ظهور المسيحية وانشقاقها من منظور اجتماعي قومي تاريخي

جورج حداد
george.haddad.bg@gmai.com

2019 / 8 / 12

جورج حداد*


اضطلع ظهور المسيحية وانشقاقها وفعالياتها بدور كبير جدا في التاريخ البشري بمجمله. ومن الطبيعي جدا ان يتناول المؤرخون الدينيون ورجال الدين الظاهرة المسيحية من وجهة النظر الدينية اللاهوتية والاكليروسية والايمانية والطقوسية. ولكن الظاهرة المسيحية هي اهم بكثير من ان تختصر في الجانب الديني ـ الايماني لوحده. ومع كل الاحترام للمؤسسات الدينية ورجال الدين الاجلاء، من الضروري جدا تناول الظاهرة المسيحية من وجهة النظر الاجتماعية التاريخية. ونحاول فيما يلي ان نقدم رؤيتنا المتواضعة من ضمن هذه الوجهة نظر:
في 146ق.م انتهت الحروب البونيقية (بين روما وقرطاجة) بقيام الجيش الروماني بالتدمير الكامل لقرطاجة (في شمال افريقيا ـ تونس اليوم) التي، كما تقول المصادر التاريخية، كان يقطنها 700.000 نسمة قتل منهم 300.000 وفر قسم قليل، اما القسم المتبقي فباعهم الجيش المنتصر بالجملة للنخاسين اليهود، الذين فرزوهم وباعوهم بالمفرق كعبيد للنبلاء والاغنياء الرومان، والعجزة والضعفاء كطعام للحيوانات المفترسة في ملاعب النبلاء. ثم احتل الجيش الروماني كل شمال افريقيا ومصر واثيوبيا والشرق الادنى (سوريا وفلسطين ولبنان والاردن والعراق) ثم احتل اسيا الصغرى والبلقان وشواطئ البحر الاسود حتى رومانيا ووقف على حدود روسيا التي عجز او "امتنع" مكرها عن احتلالها. وقد استعبد الرومان شعوب جميع الاراضي التي احتلوها. وكانت تلك الشعوب تناضل ضد العبودية الرومانية. واتخذ هذا النضال شكلين:
الشكل الاول ـ هو الانتفاضات المسلحة، واهمها انتفاضة العبيد بقيادة سبارتاكوس سنة 73ـ71ق.م
والشكل الثاني ـ هو ظهور الدعوة "المسيحية" على قاعدة الفلسفة الرواقية التي طرحها وعلمها في اثينا الفيلسوف زينون الفينيقي (334 ق.م. – 262 ق.م)، وقد عرضت عليه المواطنية او الجنسية الاثينية ولكنه اعتذر وقال: ولدت فينيققيا وأموت فينيقيا.
وبالفلسفة الرواقية عارض زينون منظومة الاخلاق الرومانية ونظام العبودية والتمييز العنصري لروما، وبها ـ اي بالرواقية ـ دعا الى سيادة الاخلاق، والى المساواة والتآخي والمحبة بين البشر، والى رفض العبودية والظلم الاجتماعي.
وانتشرت الرواقية بين المثقفين في العالم الهيلينيستي وكانت بمثابة تمهيد فكري لظهور المسيحية.
وكانت الدعوة "المسيحية" تبشر بولادة المسيح الذي سيخلص البشرية من العبودية والآلام والشقاء، بطريقة دينية عجائبية، الهية او ربانية.
ومن زاوية نظر اجتماعية تاريخية يمكننا استنتاج ما يلي:
اولا ـ إن الحروب القرطاجية والانتفاضات المسلحة كانت هي الشكل السياسي ـ العسكري لمحاربة نظام العبودية الرومانية؛
ثانيا ـ ان الرواقية (فينيقية المنشأ) كانت هي الشكل الفلسفي ـ المناقبي لـ"القضية القرطاجية" والنضال ضد منظومة الاخلاق والقوانين العبودية الرومانية؛
ثالثا ـ ان "المسيحية" (قبل وبعد ظهور السيد المسيح) كانت هي الشكل الديني ـ الوجداني والاخلاقي لتلك "القضية"، وبالتالي كانت استمرارا دينيا ـ اخلاقيا للجانب القرطاجي (الفينيقي) في الحروب البونيقية.
وبكلمات اخرى فإن ظهور المسيحية وانتشارها هو استمرار للحروب القرطاجية ضد روما، بقالب دعوي سلمي، ديني ـ اخلاقي.
وهذا ما يفسر لنا رمزية كون السيد المسيح، العبري المولد، تخلى عن اللغة و"الحضارة" (بما فيها الديانة) العبرية ـ اليهودية، وتبنى اللغة الآرامية (الفينيقية ـ الكنعانية ـ القرطاجية) وكرز وبشّر بها ومات عليها. (حينما طعن الجندي الروماني المسيح ببالحربة وهو ينازع على الصليب، التفت المسيح الى فوق ونطق بالارامية "إيلي، إيلي، لِمَ شبقتني؟"، اي لِمَ تركتني؟).
ويفسر لنا "الشراكة المصلحية" الرومانية ـ اليهودية، منذ تدمير قرطاجة، الى صلب السيد المسيح، وحتى يومنا هذا.
كما يفسر لنا التبني الشديد، واسع النطاق، للمسيحية وتولي نشرها في كافة ارجاء العالم، من قبل السوريين القدماء (الاراميين ـ الفينيقيين ـ الكنعانيين) او السريان القدماء، حيث يمكن اعتبار السوريانية القديمة (بالمعنيين القومي والديني) هي الأم "الحضارية" و"القومية" للمسيحية.
ونخلص من ذلك الى القول ان ظهور وتبني "الدعوة المسيحية" قبل ظهور السيد المسيح هو الجذر التاريخي الاول والاساسي للمسيحية "الشرقية" (التي سنأتي الى الحديث عنها لاحقا).
وحينما ولد السيد المسيح في المغارة في بيت لحم بفلسطين ذهب المسيحيون المحليون (اي "الشرقيون") وانحنوا له، وتبركوا منه، واخذوا من ثم يبشرون بولادة المسيح ـ المخلص.
وفي الوقت نفسه كان القادة اليهود يعتقدون انه سيأتي "مسيح" خاص بهم كملك جبار يجعلهم "شعب الله المختار" وحكام العالم. وتخلط غالبية المؤرخين الدينيين بين الدعويين "اليهودية" و"المسيحية" لظهور المسيح.
ولكن حينما علم القادة اليهود ان المسيح ولد في مزود للرعاة الفقراء في بيت لحم، ادركوا ان هذا الطفل الذي ولد ليس هو "مسيحهم اليهودي" الذي ينتظرونه، بل هو "المسيح المسيحي" الذي سيخلص العالم من الرأسمالية اليهودية ومن العبودية الرومانية. وهكذا قام القادة اليهود بالتآمر مع الحاكم الروماني هيرودوس لقتل المسيح الطفل. فعمدوا الى ارتكاب مجزرة اطفال بيت لحم التي قتل فيها الوف الاطفال من عمر سنتين فما دون. ولكن العائلة المقدسة (يوسف ومريم والطفل يسوع) كانت قد هربت سرا الى مصر حيث اختبأت لسنوات لدى المؤمنين بالدعوة "المسيحية" الى ان مات الحاكم الروماني هيرودوس.
وقد انطلق المسيحيون المحليون ("الشرقيون") يبشرون على نطاق واسع بولادة المسيح ـ المخلص. وانتشرت الدعوة في كل ارجاء المنطقة المحتلة من قبل الرومان: من موريتانيا الى ايران الى البلقان. وبدأ الرومان بالتعاون مع القادة اليهود واتباعهم في حملة اضطهاد وحشية ضد المسيحيين "الشرقيين" الذين تحملوا عذابات لا توصف. وبلغت حملة الاضطهاد قمتها في اعتقال وتعذيب واهانة وصلب السيد المسيح.
ونخلص من ذلك الى القول ان الاضطهاد الوحشي المشترك، الروماني واليهودي، للمسيحيين، والكفاح السلمي ـ الاخلاقي والديني ـ ضد الاضطهاد الروماني وضد اليهود المتعاونين معه: هذا هو الجذر التاريخي الثاني للمسيحية "الشرقية".
وقد استمر الاضطهاد الوثني الروماني ضد المسيحيين حتى عهد الامبراطور قسطنطين الكبير الذي حكم الامبراطورية الرومانية في السنوات (306 ـ 337م). وقد اكتشف قسطنطين انه في وقت كانت فيه الدولة الرومانية تطارد وتضطهد المسيحيين فإن والدة الامبراطور نفسه، اي أمه بالذات (القديسة هيلانة)، كانت قد اعتنقت المسيحية. وبهذا الاكتشاف ادرك قسطنطين ان الاضطهاد ليس هو السبيل الى القضاء على المسيحية التي اثبتت انها اقوى من الدولة الرومانية، فأقدم قسطنطين على حركة انقلابية تاريخية كبرى، وهي انه اوقف الاضطهاد ضد المسيحيين واطلق حرية المعتقدات الدينية، كخطوة اولى نحو الغاء الوثنية كدين للدولة الرومانية، ونحو التحول الى المسيحية كدين للدولة، وذلك من اجل تجديد الركيزة الايديولوجية ـ الدينية للدولة الرومانية وتدعيمها واستخدام المسيحية لهذا الهدف. وطبعا اعتنق هو ايضا المسيحية صوريا (في رأينا). ومنذ ذلك الحين صار هناك فئتان من المسيحية:
ـ1ـ المسيحية القديمة ـ الاصلية ـ "الشرقية"، التي نشأت (قبل ولادة السيد المسيح) في الصراع ضد الامبراطورية الرومانية، والتي ينتمي اليها السيد المسيح نفسه ويوحنا المعمدان ومريم العذراء ويوسف النجار والرسل ومريم المجدلية وجميع الشهداء القدماء. ولكن هذه المسيحية "الشعبية" ظلت كنيسة (او كنائس) قوية الايمان وواسعة الانتشار، الا انها كانت كنيسة (او كنائس) فقيرة وضعيفة الامكانيات، لكونها تعتمد فقط على معتنقيها من الناس العاديين، الفقراء في غالبيتهم.
ـ2ـ والمسيحية الجديدة الرومانية (نسبة الى روما) التي قامت بمراسيم امبراطورية رومانية وحصلت على كل اشكال الدعم من قبل الدولة الرومانية، اذ انها ظهرت كدين للدولة واصبحت تمثل المنطلق الايديولوجي ـ الديني لقمع الشعوب الخاضعة لروما وللجماعات الشعبية اللاتينية ـ الايطالية ذاتها، التي كانت قد صارت بأكثريتها مسيحية. وهذا هو المنطلق والمرتكز الاساسي للكنيسة الجديدة ـ "الغربية"، التي نشأت بقرار وبدعم من روما، في مواجهة الكنيسة (او الكنائس) القديمة ـ "الشرقية"، التي نشأت في الكفاح ضد روما.
وبعد رفع الحظر عن المسيحية وظهورها الى العلن، بدأت الجماعات المسيحية في تنظيم اوضاعها في كنائس (الكنيسة: اي الجماعة الدينية المسيحية) على الاساس الوطني، اي على اساس رابط اللغة الوطنية المشتركة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المشتركة. وهكذا نشأت مجموعة من الكنائس الوطنية في مختلف البلدان والاقاليم، كالكنيسة القبطية في مصر، والكنيسة السوريانية في سوريا ولبنان وفلسطين، والكنيسة الارمنية، واليونانية (الاغريقية) والصربية والبلغارية الخ. وكان لكل كنيسة البطريرك او البابا الخاص بها، ويتم انتخابه انتخابا من قبل مجمع الاساقفة لتلك الكنيسة الوطنية. وحينما يجتمع عدد من بطاركة الكنائس الوطنية، يترأس الاجتماع احدهم ويعتبر "مقدّما بين متساوين". وانطبق الشيء ذاته على باباوية روما (الكنيسة اللاتينية او الايطالية). الا ان باباوية روما اتخذت لنفسها صفة الكنيسة الجامعة او الشاملة (كاثوليكية) اي كنيسة جميع الكنائس او الكنيسة سيدة جميع الكنائس الوطنية الاخرى، انطلاقا من تقاليد الامبراطورية الرومانية بأن تكون روما هي سيدة العالم.
وجوابا على تأسيس وتسمية كنيسة روما الكاثوليكية (الشاملة) الكوسموبوليتية، بدأت تظهر تسمية "الاورثوذوكسية" (اي المستقيمة، او الصحيحة، او ـ ضمنا ـ الوطنية): الكنيسة الارمنية الاورثوذوكسية، او القبطية الاورثوذوكسية، او السوريانية الاورثوذوكسية الخ. فإذا سئل مثلا احد المسيحيين الارمن: هل انت "كاثوليكي"؟ اي ما معناه ـ ضمنا ـ هل انت تابع لروما؟ يجيب: كلا! انا ارمني اورثوذوكسي، اي ارمني مستقيم، او صحيح، او حقيقي، اي ـ ضمنا ـ مسيحي ارمني وطني.
فكلمة اورثوذوكسي هنا هي صفة لموصوف هو المسيحي الوطني (الارمني او السورياني الخ). اما عبارة كاثوليكي ارمني مثلا، فتعني ان الشخص المقصود هو كاثوليكي (اي تابع لروما) من ارمينيا.
هذا الاختلاف تكرس فيما بعد في انشقاق المسيحية في 1054 الى:
ـ كنيسة "غربية" عالمية بزعامة بابوية روما تسمى الكنيسة الكاثوليكية (التي انشقت عنها فيما بعد الكنائس الغربية الاخرى المسماة بروتستانتية).
ـ وبقية الكنائس الوطنية الاخرى المسماة "شرقية" او اورثوذوكسية.
والجدير ذكره هنا:
ـ انه مثلما كانت الامبراطورية الرومانية والقيادة اليهودية في ذلك الزمن في جبهة واحدة ضد "الفلسطيني" يسوع المسيح، الذي اعتقلوه وعذبوه واهانوه وحكموا عليه بالموت مرتين: يهوديا ورومانيا، ودينيا ومدنيا، ثم قتلوه بتعليقه على الصليب؛ فإن الدول الغربية اليوم (اوروبا الغربية واميركا)، وريثة الامبراطورية الرومانية القديمة، لا تزال تقف في جبهة واحدة مع القيادة اليهودية العالمية واسرائيل، تعادي الشعب الفلسطيني وتمارس يوميا القتل والتشريد ضد الفلسطينيين واشقائهم السوريين والعرب.
ـ اما الدول المسيحية "الشرقية" وعلى رأسها روسيا، فإنها تدعم الفلسطينيين وتعارض الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية.
واستطرادا فإن الدول "الغربية" تمارس وتدعم السياسة الاستعمارية ـ الامبريالية ضد الشعوب الاخرى المستضعفة.
في حين ان روسيا "المسيحية الشرقية" والدول الحليفة لها تدعم الشعوب المناضلة من اجل الحرية والاستقلال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن