهدف هو تبادل النقد البناء، في جوّ من الاحترام والتقدير المتبادلين، وتقليص سوء التفاهم، وتقريب قوى اليسار من بعضها البعض. وفيما يلي الجزء من المقال الثالث الذي ينتقد فيه النوضة تـقارب حزب النهج من "تنظيم العدل والإحسان" الإسلامي :
1 ) طرحتُ انتقادات موجّهة لقوى اليسار، بما فيها حزب النهج، في مقالي «أين نحن؟ وإلى أين نسير؟». وأجاب المناضل المحترم عبد الله الحريف أنني لا أعرف بالتفصيل أطروحات وأنشطة حزب النهج. وأتّـفِق مع الرفيق عبد الله الحريف حول ملاحظته المُتعلِّقة بإصدار مواقف حول أحزاب اليسار بالمغرب. وأعترف شخصيًّا أنني لا أعرف جيدا الحياة السياسية الداخلية لأحزاب اليسار، كما لا أعرف بعض أنشطتها، بما فيها حزب النهج. وبالتالي، فمن الوارد جدّا أن تكون بعض أحكامي حول أحزاب اليسار ناقصة، أو خاطئة.
2 ) أنا كمناضل أحترمُ وأُدَعِّمُ قِوى اليسار بالمغرب. وأحاول أن أكون عقلانيا، فَلَا أثق كثيرا في الخطابات السياسية، ولا أتعامل مع ما تقوله الأحزاب عن نفسها كحقائق مُؤَكَّدَة. وما يهمني أكثر من الخطابات، هو ما أراه في الميدان السياسي كممارسة ملموسة. يمكن أن تكون خطابات حزب النهج ونواياه ممتازة، لكن ما دامت هذه النوايا الثورية لم تتحول بعدُ إلى ممارسة، أو إلى واقع ملموس في الساحة السياسة، فإنها قد تبقى، بالنسبة لي، كأنها مجرّد خطاب سياسي. وتنطبق هذه الملاحظة على أحزاب اليسار الأخرى.
3 ) أنا بكل صراحة حائر من نفسي. لأنه إذا لم أنتـقد أحزاب اليسار، فإنها قد تظن أنها على أحسن ما يُرام. وإذا انتقدتُها، يمكن أن تتّهمني بعض قوى اليسار بالقيام بعمل عدائي، أو تخريبي. كما يمكن أن يلجأ بعض خصوم أو أعداء اليسار، إلى استعمال هذه الانتقادات كسلاح ضد اليسار. لكنني أُغَلِّبُ، مُكْرَهًا، واجب النقد الرفاقي البَنَّاء على الامتناع عن نقد أحزاب اليسار (رغم احتمال إمكانية لجوء بعض الخُصوم إلى استغلال هذا النقد لِضَرْب قوى اليسار).
4 ) طرحتُ في مقال «أين نحن؟ وإلى أين نسير؟» أن مجمل الحركات الإسلامية يمينية، ورأسمالية، ومُؤَهَّلَة للتعامل مع النظام السياسي، ومع الإمبريالية. وأجاب المناضل المحترم عبد الله الحريف أن حُكْمِي هذا عام، وغير سليم. وأتفق مع الحريف على أن حكمي هذا "يَظْهَر" إطلاقيا، وغير متلائم مع واقع هذه الحركات الإسلامية في الميدان الملموس. لكن هذا "المظهر" لا يُلغي، في رأيي المتواضع، الحقائق النقدية التالية (المُوَجَّهَة للأحزاب "الإسلامية") :
4.1- يمكن لبعض الحركات الإسلامية (مثل "تنظيم العدل والإحسان") أن "تُعَارِضَ" اليوم النظام السياسي القائم حاليا بالمغرب. لكن معارضة "تنظيم العدل والإحسان" للنظام السياسي بالمغرب، لا تعني بالضّرورة أن "تنظيم العدل والإحسان" هو تنظيم «تقدّمي»، أو «ثوري». ولا تُـثْبِتُ صحّة الدَّعْوَة إلى تعاون قوى اليسار معه، أو التحالف معه. لماذا؟
أوّلًا، لأن ما يهمّنا، ليس هو فقط موقف «معارضة» "تنظيم العدل والإحسان" للنظام السياسي القائم بالمغرب، ولكن ما يهمّنا أكثر، هو معرفة المُنْطَلَقَات التي تَـبْنِى على أساسها "جماعة العدل والإحسان" موقفها «المُعارض» للنظام. فإذا كانت منطلقات "تنظيم العدل والإحسان" (في معارضة النظام السياسي) تنطلق من مشروعه المُتَجَلِّي في «بناء دولة الخلافة الإسلامية الأصولية»، وتنطلق من رغبته في الرُّجُوع بالمجتمع إلى طُقُوس مرحلة ظُهُور الإسلام (في القرن السابع الميلادي، في الجزيرة العربية)، فإن موقف "تنظيم العدل والإحسان" سيكون في هذه الحالة موقفًا رِجعيًّا. وسيكون النظام السياسي القائم حاليا في المغرب أحسن، وأفضل بكثير، من «نظام خلافة إسلامية» دَاعِشِيَة، ومُوغِلَة في الرِّجعية.
وثانيًّا، ما دام "تنظيم العدل والإحسان" لا يقبل مبدأ «الفصل بين الدين والدولة»، ولا يلتزم بِـ «الفصل بين الدين والسياسة»، فموقفه هذا يُـثْـبِـتُ أن المشروع السياسي الخَـفِـي، الذي يحمله "تنظيم العدل والإحسان"، هو إخضاع الدولة، والمجتمع، «للشريعة الإسلامية» الأصولية، والمتخلّفة. وهذه «الشريعة الإسلامية» المُتخلِّفة، هي الجوهر المُشترك لدى كل الحركات الإسلامية الأصولية، بما فيها «طَالِبَانْ» في أفغانستان، و«الاخوان المسلمين» في مصر، و«القَاعِدَة» و«دَاعِشْ» في الشرق الأوسط، و«بُوكُو حَرَامْ» في شمال نيجيريا، و«الشباب» في الصُّومَال، و«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر، و«جبهة النُّصْرَة» في سُوريا، إلى آخره. وميزة مجمل الحركات الإسلامية الأصولية، أو "الوَهَّابِيَة"، أو "الدَّاعِشِيَّة"، لا تعمل سوى بالتَكْفِير، وبالقَهْر، وبالاستبداد، وبإلغاء العقل، وبالقتل، وبالتخريب. وخطأ كلّ "الحركات الإسلامية" الأصولية هو أنها، بَدَلًا من أن تَضَعَ الدِّينَ في خِدمة الإنسان، فإنها تُسَخِّرُ الإنسانَ لِخِدْمَة تَقَاليد دينية عَمْيَاء، ومتخلِّفة، وغير عَقْلَانِيَة. ويمكن أن نجد ما يؤكّد هذه الفكرة، في التطورات التاريخية الكَارِثِيَة التي تجري حاليا، أمام أنظارنا جميعًا، في بلدان مُسلمة عدّة، مثل: سوريا، والعراق، وأفغانستان، وباكستان، ومصر، والسودان، والصومال، وقطر، والسعودية، واليمن، وتونس، وليبيا، والجزائر، وشمال نيجيريا، وشمال مَالِي، وفي الكثير من البلدان الأخرى المُسلمة. والموقف السّليم لدى قوى اليسار، ليس هو مُجَامَلَة "الحركات الإسلامية"، وإنما هو نـقد فكرها، ونقد مشروعها السياسي، ورفض أيّ تنسيق أو تحالف، أو تعاون، مع كل "حركة إسلامية" أصولية لا تلتزم بِـمبدأ «فصل الدِّين عن الدولة»، وبِـ «فصل الدِّين عن السياسية»، وبِـ «حُرّية العبادة»، وبِـ «حُرّية عدم العبادة».
وثَالِثًا، لأن منطق "تنظيم العدل والإحسان"، ومناهجه في التفكير، مبنية على أساس أيديولوجية دينية محافظة، ومُقَدَّسَة، ومُسْتَلَبَة. وهذه المناهج في التفكير ستـقود "تنظيم العدل والإحسان"، بالضّرورة، إن آجلًا أم عاجلًا، وخاصة في ظروف تاريخية حَرِجَة، إلى ممارسة مواقف مُوغِلَة في اليمينية، وفي المُحافظة، وفي الرأسمالية المتوحّشة، وحتى في الرجعية. وقد يكفي التذكير هنا، بمثال واحد مُعَبِّر، هو قضية «مُدَوَّنَة الأحوال الشخصية» بالمغرب. إذ أن مُجمل الحركات الإسلامية كانت، وما زالت، معارضة لإنصاف المرأة، ورافضة لِتسْوِيَة حقوق المرأة بحقوق الرجل.
4.2 - حينما تكون "الحركات الإسلامية" الأصولية ضعيفة، أو في بداية نموّها، فإنها تميل إلى مُهادنة القوى الثورية أو اليسارية، وتظهر كأنها «صديقة» أو «حليفة» لها. لكن حينما يحتدم الصراع الطبقي، أو حينما تُصبح هذه "الحركات الإسلامية" قوية، فإنها تَفْضَحُ طبيعتها المُحَافِظَة، وتتّخذ مواقف يمينية، أو رجعية، أو تقوم بِسُلُوكِيَات عَدَائِيَة، أو عَنِيفَة، ضد قوى اليسار. وهذا هو ما حدث مثلًا في مصر، خلال رُكُوب «الإخوان المسلمين» على ثورة يناير 2011، وخلال تحريف هذه "الثورة" العارمة لخدمة مشاريع «الإخوان المسلمين» الاستبدادية. فإذا لم تكن هذه "الحركات الإسلامية" الأصولية مُعَادِيَة اليوم للقوى الثورية، فالاحتمال الأكبر هو أنها سوف تعاديها في المستقبل.
4.3 - حدوث وتكرار مثل هذه "الانقلابات" المُفَاجِئَة، في المواقف السياسية، لَدَى هذه "الحركات الإسلامية الأصولية"، مُحتمل جدًّا. لماذا ؟ لأنها تُغَلِّبُ الدِّينَ على العقل، وتُغلّب الإيمان على المَنطق، وتُغلّب المُقَدَّسَات على العُلوم، وتُغلّب التقاليد العَتِيقَة على التجارب التاريخية الحديثة. أعطيك مثالًا تاريخيا واحدًا ومُعبّرًا :
حينما انطلقتْ في المغرب "حركة 20 فبراير" في سنة 2011، لمناهضة الاستبداد، والفساد، وبهدف تحقيق الحرّية والكرامة، [وذلك كامتداد موضوعي لما سُمِّيَ آنذاك بِـثورات «الربيع الديموقراطي» في البلدان الناطقة بالعربية]، شارك آنذاك "تنظيم العدل والإحسان" الإسلامي في "حركة 20 فبراير" النضالية. وجاء "تنظيم العدل والإحسان" بأعداد مهمّة من أنصاره لكي يشاركوا في المظاهرات. بل أصبح مناضلو اليسار (الذين كانوا يُشاركُون في تأطِير "حركة 20 فبراير") يَتَرَاخَوْنَ، بَل ويُفْرِطُون في الاعْتِمَادِ على تَكَفُّل "تنظيم العدل والإحسان" بِتَمْوِيل وإِعْدَاد لُوجِسْتِيك المُظاهرات. وظنّ آنذاك الكثيرون من بين مناضلي قوى اليسار بالمغرب أن "تنظيم العدل والإحسان" هو «شريك استراتيجي»، أو فصيل «تقدّمي»، أو «ثوري». لكن، لم تمض إلَّا شهور قليلة حتى حدثت المفاجأة التي عَرَّت الكثير من الجوانب الخفية. حيث، بِمُجَرَّد أن أصبحت "حركة 20 فبراير" تُخِيف النظام السياسي القائم بالمغرب، وبمجرّد أن فاز الحزب الإسلامي الأصولي "حزب العدالة والتنمية" بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، َوبمجرّد أن شَرَعَ في تكوين الحكومة، قَرَّرَ فجأةً "تنظيم العدل والإحسان" الإسلامي، وبدون إخبار، ولَا نقاش، ولا تفسير، ولَا اعتذار، قرّر فجأةً الانسحاب الكُلِّي والنهائي من "حركة 20 فبراير"! وذلك في الوقت الذي كانت فيه "حركة 20 فبراير" في ذِرْوَة قُوَّتِهَا. فأصبحت فجأةً "حركة 20 فبراير" مُكَسَّرَة، وضعيفة في إمكاناتها، وهزيلة في حجمها. وأَحَسَّ فجأةً مناضلو قوى اليسار (الذين كانوا يُشاركون في تأطِير "حركة 20 فبراير") بِانْتِكَاسَة تاريخية، وبنوع من "الغَدْرِ"، أو العُزلة، أو الضُّعف. ونَدِمَ الكثيرون من بين هؤلاء المناضلين اليساريين على ثِـقَتِهِم السَّابِقَة العَمْيَاء في "تنظيم العدل والإحسان". كما نَدِمُوا على اعتمادهم السّابق المُفْرِط على الإمكانات المالية لِـ "تنظيم العدل والاحسان" في مجال تمويل وإعداد لُوجِسْتِيكْ المظاهرات. وقوّة التنظيمات الإسلامية الأصولية تكمن في المَال. أي في قُدْرَتِهَا على تمويل أنشطتها. بينما تميل قوى اليسار إلى تَـقْلِيصِ أو إلى إلغاء بعض أنشطتها بسبب ضُعف مواردها المَالية.
ورغم المجهودات المهمّة التي بدلها مناضلو قوى اليسار (على الخصوص من أحزاب: "الطليعة"، و"النهج"، و"الاشتراكي الموحّد") للحفاظ على زخم "حركة 20 فبراير"، خلال شهور متوالية، فإن الانسحاب المُفاجئ لتنظيم سياسي مؤثّر من "حركة 20 فبراير"، أجبر في النهاية هذه الحركة على التوقّف. ولو أن أسباب توقّف "حركة 20 فبراير" لا تنحصر فقط في انسحاب "تنظيم العدل والإحسان"، وإنما تشمل قضايا أخرى (تناولتُها في مقال آخر بعنوان: "لماذا لا تقدر حركة 20 فبراير على إسقاط الاستبداد"، وكذلك في كتاب "نقد أحزاب اليسار بالمغرب"، وكلّها موجودة على مُدَوَّنَتِي "https://LivresChauds").
وعاش مناضلُو اليسار توقّـفَ "حركة 20 فبراير" كَـنَكْسَة تاريخية. وعلمنا فيما بعد أن عددا قليلًا من أنصار "تنظيم العدل والإحسان" لم يفهموا، هم أيضًا، سبب الانسحاب المفاجئ لتنظيمهم هذا من "حركة 20 فبراير"، ولم يوافقوا عليه. وقد أمرت قيادة "تنظيم العدل والإحسان" أنصارها بِأَن ينسحبوا نهائيا من "حركة 20 فبراير"، دون أن تستشيرهم في الرأي. وعلى خلاف التفسير الرسمي، والمُتَأَخِّر، وغير المُقنع، الذي أصدرته قيّادة "جماعة العدل والإحسان" في بيانها، فإن السّبب الحقيقي لانسحابها هو حِرْصُها على «عدم التَشْوِيش» على شَقِيقِهَا الحزب الإسلامي "حزب العدالة والتنمية"، بعدما فاز هذا الحزب الإسلامي بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، وبعدما وَصَلَ إلى الحكومة. وكان "حزب العدالة والتنمية" هو أول حزب إسلامي أصولي يصل إلى الحُكومة في تاريخ المغرب. ورغم الخلافات السياسية الظَّاهِرَة فيما بين الحزبين الإسلاميين، أي بين "تنظيم العدل والإحسان"، و"حزب العدالة والتنمية"، نلاحظ، خلال الفترات التاريخية الحَرِجَة من الصراع الطبقي، أنهما يصطفَّان في نفس المعسكر الرِّجعي: أي مساندة النظام السياسي القائم، ومُسَايَرَة إملاءات الإمبرياليات الغربية القوية.
وقد يقول قائل أنه، نظرا للتناقضات الموجودة قَبْلِيًّا بين مناضلي اليسار من جهة، ومن جهة أخرى أنصار "تنظيم العدل والإحسان"، كان على مناضلي اليسار أن يفرحوا بانسحاب "العدل والإحسان" من "حركة 20 فبراير". وذلك بدعوى أن هذا الانسحاب ترك لمناضلي اليسار فضاءً واسعًا لكي يتحرّكوا بحرية. لكن الكثيرين من مناضلي اليسار، المساهمين في "حركة 20 فبراير"، عاشوا هذا الانسحاب في هذه اللّحظات كضربة مؤلمة. لأنهم رأوا في أنصار "العدل الإحسان" مواطنين، وأبناء الشعب مُغَرَّر بِهِم، ينضبطون لأوامر شبه عسكرية، دون أن يُدركوا رِهَانَات (enjeux) "حركة 20 فبراير"، ودون أن يفهموا أن مصالحهم الشخصية والطبقية كان ينبغي أن تُشجِّعهم على تصعيد النضال الثوري، وليس إِيقَافِهِ. وتأسَّفَ مناضلو اليسار على هيمنة الأيديولوجية الإسلامية الأصولية على عقول هؤلاء المواطنين، إلى درجة أنهم يخدمون مصالح دِينية "مِيتَافِيزِقِيَة"، بدلًا من خدمة مصالحهم الطبقية الملموسة والمباشرة.
وهكذا، كان انسحاب "تنظيم العدل والإحسان" من "حركة 20 فبراير" نموذجا تاريخيا للانقلاب المُفاجئ، وغير المبدئي، وغير العقلاني، في المواقف السياسية "للحركات الاسلامية" الأصولية. ومثل هذه "الانقلابات"، أو "الخيانات"، مرشّحة للتكرار في المستقبل. ولن ينسى أبدا مناضلو "حركة 20 فبراير" الدروس المستخلصة من هذه التجربة التاريخية المريرة. وأتمنّى أن لَا يعتمدوا في المستقبل على أية "حركة إسلامية"، وفي أيّ ميدان كان.
وقد دَعَا بعض المناضلين (مثل م.م.) إلى إقامة ما يُشبه «التَـقَارُب»، أو «التحالف الاستراتيجي»، بين قوى اليسار، وبعض "الحركات الإسلامية" الأصولية، وأبرزها "تنظيم العدل والإحسان". ويظنّون أن سِرَّ نجاح تَحَرُّر الشعب سَيَكْمُن في هذا «التحالف». ويزعمون أن القمع الخاص الذي يُسَلِّطه النظام القائم على الأشخاص الدَّاعِين إلى هذا «التحالف» يُـثْبِتُ أنه هو السبيل الأكثر فعالية في هزم النظام القائم. لكن هؤلاء المناضلين يعجزون على إِثْبَاتِ صِحَّة دعوتهم هاته. حيث لَا يمكن أن يوجد توافق بين مشروع مجتمعي "إسلامي" يطمح إلى إقامة «الشريعة الإسلامية» المتخلّفة، وإلى إخضاع المجتمع لِطُقُوس ومعتقدات القرن السابع الميلادي، وبين مشروع مجتمعي يساري، أو اشتراكي، يطمح إلى تحرير المجتمع من أسـس كل أشكال الاستغلال الرأسمالي، ومن أسـس كل أشكال الاضطهاد السياسي. إننا لَا نحمل عداءً مُسْبَقًا ضدّ أفراد "تنظيم العدل والإحسان"، ونتمنّى لو كان بِاسْتِطَاعتنا أن نتعاون مع مجمل القوى الموجودة في المجتمع. لكن، مع الأسف، سيكون من قبيل العبث الاعتقاد بإمكانية وجود تعاون أو تحالف بين قوّتين متناقضتين، الواحدة تقدّمية وديموقراطية واشتراكية، والثانية "إسلامية" ورأسمالية ويمينية ومحافظة.
ومن زاوية شرعية المُقَرَّرَات الحزبية، تَبْدُو سياسة تقارب قيادة حزب النهج من "تنظيم العدل والإحسان" غير شرعية. لأنها لَا تستند على مقرّرات مُؤْتَمَر حزبي تَتَّسِمُ بالوضوح والدِقَّة. ولم تنتج هذه السياسة عن نقاشات واضحة ومُعَمَّقَة داخل هذا الحزب. وإنما تبلور موقف تقارب قيادة حزب النهج من "تنظيم العدل والإحسان" بشكل عفوي، وتدريجي، وغير مُنَظَّر له. ثم أصبح بعض أعضاء هذا الحزب يدافعون عن هذا التقارب كأنه اختيار استراتيجي سبق للحزب أن درسه، وعَلَّلَه بمعطيات ومبادئ دقيقة وقويّة. بينما هو مجرّد انزلاق سياسي لم يُفَكَّر فيه حزب النهج بالقدر الكافي.
وموقف تَقَرُّب حزب النهج من "تنظيم العدل والإحسان" يُؤدِّي عمليا إلى تقليص، أو إيقاف، نقد حزب النهج الموجّه ضدّ الأيديولوجية الإسلامية الأصولية. لأن مناضلي حزب النهج يُحسّون أنه سيكون من غير الـلائق إحراج «أصدقائهم» في "تنظيم العدل والإحسان" من خلال نقد أيديولوجيتهم الإسلامية. وقد تتحوّل هذه المهادنة الفكرية إلى تعايش، ثم إلى توافق، ثم تواطء، ثم خضوع.
وقد كنتُ شخصيا، أنا أيضًا، أُسَانِدُ فكرة التحاور مع "تنظيم العدل والإحسان"، بِهدف اكتشاف إمكانات النضال المُشترك معه ضدّ النظام السياسي المخزني. لكن بعدما تَمَعَّنْتُ في تطوّرات الحركات الإسلامية الأصولية الجارية في مختلف البلدان المُسلمة، وبعدما تَعَمَّقْتُ في دراسة الأَيْدِيُولُوجِيَة الإسلامية الأصولية في كتابي "نقد الشعب"، تَأَكَّدْتُ من خطورة الأيديولوجية الإسلامية الأصولية على الشعب، وعلى المجتمع. وأصبحتُ أعارضُ أيّ تعاون مع أية حركة إسلامية أصولية لَا تلتزم باحترام «فصل الدِّين عن الدولة»، وبِـ «فصل الدِّين عن السياسة»، وبِـ «حرية العبادة»، وبِـ «حرية عدم العبادة».
والخلاصة الجزئية هي: 1) يستحيل إخراج المجتمع المسلم من التخلف التاريخي الذي هو غارق فيه، دون أن يُصَارِعَ اليسار، وأن يهزم، القوى الإسلامية الأُصُولِيَة. 2) إن تَـبَاعُد حزب النهج عن أحزاب اليسار الثلاثة [الطليعة، والاشتراكي الموحّد، والمؤتمر الاتحادي]، وفي نفس الوقت، تَـقَارُبُه النسبي من "تنظيم العدل والإحسان"، هو سلوك غير مُبَرَّر، وغير مُقنع، وغير سليم.
مع تحيات الاحترام والتقدير. رحمان النوضة (5 غشت 2019).



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن