النظام العقائدي النصيري: {مفهوم الإله ج2}

إبراهيم جركس
outlandish2020@yahoo.com

2019 / 8 / 11

إنّ مفهوم الظهورات السبعة للإله موجود أيضاً في النظام العقائدي الدرزي. واستناداً لمعتقدات الدروز، ظهر حمزة بن علي، مؤسس العقيدة الدرزية، سبع مرات في هذا العالم بصورة بشرية. ويتضمّن كرّاس التعاليم الدرزية السؤال التالي: كم مرةً ظهر حمزة، وما هي أسماؤه؟. الجواب: ظهر سبع مرات، من آدم إلى النبي محمد. ثمّ يتمّ سرد الأسماء التي ظهر بها حمزة في كل فترة من الفترات السبعة[ 1]. أمّا سلفستر دي ساس فيشكّك في أصالة هذه التعاليم الدرزية، لأنّه لم يعثر على عدد المرّات التي ظهر فيها حمزة في أيّة مصادر درزية أخرى[ 2].
نفس الكرّاس الدرزي يتضمّن سؤالاً آخر بخصوص الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله [توفي سنة 1021م]، الذي يعتبر الإله الأعلى عند الدروز، بالإضافة إلى أسمائه والمقامات (العصور، أو الفترات) التي ظهر فيها[ 3]. ويُظهِر الوصف الوارد لظهورات الخليفة الحاكم أنّ الدروز، على غرار النصيريون، يؤمنون بإلهٍ واحد بقي ثابتاً ومستقراً بالرغم من أنّه أظهر نفسه بأشكال وصور مختلفة. كما يشير إلى أنّ الإله وحجابه متّحدان مندمجان إلى أبعد حد في الأقوال والأفعال التي تشكّل شخصاً واحداً. بغضّ النظر عن عدد ظهوراته، يبقى الإله كياناً واحداً. فهو سابقٌ للخليقة ونموذج للإنسان الأولي والكامل. أمّا سبب ظهور الحاكم في صورة البشر كان تمكين الإنسان من إدراك وجوده بشكل كامل. ويعتبر الحاكم بأمر الله من قبل الدروز ذروة كل الظهورات التي أشارت إليه ودلّت عليه وانتهت واكتملت به[4 ].
إنّ النظام العقائدي الدرزي والنظام العقائدي النصيري متماثلين ومتشابهين إلى حدٍ كبيرٍ يدعو للدهشة، مع استثناء جوهري وحيد: الحاكم بأمر الله هو الإله بالنسبة للدروز، بينما المعنى علي هو الإله بالنسبة للنصيريين. وليس من المفاجئ إذن أن تدعو تعاليم الدروز الدينية إلى لعن النصيريين وإدانتهم لأنهم فصلوا أنفسهم عن الدروز[5 ]. ومن المثير للاهتمام ملاحظة أنّ كِلا الطائفتين لهما نفس الجذور في بلاد فارس. فالمؤسّسَين الأوائل: محمد بن نصير عند النصيريين وحمزة بن علي عند الدروز، كانا من أصل فارسي. وكذلك مؤسّس الطائفة الإسماعيلية بفرعها "الحشّاشين"[ 6]. وسندرس فيما بعد بالتفصيل التاثيرات الفارسية على النظام العقائدي النصيري.
رأينا في بداية هذا الفصل أنّ الركن الأول من أركان العقيدة النصيرية هو وحدانية الله المطلقة، الأزلي، السرمدي، الأبدي، ذاتي الوجود. لكنّنا لاحظنا أيضاً أنّ هذا الإله يتألّف من ثلاثة أقانيم: (المعنى)=علي، و(الاسم/الحجاب)=محمد، و(الباب)=سلمان الفارسي، وهؤلاء الثلاثة يشكّلون ثالوثاً قدسياً لا ينفصم. من الناحية الجوهرية، هؤلاء الثلاثة يمثّلون علي بن أبي طالب. كما جاء في كتيّب تعليم أسس العقيدة النصيرية، فإنّ "المعنى" و"الاسم" و"الباب" جميعهم متّحدون كاتّحاد أسماء البسملة (الله، الرحمن، الرحيم)، وهي الصيغة التي تسبق كل سورة من سور القرآن ما عدا سورة واحدة [هي سورة التوبة]. ما يقصده مؤلّف هذا الكتيّب التعليمي بشأن هذه الصيغة هو أنّ "الله" يشير إلى "المعنى" (علي)، و"الرحمن" يشير إلى "الاسم" (محمد)، و"الرحيم" يشير إلى "الباب" (سلمان الفارسي)[ 7]. ((س10: ما هو الاسم والمعنى والباب؟. ج: هو ثالوث غير منفصل، تدلّ وحدانيته على إلهية مولانا، ولهذا نقول "بسم الله الرحمن الرحيم"، فلفظة "الله" تدل على المعنى، ولفظة "الرحمن الرحيم" تدل على الاسم والباب.)).
السؤال رقم 12 من نفس الكتيّب التعليمي يسأل: ((هل أنّ الباب والمعنى ينفصلوا من الاسم؟. ج: كلا... بل إنّهم متّصلين إليه ولا عنه منفصلين))[8 ]. وهذا الثالوث المقدّس، الذي يُرمَز له بالأحرف المبدئية من كل اسم (ع. م. س [عمس])، يشكّل جوهر إلهي واحد. فنحن نقرأ في مناظرة الشيخ النشابي: ((الشخص الذي عايناه بالصورة المرئية البشرية [علي] هو الميم [محمد]، ومحمد وعلي وسلمان هم جوهر واحد ونور واحد))[9 ].
كل واحد من هؤلاء الشخوص الثلاثة يُظهِرُ نفسه بالآخَرَين، مع أنّهم بوصفهم "العَليّ الأعلى" لا يتغيّرون ولا يتبدّلون. فليس هناك فرق بين "المعنى" و"الاسم". فهذين الكيانين لا يمكن الفصل بينهما، فهما "كشعاع الشمس من القرص"[ 10]. يقول العالِم النصيري من القرن العاشر ميلادي الشيخ علي بن عيسى الجسري في كتابه "رسالة التوحيد" أنّ الله هو الاسم والمعنى. ((إنّ الله اسم المعنى، وهو الاسم الذي يظهر للعالم ليعرفوا به المعنى، وينادوه به، ويوحّدوه. المعنى لا ينفصل عن اسمه، واسمه لا ينفصل عن معناه، والاسم هو خالق كل شيء))[ 11].
يؤمن النصيريون أنّ هؤلاء الأشخاص الثلاثة هم واحد في الحقيقة. ومن قبيل الجهل المَحض، بل والكفر أيضاً، الفصل والتفريق بينهم. والنصيري الذي لايعترف بالعلاقة الحقيقية بين هؤلاء الأقانيم الثلاثة لايُعَدُّ مؤمناً حقيقياً. وهذا ما تشهد عليه المصادر النصيرية، التي تنسب إلى الإمام جعفر حديث يقول فيه: ((مَنْ عَبَدَ الاسم من دون المعنى فقد كَفُر، ومَنْ عَبَدَ الاسم والمعنى فقد أشرَك، ومَنْ عَبَدَ المعنى بحقيقة الاسم فقد وَحَّد...))[ 12].
يشكّل هذا الثالوث المقدّس أساس العقيدة الدينية النصيرية. ففي السورة التاسعة من كتاب المجموع [كتاب الباكورة السليمانية] تسمّى هذه السورة "بالعين العلوية"، في هذه السورة يرتبط محمد بن نصير، المؤسّس الأصلي للطائفة النصيرية، بشكل وثيق مع الشخص الثالث من الثالوث: سلمان الفارسي. وهذا الثالوث هو النقطة المركزية في شهادة الإيمان النصيرية: ((شهادة أن لا إله إلا علي بن أبي طالب الأصلع الأنزع المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي المقصود))[13]. وهذا الثالوث مقدّسٌ جداً لدرجة أنّه في "كتاب المشيخة" يتمّ التضرّع للمعنى علي بصيغة ((بحق المعنى، والاسم، والباب)). وفي نفس الكتاب، تتمّ الإشارة إلى ((المعنى القديم، والاسم العظيم، والباب الكريم))[ 14]. وفي المصادر النصيرية، يتمّ الحديث عن زوجة النبي، أُم سَلمة، أنّها مُخَوّلة بالأنعام الدالّة بولايتها على ظهورات المعنى والاسم والباب[15.
وهكذا، فإنّ الثالوث الذي ترمز له الحروف المبدئية [ع. م. س عمس] هو صلب العقيدة النصيرية. ولن يُقسِم أي شخص نصيري متعلّم بهذا الثالوث كَذِباً. في الحقيقة، يخبرنا "كتاب الباكورة السليمانية" أنّ أكثر الأفعال إلزاماً بين النصيريين تتمثّل في وضع يد الشخص فوق يد الآخر والقول: ((أمّا اليمين الثابتة عند النصيرية كافةً فهي أن تضع يدك في يده وتقول "أحلّفك بأمانتك عقد علي أمير المؤمنين وبعقد ع م س"، فلا يمكنه بعد هذا اليمين أن يكذب))[16 ]، وبهذا تلزمه أن يقول الحقيقة.
شكل آخر من أشكال القَسَم وهو أن يضع إصبعه في فمه ويبلّلها بلعابه ويضعها في رقبة الشخص الآخر. ((وأيضاً بلّ إصبعك بريقك واجعلها في عنقه وتقول "تبرّيتُ من خطاياي وأوضعها في عنقك وأحلّفك أيضاً بأساس دينك بسر عقد ع م س أن تخبرني عن صحة أمر كذا" فلا يمكنه الكذب بعد هذا)). هذا الشكل من القَسَم يحول دون القول الباطل. وهكذا، فإنّ كامل حياة النصيريين _سلوكهم وعلاقاتهم ببعضهم البعض_ تحرّكها نعمة هذا الثالوث وإيمانهم والتزامهم به[17 ].
بالنسبة للنصيريين، تحتوي كلمة "عمس" سِرّ أو لغز ثالوثهم، مع الأخذ في الاعتبار سر الثالوث المقدّس في المسيحية، على الرغم من أنّ المسيحيين لايستخدمون خطابات غامضة ومبهمة للدلالة على الثالوث. أمّا عادة استخدام الحروف المرمّزة فكانت عادة متّبَعَة عند الشعوب والحضارات القديمة لإبراز القوى الغامضة الخفية والكامنة في الكون أو الآلهة[18 ]. تبدأ بعض سور القرآن بكلمات مبهمة ومرمّزة لا يستطيع أحد تفسيرها أو شرحها، إلا الله والراسخون في العلم الذين يتمتّعون بمعرفة كاملة في العلوم الدينية {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [سورة آل عمران: 7][19]. ربّما كانت مشيئة الله أن يترك بعضاً من خططه الإلهية السرية غامضة وغير مفهومة تماماً من قبل البشر، كما هو مذكورٌ في القرآن: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]
يحتوي كتاب "الجَفر"،الذي أوحي للإمام جعفر الصادق كما يؤمن الشيعة، يحتوي _من جملة أمور أخرى_ تفسيراً باطنياً/تأويلاً لمعاني الحروف المبهمة في القرآن[20 ]. في الحقيقة، قَرَنَ بعض النصيريين، وبالأخص الشيخ النصيري من القرن التاسع عشر محمد بن كلازو، الحروف المبدئية "ع م س" بالمعنى الروحي للدلالة على مراحل وأطوار القمر: هلال، وبدر، وقمر[21] .
بإيجاز شديد، يشكّل كلاً من المعنى والاسم والباب ثالوثاً موحّداً لا ينفصم، على غرار صيغة البسملة في القرآن ((بسم الله الرحمن الرحيم)). نضيف أنّ المعنى والاسم والباب يتميّزون بألقاب ثلاثية الأوجه: مَثَلية، وذاتية، وصفاتية. الأسماء أو الألقاب المَثَلية خاصة بالمعنى، أمّا الذاتية هي التي يستخدمها الاسم، لكنّها تشير حصراً إلى المعنى، كما هو الحال عندما نقول ((بسم الله الرحمن الرحيم)). وبهذا يبدأ صاحب كتاب تعليم الديانة النصيرية تعاليمه ((بسم المعنى القديم، والاسم العظيم، والباب المقيم، وهو الله الرحمن الرحيم))[ 22].
إنّ الصيغة الإسلامية الرسمية للبسملة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) يتم تفسيرها عند النصيريين وفقاً للمعاني الظاهرية والباطنية للأسرار الإلهية. لذلك نرى في السؤال 98 من الكتّيب ما يلي:
((س98: ما هو الباطن وما هو الظاهر؟
الجواب: إعلم أنّ لفظة الباطن تدلّ على لاهوت مولانا، والظاهر يدلّ على إنسانيته. ففي الظاهر نقول مولانا علي بن أبي طالب، ومعناه في الباطن المعنى والاسم والباب، وهو الله الرحمن الرحيم))[ 23]. أو كما أشار جوزيف كاتافاغو في وصفه لكتاب "مجموع الأعياد" أنّ كاتبه، أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني [توفي سنة 1934م]، يميّز بين ثلاثة أوجه في علي: اللاهوت أوجوهر الوجود، والنور أو الحجاب، والباب وهو الروح القُدُس الأمين[ 24].
لقد ارتبط ثالوث النصيريين عند معظم الباحثين بأمثاله من الديانات الأخرى. فالمحترم صموئيل لايد على سبيل المثال يقول أنّ النصيريين أخذوا أفكار ومفاهيم كثيرة من الديانة المسيحية، بما فيها عقيدة الثالوث[ 25]. أمّا القسّ هنري لامنس، الذي يعتقد أنّ النصيريين هم في الأصل مسيحيون غيّروا ديانتهم، ويشير إلى أنّهم تمسّكوا بالعديد من المبادئ المسيحية، بما فيها عقيدة الثالوث[26 ]. ومن ناحية أخرى، يرى رينيه دوسو، في الثالوث النصري كافة خصائص تَكَيُّف الطوائف المحلية واندماج معتقداتها ومفاهيمها، ويؤكد أنّ مفهوم الثالوث كان شائعاً في جميع الطوائف السريانية-الفينيقية القديمة[ 27]. بالرغم من أننا سنعود لمناقشة هذا الموضوع بالتفصيل في وقتٍ لاحق، ولكن تجدر الإشارة إلى عدم وجود أي تطابق أساسي بين الثالوث النصيري والثالوث المسيحي، بالرغم من التشابه في المصطلحات. حسب الديانة المسيحية، يتألّف الثالوث المقدّس من الآن والابن والروح القُدُس، ثلاثة أشخاص هم في الأصل كيان واحد موحّد في الجوهر والقدرة والألوهية. إنّهم إلهٌ واحدٌ، متكافئين، متساوين من حيث الوجود والقِدَم. في هذا الثالوث الإلهي، نرى أنّ الابن، يسوع المسيح، مولود، وليس مُختَرَع [مثل الاسم في الثالوث النصيري]، والروح القُدُس ينبثق من الأب، لكنّ الثلاثة ما هم سوى إله واحد، وهم ثالوث في اتحاد واتحاد في ثالوث.
أمّا الثالوث النصيري، فليس ثالوثاً من أشخاص توحّدوا في إله واحد، لأنّ "المعنى" [علي] خَلَق[**] "الاسم" [محمد]، الذي خَلَقَ بدوره الباب [سَلمان الفارسي]. ويصبح الأمر أكثر وضوحاً من خلال أحد الأسئلة في كتاب تعلم الديانة النصيرية:
((س11: كيف المعنى اخترع الاسم وكيف الاسم اخترع [خَلَقَ] الباب؟
الجواب: إعلَم أنّ عنصر العناصر وجوهر الجواهر قد اخترع الاسم من نور وحدانيته...))[28].
ووفقاً لما جاء في كتاب المشيخة: (([المعنى علي] اخترع من نور أحَدِيّته وأنزعيته وصمدانيته نوراً منبجساً من جوهر معنويته فسمّاه الله حين ناجاه وحرّكه من سكونه واصطفاه وسمّاه باسمه واجتباه، ولم يكن له ربٌ سواه وجعله نوره البارق وواحده الخالق ولسانه الناطق، وأقامه بالأمر العظيم والسبب القديم، وجعله دائرة الوجود ومحراب السجود بأمر العلي المعبود، وقال له: كُنْ مبوّب الأبواب ومسبّب الأسباب، فعندها الحجاب خلق الباب بأمر مولاه وغايته ومعناه وكاشف ضرّه وبلواه وأمره أن يخلق العوالم العلوية والسفلية...))[ 29].
نعلم من هذا المقطع أنّ المعنى علي خَلَقَ/اخترع الاسم محمد، وأنّ محمداً لا إله عليه سوى المعنى علي. وبصفته مخلوق لعلي [المعنى]، لايمكن أن يكون محمد [الاسم] متجانساً مع المعنى علي في ألوهيته. عليه أن يشغل مكانة أدنى في الثالوث النصيري، كما هو واضح من كتيّب التعليم النصيري، الذي يكلّف محمد [الاسم] بواجب دعوة المؤمنين إلى معرفة ربهم العلي الأعلى. يقول الكتيّب أيضاً أنّ علي هو من علمّ محمد القرآن عن طريق جبريل[ 30]. وهناك المزيد من الدلائل والبراهين على المكانة المتدّنية للاسم [محمد] بالنسبة للمعنى [علي] تظهر من خلال أقواله: ((لأنّ علياً خلقني من نور أحديته وصمديته وأنزعيته))، وأيضاً ((أليسَ علي بربي وربكم؟))[31 ]. ولهذا السبب بالذات نجد في المصادر النصيرية دلائل تشير إلى اقتران الاسم بالمعنى. وقد استشهدنا سابقاً بالحديث المنسوب للإمام جعفر الصادق: ((مَنْ عَبَدَ الاسم من دون المعنى فقد كَفُر، ومَنْ عَبَدَ الاسم والمعنى فقد أشرَك، ومَنْ عَبَدَ المعنى بحقيقة الاسم فقد وَحَّد))[32 ]. ونفس الإمام جعفر الصادق يقول مفسّراً في كتاب الهفت الشريف أنّ الله، المعنى، يقرّع المؤمنين لعبادتهم الاسم من دون المعنى، سائلاً إياهم: ((هل ستعبدون الاسم من دون المعنى؟)). ما يشير بوضوح إلى أنّ عبادتهم يجب أن تكون مركّزة للمعنى وحده[33].
وهكذا يتّضح أنّ الثالوث النصيري مختلف تماماً عن الثالوث المسيحي، فهو ليس مؤلّفاً من أقانيم أو شخوص متساوين في المقام والمكانة، كما في الثالوث المسيحي، فالثالوث في المسيحية هو ثلاثة أشخاص من جوهر واحد وقدرة واحدة ووجود واحد. أمّا الثالوث النصيري فهو بالأحرى ثالوث شراكة، فيه المعنى علي والاسم محمد والباب سلمان يشكّلون ثلاثة جوانب مختلفة للطبيعة الإلهية.
مع أنّ الثالوث النصيري يختلف جوهرياً عن الثالوث المسيحي، نلاحظ أنّ سليمان الأذني في تفسيره لسورة الفتح يقول أنّ هذا الثلاثي، علي ومحمد وسلمان الفارسي هم شخوص "الثالوث المقدس" عند النصيريين. ويقول مفسّراً أنّ علياً [المعنى] في هذا الثالوث يقابل الآب، ومحمد [الاسم] يقابل الابن، وسلمان الفارسي [الباب] يقابل الروح القُدُس، أي شخوص الثالوث المقدس المسيحي[34 ]. قد يكون قول الأذني هنا مبرّراً عندما اقترح هذا التقابل بين شخوص الثالوث النصيري والمسيحي، إذ أنّنا نعثر في النصوص النصيرية القديمة على اعتراف صريح ببُنُوّة المسيح ووحدة جوهره مع الأب، مع أنّ هذه المصادر لا توحي بوجود تشابه بين الثالوثين النصيري والمسيحي.
يصف الإمام جعفر الصادق في "كتاب الأسوس" [أو الأُسُسْ] الدورات السبعة للظهورات الإلهية. فهو يقول أنّه في كل دَورة من هذه الدوارت، كان الله يلعب دوراً مختلفاً. ففي الفترة الموسوية على سبيل المثال، أمر الله موسى ببناء قبّة ليسكُنَ فيها. كما أعطى الرب لموسى التوراة وأمره بتعليم الإسرائيليين مبادئ الطهارة، والامتناع عن تناول لحوم أنواع معينة من الحيوانات المحرّمة لديهم. ويستأنف الصادق: ((فَلَمّا جاء المسيح الابن، وإنّما هو الآب في صورة الإبنية، فَحَلّ في المريمية، وغيّر سُنّة موسى ورحمهم... ورفع عنهم الغسل من الجنابة والوضوء)).
يتابع الصادق قائلاً: ((أفلا ترى أيها السائل أنّه قد أعتقهم [الإسرائيليين] مِنْ كثير مِمّا فَرَضَ عليهم موسى من الأغلال والآصار؟))[ 35]. في هذا الحديث، نجد أنّ مفهوم الأب، والابن المُتّحد مع الأب والذي تجسّد في العذراء، هو صلب وأساس الديانة المسيحية. السياق هنا نصيري بحت دون أدنى شك.
إذن، ما هي العلاقة بين المعنى علي والاسم محمد في النظام اللاهوتي النصيري؟...
لا يمكننا الإجابة عن هذا السؤال إلا من خلال تسليط الضوء على كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة من الثالوث النصيري على حِدَة. وهذا ما سنقوم به خلال الفصول التالية.

الفصل السادس والعشرون من كتاب:
Extremist Shiites: The Ghulat Sects, Matti Moosa, Syracuse University Press, 1988, NY, PP. 311-323
للتواصل على البريد الإلكتروني: berojarkass2016@hotmail.com
==================================================================

1 ) انظر كتاب تعليم الحكمة الدرزي، مخطوط المكتبة الوطنية بباريس، [Arab MS. 5188, fob 58]، واللغز الآسيوي، صـ87.
2) De Sacy, Expose, 1:65—67
3 ) المكتبة الوطنية بباريس، [Arab MS. 5188, fols. 59]
4 ) لتفاصيل أكثر أنظر: De Sacy, Expose, 1:66
5 ) انظر كتاب تعليم الحكمة الدرزي، مخطوط المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 5188, fols. 5152, question 44]، السؤال 44.
6 ) De Sacy, Expose, 1:66
7 ) كتاب تعليم الديانة النصيرية، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 6182, fols. 4].
8) المصدر السابق.
9 ) انظر كتاب المناظرة، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 1450, fol, 139]
10 ) المصدر السابق، [fols. 96 -97]
11) رسالة التوحيد، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS, 1450, fol. 47]
12) المصدر السابق، [fols. 6 -7]. "المسائل" لأبي عبد الله ابن هارون الصائغ نقلها عن سيّده أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 1450, fol. 50]، أبو عبد الله بن شُعبة الحَرّاني، كتاب الأصَيفِر، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 1450, fols. 7b and 8a] حيث يستشهد المؤلّف بحديث عن الإمام الصادق: انظر: De Sacy, Expose, 2:581
13) انظر السورة الرابعة من كتاب المجموع واسمها "النسبة"، الأذني، الباكورة السليمانية، صـ14. وانظر أيضاً:
Dussaud, Histoire et Religion des Nosairis, 166
14 ) من أجل هذه الفقرات، انظر كتاب المشيخة ضمن كتاب لايد اللغز الآسيوي، صـ121. السورة السادسة من كتاب المجموع واسمها "السجود" في كتاب الأذني، الباكورة السليمانية، صـ21. والمقدمة في كتاب تعليم الديانة النصيرية، [Arab MS. 6182]
15 ) كتاب تعليم الديانة النصيرية، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 6182, question 22, fol. 6]، السؤال 22. وكتاب المشيخة، ضمن كتاب لايد اللغز الآسيوي، صـ121 و136
16) الأذني، الباكورة السليمانية، صـ83.
17) المصدر السابق، والحريري، العلويون النصيريون، صـ43.
18) Dussaud, Histoire et Religion des Nosairis, 65
19) انظر كتاب تيودور نولدكه
Theodor Noldeke, Sketches from Eastern History, trans. John Sutherland Black (Beirut: Khayat, 1963), 47-48
20) عبد الرحمن ابن خلدون، المقدّمة، (القاهرة: مطبعة مصطفى محمد)، صـ334 و338. انظر أيضاً:
Dussaud, Histoire at Religion des Nosairis, 67
21) الأذني، الباكورة السليمانبة، صـ64, Dussaud, Histoire et Religion des Norairis, 67
22) كتاب تعليم الديانة النصيرية، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 6182, fols. 1 and 4]
23) السابق، [Ibid., MS, 6182, fol. 19]
24) أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني النصيري، "كتاب سبيل راحة الأرواح ودليل السرور والأفراح إلى فالق الصباح المعروف بكتاب مجموع الأعياد". والعنوان الثاني هو العنوان المعتمد لهذا الكتاب. وتمّ العثور على هذه المخطوطة من قبل جوزيف كاتافاغو، مستشار القنصل الروسي ببيروت، والذي نشر باالغة الفرنسية عناوين الأعياد والمناسبات النصيرية وبعض صلواتهم، وخصوصاً المتعلقة بعيد النوروز وليلة الميلاد. انظر:
Catafago, “Notices Sur Les Anseriens, ” 149-68.
وتوجد ترجمة إنكليزية ضمن كتاب اللغز الآسيوي، صـ289-90. إلا أنّ النص الكامل لم يتمّ نشره إلا لاحقاً على يد الباحث رودولف شتروتمان ضمن ثلاث آجزاء. انظر كتاب الطبراني، مجموع الأعياد"، تحرير وتحقلق رودولف شتروتمان، ضمن مجلة Der Islam, 27 (1943—44): 1-60 and (1946): 161-273
25 ) Lyde, The Asian Mystery, 118. Cf. Dussaud, Histoire et Religion des Nosairis, 64
26 ) Dussaud, Histoire et Religion des Nosairis, 64
27) انظر
Henri Lammens, “Les Nosairis Furent-Ils Chretiens?” Revue de l ’Orient Chretien 6 (1901): 33—50 and idem, “Les Nosairis, Notes sur leur Histoire et leur Religion ,” Etudes Religieuses (1899): 4 8 2-83 and idem, “Au Pay des Nosairis ,” Revue de l’Orient Chretien (1899): 572, Seq and (1900): 99, Seq and Edward J. Jurji, “The Alids of North Syria,” The Moslem World 29, no. 4 (October 1939): 337, no. 30.
[**] الأصح هو أن نقول [اخترع] وليس "خَلَقَ" لأنّ الأساس أنّ المعنى اخترع الاسم من نور ذاته: ((أشهدُ بأنّ مولاي أمير النحل علي [المعنى] اخترع السيد محمد من نور ذاته، وسَمّاه اسمه...)) [كتاب المحجموع، أو الدستور، السورة الخامسة: سورة الفتح]
وأيضاً ((أشهد أنّ مولاي علي أمير المؤمنين الذي فتح الفتح المبين اخترع السيد محمد من نور ذاته وجَعَلَه حجابه الأعظم، وجَعَلَه موقع أسمائه وصفاته، وأنّ السيد محمد خلق السيد سلمان...)) أنظر سلسلة التراث العلوي، ج9، كتب العلويين المقدسة، تحقيق وتقديم أبو موسى والشيخ موسى، دار لأجل المعرفة، ديار عقل، لبنان، 2008، صـ20.
28) كتاب تعليم الديانة النصيرية، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 6182, fob 4,]
29 ) كتاب المشيخة، ضمن كتاب لايد، اللغز الآسيوي، صـ125. والأذني، كتاب الباكورة السليمانية، صـ19-20.
30) كتاب تعليم الديانة النصيرية، المكتبة الوطنية بباريس [ Arab MS. 6182, questions 3 and 73, fols. 2 and 15]، سؤال 3 و73
31) كتاب المشيخة ضمن كتاب لايد "اللغز الآسيوي"، صـ124.
32) انظر الكلمات الواردة في الملاحظة 39 في الأعلى. انظر أيضاً De Sacy, Expose, 2: 158
Dussaud, Histoire et Religion des Nosairis, 67 n, 7
33) كتاب الهَفت الشريف، صـ209.
34) الأذني، الباكورة السليمانية، صـ19-20.
35) كتاب الأسوس، المكتبة الوطنية بباريس [Arab MS. 1449, fols. 56b-57a]. والحريري، العلويون النصيريون، صـ50-51.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن