هل المشكل في النموذج التنموي أم في العنصر البشري؟

محمد بلمزيان
belmezmoh@gmail.com

2019 / 8 / 7

أعتقد بأن بعض المفاهيم السياسية والإقتصادية حينما تستعمل في غير سياقها تنفلت من عقالها ومن قبضة صاحبها لتساهم في تعميق فضاء الغموض واللبس بدل البحث عن الوضوح، وبالتالي تصبح تلك المفاهيم مشتغلة على مسار معكوس من أهداف مستعمليها سواء كان محللا أو مسؤولا إداريا أو حكوميا أو مخططا والذي يتنطع الى مقاربة أوضاع المجتمع والبحث عن أحسن الحلول كوصفة قد تبدو سحرية في نظره، والتي يظن في قرارة نفسه بأنها حاسمة ما دامت قد رامت طرح زبدة الحل ، والحال أنها قد تزيد من استفحال الوضع أكثر من ذي قبل، وهذا ما يحصل غالبا إذا ما غيبت مجموعة من الشروط القبلية في إطار أرضية نقاش تستجلي جميع جوانب اللبس في أفق وضع خطاطة عملية، وحتى لا تكون بعض الحلول سريالية عن الواقع، شأنها شأن وصفات للعلاج يقدمها بعض الأطباء للمرضى محشوة برزنامة من الأدوية قد يكون القليل منها جدير بالإستعمال والإفادة في حين أن أغلبها مضر للجسد ويدمر باقي الأعضاء الجسد المعافة، وهو ما سيفوت الفرصة عن العلاج الصحيح بل وسيزيد المرض تفاقما واحتدادا، إذا لم يتم تطويق المرض منذ بداية الأعراض الجانبية وقبل فوات الآوان .
مناسبة هذا القول يندرج ضمن ما أصبح متداولا وبقوة بالمغرب مؤخرا حول أحاديث متواترة بكثرة عن فشل النموذج التنموي، والتي تكاد تجمع كلها على ضرورة البحث عن نموذج تنموي آخر وانكباب المسؤولين عن ابتداع تقليعة جديدة، بعدما أبان النموذج المختار سابقا عن فشل ذريع في انتشال أفراد المجتمع من شط الفقر والتهميش، بالرغم من التهليل الإعلامي الذي عشناه في السنوات الماضية، مع تجربة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية،والتي صرف من أجلها ميزانيات كثيرة دون أن تصل الى وضع سكة التنمية في مكانها الصحيح، وكنت في لقاء دعت إليه اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية أعتقد سنة 2009 مع بداية انطلاقتها قد نبهت في لقاء دعيت اليه الجمعيات المختلفة المحلية، بأن تجربة التنمية البشرية أخشى أن تعيد تكرار تجارب بعض الجماعات المحلية الفاشلة أو تجربة الإنعاش الوطني، وبقائها مراوحة لمكانها دون أن تؤسس لمشروع مواطن يحس بكرامته كإنسان مطوق بحقوقه الأساسية، وهو التخوف الذي عبرت عنه في ذات اللقاء وأصبح الآن واقعا حيا .
الى حدود هذه اللحظة يبدو الأمر واضحا وضوح الشمس في نهار شهر اغسطس، على أن الواقع يحتاج الى مقاربة مغايرة قادرة على شحذ الهمم لتطويق الأوضاع الإجتماعية المتدهورة، لكن أعتقد بأن توجيه أصابع الإتهام الى( النموذج التنموي ) بغض الطرف عن طبيعته الناقصة أو الأطراف التي طرحته كنموذج اعتقد واضعوه بأنه الحل الأمثل،هو اتهام وارد غير أنه لن تكتمل أركانه إلا بمعرفة العنصر البشري الذي تنطح أجرأته وتنفيذه كمشروع يتوزع على مساحات زمنية وجغرافية تهم قطاعات اجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها، على اعتبار أنه لو كان المشكل في النموذج فقط لكان الأمر سهلا وقابلا للحل وبالتالي البحث عن براديغم جديد، ضمن نماذج التنمية التي يمكن رصد تجاربها في مختلف بقاع العالم، واليت من خلالهالا يمكن أن نستقي العشرات من نماذج التنمية بما في ذلك الإستعانة بتجارب منظمات غير حكومية تهم أساسا بمشاريع التنمية المحلية لشعوب كثيرة، اشتغلت عن قرب لتوفير مرافق واحتياجات الناس الأساسية،والتي استطاعت أن تلبي في وقت وجيز رغبات فئات اجتماعية في مداشر وقرى،عبر اعتماد مقاربة تشاركية منذ التفكير والإعداد والإنجاز والتنفيذ والتسيير مصحوب بلحظات تقييمية تضع الأصبع على الخلل قبل وقوعه لتدارك الزمن وتفادي تبذير المال بشكل عشوائي، كما لنا أن نلقي نظرة بسيطة على بلد إفريقي وكيف خرج من وضع كان مضرب مثل مثل في التخلف والفقر والمجاعة، الى الطفرة الإقتصادية الهائلة التي حققتها أثيوبيا ذات أكثر من 105 مليون نسمة، وكيف أصبحت الآن في ركاب البلدان ذات الوزن الإقتصادي الواعد الذي يضاهي حسب بعض التقديرات اقتصاديات الصين والهند في سوعة النمو، بفعل انتهاج سياسة زراعية متوازنة وتخطيط صناعي...) كل ذلك تحقق بفعل توافر شروط التفكير الجيد لوضع سياسة تنموية وإسناد المأمورية لفريق على قدر من المسؤولية السياسية والأخلاقية في حين أن بعضها ضاع في متاهة التدبير السيء بفعل غياب هذه المقومات الأساسية. إذن فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الباب، يتمثل معرفة الدواعي الحقيقية لفضل النموذج التنموي وهل يتعلق الأمر بفشل هذا النموذج كنموذج غير قابل للتحقق، أم أن الأمر يتعلق بفشل العنصر البشري في إنجاحه وعدم قدرته على استيعاب اللحظة التاريخية وما تتطلبه من استكناه الواقع الإجتماعي؟ لأني أعتقد جازما بأن الحكامة الجيدة والقدره على الإدارة والمبادرة والشفافية تشكل حلقات أساسية ضمن بناء أوراش التنمية، فالنموذج في حد ذاته يمكن أن يكون عقبة كأداء وصعبة التجاوز والإستيعاب بالنسبة للبعض الذين لا تتوفر فيهم شروط كفيلة بتجاوز المعيقات المنتصبة، فيما أن ذات النموذج قد يستحيل الى عنصر قابل للتعديل والمواءمة مع متطلبات اللحظة عبر تدخل ناجح للعنصر البشري المسلح بالتفكير الجيد وفقا لحاجيات المجتمع ومتطلباته الحالية وتحدياته المستقبلية، إذن فالنماذج التنموية المقترحة هي ليست فاشلة بقدرما أن الأيادي المشرفة عليها والطواقم البشرية التي عهد إليها مهام البلورة على الأرض ، هي التي ساهمت أو عملت على إفشالها، بفعل عوامل كثيرة لعل أغلبها تتجلى في غياب الخبرة في تدبير حلقاتها أو عدم الشفافية ، وهنا ينتصب عامل الفساد ككابح خطير في هذا الباب، علاوة على التقصير والإهمال وعدم استحضار حجم وجسامة المسؤولية، وغيرها من المظاهر السيئة التي تصيب المشروع التنموي في مقتل، وهي نفس العوامل التي قد تلحق أشد الأذى بالأوراش الأخرى ذات الصلة وكيفما كانت طبيعتها، والتي لا يحتكم فيها الى ضوابط من شأنها الحفاظ على حسن بلورة الأفكار ومرورا بالقدرة على استجماع الآراء والتصورات المختلفة من أجل استقرائها على ضوء المعطيات الواقعية، وانتهاء بلحظات التنفيذط والشروع في استثمار وتفقيس القدرات الذاتية والجماعية بالتفاعل مع المحيط وإلعمل على إبرازها كقوة اقتراحية قابلة للتنفيذ على الأرض وبالتالي إسهامها في إخراج الأوضاع المراد معالجتها من نفقها المسدود .
وإذا ما افترضنا جدلا بوجود نموذج تنموي جيد على الورق، نكون والحالة هذه قد قطعنا أشواطا مهمة في الإتجاه الصحيح، وخطونا خطوات حثيثة في اتجاه الألف ميل بحثا عن التعرف عن هندسة ومنعرجات الطريق لاحقا ، لكن ذلك يتوقف على شرط توافر وقابلية ترجمة الحلم الى الواقع، وهنا يجب استحضار مدى جاهزية العنصر البشري الملكف بإبراز كفاءاته ومراسه على الأرض وهل تتوفر فيه مواصفات أساسية، لعل أولها شرط الإرادة على الفعل النزيه لتحقيق هذا الطموح النبيل الى جانب الدراية الكافية على مجابهة التحديات والشفافية في العمل ، بالتوازي مع حضور الضمير المهني والأخلاقي المحشو بتوابل النية الصادقة لتحقيق ما هو مسطر في الورق الى حقيقة يتجسد في الواقع. فمهما أسهبنا من تسطير لمشاريع مهيكلة لن يحالفها الحظ في تمثل منافعها في الواقع إذا لم تنجز على ضوء رؤية تنموية شمولية تأخذ بعين الإعتبار المجال والإنسان كمنطلق للتفكير وكمنتهى للإجابة عن واقع حال هذا الأخير من جوانبه المختلفة، ودون ذلك سيصير الأمر كمن ينتظر أو يحاول أن يدخل الفيل من خرم الإبرة، أو انتظار نهيق الحمار ذات نهار في عرض البحر كما يقول المثل المحلي، وفي الإفتراض المقابل، فإنه إذا ما افترضنا وجود فريق عمل مسلح بأدوات تقنية ودراية ثقافية كافية بالمواصفات المذكورة على بلورة المفاهيم الصحيحة والتصورات المختلفة حول كيفية معالجة الإوضاع الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، فإن أي نموذج تنموي ومهما كان تسطيره سيئا على الورق ، فإنه يستحيل الى ورش مغاير عبر تطويعه وإغنائه بعناصر تجعل قابل للإستنبات في البيئة المحلية بغض الطرف عن هويته ومصدره الجغرافي، وسيضع الفريق البشري الكفؤ علامات استفهام أولية حول مدى قدرته ليس على النجاح فقط بل وعلى الإستجابة للحاجيات الملحة على الأرض، وأسئلة من قبيل الجدوى وقابلية المشروع من التحقق من عدمه، قبل الشروع في أجرأته في الواقع، وهي الوسيلة التي تعطي فرص طرح أسئلة استباقية تقي من اجترار نماذج مماثلة فاشلة وغير قابلة للتحقق أو أنها لا تستجيب للإحتياجات المطلوبة وأولياتها القصوى، وهي تتفادى أيضا هدر المال في مشاريع ذات تكاليف مالية كثيرة سرعان ما ابانت عن فشلها ولعل محليا ينتصب أمامنا الفشل الذريع لسياسة ضم الأراضي بسهل النكور والإستصلاح الفلاحي وبناء سد عبد الكريم الخطابي منذ أواخر وبداية سنوات السبعينات والثمانيات من القرن الماضي، وهو المشروع الذي أهدرت فيه أموالا طائلة ، لم تستفد منها الفلاحة في بلورة ما الأحلام الوردية التي وزعت على الفلاحين يومئذ، بل حطمت كل الآمال في استصلاح فلاحي حقيقي، وخربت هذا السهل الخصب والذي كان مجالا معطاءا ومصدر لإنتاج مختلف الغلات الفلاحية والحيوانية،و واستحال السد الى بركة مائية لا تفي بالحاجيات المطلوبة وبارت الأرض وجفت الوديان وملحت الأرض وازدادت جحافل العاطلين في صفوف الفلاحين وأسرهم بعدما فقدوا مصدر عيشهم، فهل هذا الفشل وليد افتقاد المشروع كورقة لعناصر الدراسة الكافية أم أن العنصر البشري قد أساء استغلال تلك الدراسات ولم يبلور معطياتها بشكل علمي وحازم، لن بلورة مشاريع من هذا الحجم على أرض الواقع يحتاج الى عنصر بشري كفيل باستغلال كل الطاقات والكفاءات ذات الصلة بالأرض والمياه الجوفية وطبيعتها واستخلاص أرقام مرجعية يجب أن ينبني عليها المشروع برمته من بدايته الى نهايته، كما يحتاج الى الكثير من الإستثمار في مجال القدرات البشرية والتقنية والتجارب الأخرى.
أعتقد بأن مداخل التنمية الحقيقية لن تكون خارج معادلات إصلاح المدرسة العمومية وإحداث قطيعة مع الطرق التقليدية في التربية والتكوين، وان إصلاح قطاع التعليم كركيزة أساسية لبناء باقي حلقات المجتمع والدولة هي رهان لا يمكن إغفاله ، وأن التركيز على العنصر البشري والتكوين المتخصص، ووضع برامج تعليمية ملائمة ومنفتحة على جميع التخصصات ذات الإرتباط مع المحيط السوسيواقتصادي والمؤهلات الطبيعية الزاخرة والمتنوعة، فلاحية وبحرية وسياحية وإيكولوجية ، وإدراج مواد في تخصصات كثيرة مرتبطة بالواقع السوسيواقتصادي للجهات حسب معطياتها ومؤهلاتها الطبيعية المتباينة، والتي ستعطي الفرص وافرة للولوج الى أسواق الشغل.
خلاصة القول، لا يمكن أن نلقي باللائمة على فشل النموذج التنموي ونضع نقطة للرجوع الى السطر، بقدرما يجب اعتماد مقاربة تسائل دور العنصر البشري في هذا الفشل، لكون النموذج التنموي إذا لم مسنودا بتشكيلة بشرية تزخر بدرايتها فإن الأمر أشبه بمن يضع العربة أمام الحصان، وينتظر التقدم الى الأمام، كما أنه مهما بالغنا في التخطيط والتفكير والإستعانة بمكاتب الدراسات المتخصصة من أجل صياغة مشروع تنموي متكامل لن يتحقق إذا لم يستحضر البعد الإستراتيجي في مجال إنجاز التنمية الشاملة، وهذا لن يتأتى بالطبع غلا بتوافر شروط الإرادة الحقيقية والشفافية والحكامة الجيدة وصفاء الضمير المهني والأخلاقي، أثناء التفكير والإنجاز والتدبير وفق معادلة تربط المسؤولية بالمحاسبة.





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن