رواية (السوارية) ح2

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2019 / 8 / 4

الطين والماء ... حياة
على يمين السوارية وأنت متجه نحو الجنوب وعلى أمتداد المجرى نشأت منطقة (النزيزة) من بقايا المنخفض الأرضي التي كانت تغمره المياه قبل إنحسار الماء عنها، ليتكون شط السوارية بمجراه العميق وليتخذ شكل النهر وينحت وجهها، لذا كانت الأرض رطبة تنز بالماء كلما أرتفع المنسوب في قلب الشط، سكنها الفقراء والوافدون الجدد للمدينة الصغيرة الناشئة على الأطراف بموجات متلاحقة وأولهم (المعدان) أهل الجاموس على شكل مجموعات متفرقة ما لبثت أن توسعت وأصبحت مجمع سكني له خصائص وميزة منفردة عن المدينة الأم.
في أربعينات القرن الماضي شهدت السوارية وهو الاسم الأول لمدينة المشخاب الحالية أول موجات النزوح فسكنت جدتي وسط المكان قريبا وبعيدا عن النهر، لم يكن هناك ملاكون للأرض الجديدة ومتاح لكل من يأت أن يسكن في أي جزء ظاهر من الأرض دون المبالات ببقايا الماء المتجزر والذي ركد وأصبح موئلا للحشرات ومكانا مناسبا لتربية بعض الطيور الداجنة من الإوز العراقي والخضيري وحتى الدجاج كان يمرح ويسرح دون أن يحتاج إلى من يوفر له الطعام، الغالب في البيوت التي نشأت هو ما يعرف بالـ (الجرداغ)، بيوت من قصب وسعف وبقايا البردي، وقليلا من البيوت الطينية سرعان ما تحولت إلى غرف مبنية من الطابوق عند الذين أمكنتهم الظروف أن يشيدوا واحدة منها في أماكن متفرقة حتى منتصف السبعينيات كانت هناك بعضا من هذه الجراديغ، لكن المنطقة أصبحت منتظمة أكثر وعم فيها البناء وشق فيها شارعين على طول المنطقة وبموازة مجرى النهر.
كل العناوين ترتبط بالشط وكل دلالة لا بد ان يكون الشط ومسمياته جزء منه، (ركبة الجسر) و (ذاك الصوب) و (الحدة) وهي زاوية شط السوارية حين يتفرع من شط المشخاب ليستقل بنفسه ويتجه جنوبا، الناس تعرف الجغرافية من مجرى النهر أكثر مما تعرفه من دلالات أخرى ربطت ذاكرتها به وصارت حتى في تحديد وجهتها تشير إليه، فالنازل جنوبا (حداري مع النهر) ومن يغرب أو يتخذ من الشمال هدفا فهو مغرب عكس مجرى الماء، يتجمعون عصرا بالمقاهي على حافة النهر وفي النهار سوق تجد فيه كل شيء من (التمن العنبر) وبيض الدجاج والفواكه والخضر وحتى الحلاقين المتجولين يتخذون من ضفافه محلا لترزقهم، كم هو عظيم هذا النهر الذي جمع الناس من حوله ليكونوا مدينة لها طعمها الخاص بها ويحتويهم كعيال تنتظر راعيها بشغف كل يوم ودون ملل.
وسط المدينة المحصور بين ضفتي شط المشخاب والسوارية هو الأكثر إستقرارا والأكثر تنظيما ابتداء من مدخل المدينة من جهة الشمال عبر جسر الدبينية حيث ينشق الفرات المشخابي عن فرع مهما من فروعه التي تحتضن المدينة من جوانبها الثلاث وصار حدا إداريا لها يفصلها عن ريفها ويعلن أول حدود بلديتها، المستشفى على الجادة قريبا من الكراج الذي تتواصل عبره مع العالم الخارجي، ثم المكتبة العامة على الضفة الأخرى من الشارع المعبد الذي يقسم المدينة، وعلى الجانب الاخر ثانوية العزة ومدرسة العزة وبيوت كبار الموظفين وبيت مدير الناحية ثم الفلكة المستديرة التي تمثل قلب السوارية ومجمع الناس في مواعيدهم.
تتفرع من الفكة المدينة جنوبا وشرقا إلى حافات الشطين من بداية شارع السيد وصولا لأطراف النزيزة، وعلى أمتداد النهر حيث نركز الشرطة وسجد سيد نور وسوق العرب لنصل إلى (ركبة الجسر) مرة أخرى، ومن مركز الشرطة حيث منطقة (ذاك الصوب) (راك الحصوة) عبر (جسر الدوب) الذي لوحده حكاية ورواية حينما تفلت الحبال الفولاذية من معقلها وتنحدر الدوب صوب ناظم المشخاب فينقطع وصل المدينة، الجميل أن هذا الجسر له حارسان ينبه أحدهما الأخر عند مرور سيارة أو عربة فهو لا يتسع إلا لواحدة، فيمر من هو الأسبق وعلى الأخر الأنتظار لحين عبور الأخر، الأخطر عندما يكون وقت الفيضان فيرتفع الجسر فوق المياه كأنه بطن حامل منفوخ للأعلى وخطر أن تجازف بالعبور أن تكون أنت على ظهر دوبة أو تسقط وسط الماء المتدفق بقوة.
هكذا أرتبطت حركة الناس بالماء وما يرتبط به في سلسلة من العلاقات التخادمية، وهكذا تحكم النهر بحرتهم حتى داخل المدينة ففرض عليهم الشط قانونه ومزاجه وإرادته وعلى الناس أن تتوافق معه شاءت أم أبت، النهر ليس جغرافية في منطقة السوارية وليس حياة تمنح الوجود أسبابها بل أيضا تحكمت في تقرير مصير المدينة فصارت السوارية رمزا لها بالرغم من أن البعض يظن أن النهر مجرد ماء وطين وجرف يسترزق منه الناس، حين تتكوم المدينة حول السوارية كعقدة تتحرك معه وبه وترسم خطواتها كيفما، يسير أعرف أن الماء هنا هو أكثر من حياة .....هو قانون جبري على الإنسان أن يطيعه بكل أحترام.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن