رواية مراد ساسي المشي على شفرة حادة ، رحلة الهروب من الموت الى الموت الأكبر

نائلة الشقراوي
elomriassnim@gmail.com

2019 / 8 / 8

أن تكون ناقدا متمرسا وشاعرا مشهود له بالتميز و تقرر أن تخوض تجربة كتابة الرواية فذاك قرار ليس هينا إذ أن تلك الصفات تلح عليك وتقف دائما بينك وبين السطور تذكرك أن أي خطئ لن يغفر لك .مراد ساسي خاض تلك التجربة الدقيقة وهو واع لشروطها وأحكامها فكانت رواية المشي على شفرة حادة الصادرة سنة 2019عن دار أبجديات للنشر هي المولود القادم من مخاض فكري وانساني عسير والتي تخبر عن تفاصيل التجربة ،فماهي الأطر العامة للسيرة الذاتية للكاتب والتي جعلها الكاتب سيرة الإنسان عامة ؟
المشي على شفرة حادة ،العنوان كعتبة دالة تشي بأن حيثيات الاحداث ستكون شاقة ،موهنة للبطل ولباقي الشخصيات التي برع الكاتب في ربط العلاقات بينها وبينه لينقل سيرتهم في اطار مكاني وزماني متعدد يهدف من خلاله الإشارة الى الرهق الذي يعيشه الإنسان في كونه ،الانسان المحكوم منذ بداية الخلق بنتيجة أخيرة وهي الموت ،الموت صراع الانسان الذي لا ينتهي وقد صدّر الكاتب روايته بقولة لكافكا"ياله من جهد أن تبقى على قيد الحياة "هنا حقيقة الرواية وحقيقة محجوب بطلها الرئيسي محجوب الذي جاء للحياة في شكل مقايضة مع الموت الذي أخذ أمه ليتركه يعيش ،ثم أخذ حبيبته الأولى عوضا عنه اذا ما اكتشف والدها علاقته بها .كل فصول الرواية محاولة للتغلب على الموت أو التحرر منه والفوز بالمتعة الكاملة لكن القدر الإنساني معلوم "هذا ما أنا عليه الآن فاكهة بنصف لذة ونصف متعة" فلا خلود ولا متعة كاملة ،والرحلة ليست إلا مشيا على شفرة حادة لابد معها من الحذر والمخاتلة والا قصفت الأنصال شرايينك وأردتك رهينة في مخالب الموت المتربص بك .نحن لا نحيا بل نعيش " نتدافع إلى الموت منزوعي الإرادة’ الكل يمشي على شفرة حادة وهو ينزف منذ الولادة" قالها مراد ساسي على لسان بطله محجوب ليبدأ التأريخ المستند لوقائع تاريخية متداخلة مع سيرة البطل ،ولم يكن التاريخ هدف الراوي وانما جعله كوعاء يتقد جمرا ليصطلي به جسد البطل وروحه ويكون سببا في تواتر الأحداث المتشابكة التي حرص الكاتب على تغذيتها بوقائع معروفة تاريخيا من تونس لإيطاليا للشام لصربيا .. وليحفر من خلاله في عمق الذات الإنسانية المغتصبة والمغتربة عن انسانيتها ،فالرواية واجهة مشرعة على مختلف مظاهر الإغتصاب بدءا باغتصاب الموت للجسد ،واغتصاب براءة الطفولة من قبل رجل الدين الشاذ ،و اغتصاب الانثى والتنكيل بها ثم سجن واغتصاب الروح والكرامة الإنسانية .كل اشكال القهر التي اعترضت الكاتب من بداية تشكل الوعي السياسي عنده بالجامعة الى مشارف رحلة هروبه المتكرر من كل مكان يظن انه وجد به الأمان محاولا الاستقرار وترميم الذات تنتهي بالفشل وينتهي محجوب الهارب من امكانية سجنه في بلده بعد أن انتقم لطفولته المغتصبة بقتل المؤدب ،ينتهي سجينا بعد كل ما قدم من تضحيات ليكون حرا فسفره كان هروبا ليحيا خارج السجن وكل ما اعترضه من عراقيل كان السجن الشبح الذي يطارده فيهرب من جديد.نوع من الصراع الشبيه برقعة الشطرنج تلك اللعبة التي يتقنها البطل و تبدأ بموت العسكر والخيول وتنتهي وجوبا بموت الملك .وليعود الموت للتشكل من جديد في هاجس الخوف والكوابيس التي ترافق البطل في صحوه وموته "هذا الموت يجلس معي على طاولة الطعام وينام مطمئنا على سريري " الموت بيننا حقيقة لا بد من التسليم بها والهروب منه كمن يحارب طواحين الهواء أو يهرب الى العدم ليصطدم بالحتمية نفسها وهي الصراع اللامنتهي وذاك هو القدر الإنساني الذي ينتهي إلى الوعي بأن التسليم نصف الإجابة والنصف الآخر منها هو الفعل ،الفعل يعني الكف عن الهروب و التخلي عن فوبيا الخوف الذي يسجننا في حالة من العجز الذي يتمكن من وعي الانسان فيشله عن التفكير وتحبط محاولاته لأن يحيا بدل أن يعيش على هامش الحياة .نهاية جد عميقة لرواية تشبه سيرة المتصوف وارتداده بين الجسد والروح بين المادة والجوهر بين الموجود والذي نسعى إليه وقد حاول الكاتب في آخر الرواية أن ينزع عنه جبة الصوفي ويتخلى عن التفكير الصوفي لكنه وجد نفسه في جوهره ،فالصوفية ليست تأملا فقط وانما هي عقل وتدبير ورؤية عرفانية تحيلنا الى السلام الروحي واينما حل السلام والارتقاء الروحي كان الإنجاز والفوز، وهذه النتيجة ليست مستغربة وانما هي جوهر الاستخلاف الذي يقول ان السعي عبادة وإلا انتهى المريد الى سجن اكثر ضيقا من سجن الحياة أو النفس .
المشي على شفرة حادة أدمت جوارح قارئها جعلته وجها لوجه مع حقائق نفسية واجتماعية أقل ما يقال عنها قذرة رغم محاولات الانسان عدم الاعتراف بها أو الترفع عنها وهذا هو الطبيعي في عالم تحكمه الرغبات في الامتلاك والسيطرة وما يترتب عنها من صراع وحروب .لكن القارئ غنم مع كل تلك التعرية الفاضحة للحقائق متعة أخرى منحها أسلوب مراد ساسي الشعري في السرد ولغته الشعرية التي كانت من أساليبه الفنية المتعمدة وهو الحاذق للشعر ،فقد تقصد الكاتب ذاك الأسلوب ليجرح أكثر دواخلنا ويزيد من حرارة الدماء المتدفقة على جوانب الشفرات الحادة التي أعادت التشكيل و لم تجرح لتشوه واقعنا وانما لتبرز ظاهره وخفاياه.ولعلها تحدث الصحوة بعدها .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن