عصير الحصرم 76

دلور ميقري
dilor7@hotmail.com

2019 / 8 / 1

1
حرارة الظهيرة، دفعتني للمضي في طريق مظلل بأشجار البرتقال علاوة على الأبنية العالية، متصل بين الحي الشتوي وساحة الحرية في غيليز. إنه أحد دروبي المفضلة، منذ أن صرت معتاداً على التجول خارج المدينة القديمة. أسيرُ إذاً والهواء العليل يجفف العرق، المتصبب من جبيني. فيما نظري يلتهم المناظر الرائعة لعرائش المجنونة والياسمين واللبلاب، المنهمرة على جدران الفيلات، المتطاولة من خلفها أفرع الأشجار المثمرة من نخيل وزيتون وحمضيات وموز وتين ورمان وتوت. أصوات الأطفال، المتناهية من هناك والدالة على استمتاعهم بالسياحة في البيسين، تختلط مع زقزقة العصافير وتغريد الطيور.
عدا ذلك، فإن الصمتَ هوَ سيّد المكان. هررة صغيرة، تفر مذعورة حال سماعها وقع أقدامي على الإسفلت، فيما أمهم ترقبني بحذر دون أن تتحرك من مكانها. أحيي على الأثر بواباً عجوزاً نوعاً، مسترخياً بكسل تحت شجرة برتقال، مستمتعاً مثلي بالظلال والهدوء والجمال.

2
مهرجان الفنون الشعبية في مراكش، الذي أختتم مؤخراً، شهد حضوراً لافتاً لفرق موسيقية أمازيغية.
في ثاني يوم المهرجان، بعد خروجي من المقهى ليلاً، شئت السير من غيليز إلى ساحة جامع الفنا كي أركب من هناك إلى المنزل. ما أن مشيت قليلاً، إلا وأصوات الموسيقى والغناء تنبعث من ساحة الحارثي. فلما وصلت إلى المكان، رأيته غاصاً بالمتفرجين ممن يتابعون الاحتفالية. ثم تابعت السير عبرَ شارع محمد الخامس، وكان النسيم العليل يهبّ محركاً هامات أشجار النخيل والبرتقال. إلى أن وصلت لساحة جامع الفنا، المعتبرة مهرجاناً دائماً في كل الأوقات. الاحتفالية، كانت متمركزة ثمة، فوقفت لدقائق أتابع إحدى الفرق الأمازيغية وهيَ تؤدي رقصات فلكلورية على أنغام الموسيقى والغناء.
شعرت بالجوع، فقررت تناول العشاء في أحد أكشاك الأطعمة الشعبية بالساحة. عند وصولي للكشك، كان هنالك أمام المدخل ثلاثة عمال مهمتهم جذب الزبائن. سألني أحدهم، من أين أكون. فقلت له مازحاً: " أنا من شلوح سورية! ". والشلوح، هم الأمازيغ بحسب لهجتهم؛ أي كما يقول الكثيرُ من الكرد عن أنفسهم أنهم " كرمانج ". جوابي، وكما هو متوقع، أثار فضول أولئك العمال. فراحوا يسألونني عن " شلوح " سورية، وما إذا كانت لغتهم شبيهة بلغة أشقائهم في المغرب.

3
منطقتنا السكنية، كما نوهت في مناسبة سابقة، تقع في جوار مطار مراكش الدولي. عند هبوط الطائرة، يعتقد الراكبُ أنها ستحط بين المنازل وليسَ على المدرج.
قبل بضعة أيام، كنتُ في سيارة أجرة جالساً بجانب السائق. كنا إذاً في الطريق إلى مركز المدينة، وسيارتنا تجتاز منطقة المطار، عندما دوى فجأةً صوتٌ مرعب. تلك كانت طيارة ركاب، وقد رأيت ظلها يخيم على مركبتنا قبيل هبوطها على المدرج. مضى ما يزيد عن الخمسة أسابيع على سكني في هذه المنطقة، وكنت أتوقع دوماً أنه سيأتي يومٌ أشهد فيه هكذا لحظات مثيرة.
في طفولتي، قرر الخال الكبير يوماً أن يأخذنا في سيارته إلى مطار المزة؛ وكان آنذاك بمثابة مطار دمشق الدولي. في تلك الأيام، كان الذهاب إلى المطار هو من طقوس النزهة النادرة. وأتذكر مدى انبهاري يومئذٍ برؤية الطائرات عن قرب، سواء المقلعة أو الهابطة. في سن العشرين، أثناء فترة عسكريتي، تم فرزي إلى ذلك المطار؛ وكان الدمشقيون قد نسوا منذ فترة طويلة أنه كان مدنياً في يوم من الأيام.

4
كان موعدي مع الأصدقاء في المقهى لمتابعة كأس أفريقيا. مع علمي بالمرتفع الجوي، فإنني اضطررت أن أرتدي بنطال الجينز لا الشورت. ذلك لأن ركبتي متورمة في عدة أماكن، بسبب هجمات البرغش ( الناموس ) في خلال الليل !
ما أن خرجت من باب العمارة عند الخامسة عصراً، إلا وشعرت كأنني أدخل في فرن. انتقلت إلى الجانب الآخر من الشارع، ووقفت أنتظر سيارة تاكسي كبيرة. رجل بمنتصف العمر، كان يقف مع ابنه الصبيّ الصغير. هذا الأخير، بدا لعينيّ مريضاً وبالكاد يتمكن من الوقوف على قدميه لولا مساعدة والده. توقفَ التاكسي أمامي، فركبت بعد أن سألت السائق ما إذا كان متجهاً لمركز المدينة. الرجل مع ابنه المريض، اقترب من السيارة وطرح نفس السؤال. فأجابه السائق معتذراً، بأنه لا يوجد سوى مكان واحد شاغر لديه. هنا، نزلت من السيارة فيما أدعو الرجل أن يركب مع ابنه. شكرني الرجل وهو يهم بدخول السيارة، ثم سألني: " الأستاذ من العراق؟ ". فأجبته مبتسماً: " بل جار للعراق؛ أنا من سورية ".
لما وصلت على مقربة من المقهى، الكائن في حي غيليز، صادفت متسولاً عجوزاً عند المنعطف وكان يستظل تحت سور فيللا كبيرة. مد نحوي يده النحيلة السمراء، فوقفت أبحث في جيبي عن قطعة نقود معدنية. هنا أيضاً، شاء الرجل سؤالي عن بلدي. إلا أنني منحته القطعة المعدنية، ثم سرت في طريقي باتجاه المقهى.

5
ظهراً، مضيت مع ابني ( 9 أعوام ) إلى مسبح ملحق ببناية تقيم فيها كبرى خالاته. البناية، هي أحد أجزاء مجمع سكني حديث. ولكن المجمع، كما حال العمارة المحلية عموماً، له ملامح تقليدية؛ كما يتجلى ذلك بتصميمه الداخلي والخارجي، إلى ضمه عدد من البحرات الرائعة التصميم، محاطة بأصص الأزهار وشجيرات البرتقال والدفلى والنخيل.
جلست في مكان ظليل، وقد جثم بمقابلي مبنى أنيق مخصص لرياضة كمال الأجسام، يفصلني عنه المسبح. المكان، توزعت فيه أرائك بلاستيكية شغل أكثرها نساء أتين لمراقبة أولادهن وهم يسبحون ويلهون. برغم رقي هذه العائلات، وأن العديد من أفرادها يستخدمون الفرنسية في الحديث، فإن من النادر أن ترى غير الفتيات الصغيرات يلبسن البكيني.
بينما كنتُ أتابع ابني وهو يسبح بمهارة في المكان المخصص للكبار، مر من أمامي رجل ثلاثينيّ، طويل اللحية ومحفوف الشارب. رمقني بنظرة مواربة، فهمتُ منها ظنه بأنني من الكَاوري ( أي النصراني الأوروبي )، ثم ما لبث أن نزل إلى الماء بالمايوه الشرعيّ. بدلاً عن السباحة، راح الأخ يرطب القسم السفليّ من جسده بالماء. في الأثناء راحت نظراته، هذه المرة، تلتهمُ ثلاث فتيات شقراوات ( نصف أوروبيات على الأرجح )، كن بملابس سباحة بعيدة جداً عن الحشمة والشرعية.

6
في المغرب، الخضار والفاكهة والخبز رخيصة ومناسبة لذوي الدخل البسيط. أما السلع الأخرى، وخصوصاً اللحوم، فعلى خلاف ذلك. المواد الغذائية ذات المنشأ الأوروبي، حتى لو كانت مصنعة محلياً، يمكن القول أن أسعار الكثير منها تعادل أضعاف ما يماثلها في دول الغرب. مع أن هذه الأخيرة، كما هو معروف، دخل الفرد فيها يعادل عشرة أضعاف دخل المواطن المغربي. ولكن تلك المواد، على ما يبدو، موجودة في السوق ليسَ من أجل المواطن الميسور الحال.
ذات مرة، كنت في مطعم شعبي بساحة جامع الفنا، صحبة صديق يعيش في برلين. فلفت نظري إلى قائمة الأسعار، التي تغطي الجدار المقابل، قائلاً باستغراب: " وجبة السباغيتي ثمنها يعادل ستة يورو، أي أضعاف ما لدينا في ألمانيا؟ ". قلت له: " وهم يبيعون رزمة السباغيتي ذات النصف كيلو بثمن يعادل رزمة الكيلوين في السويد، مع أن القمح متوفر ورخيص في المغرب! "
تذكرت ذلك الموقف، عندما قررت أن أحضّر السباغيتي على الغداء. بقيت أقلي ربع ساعة باللحمة الناعمة، دون أن تحمر؛ لأكتشف أن الجزار قد باعني ليّة مصبوغة بالدم. فاستعضت عن اللحم بالفطر. بعدما وضعت في قدر الماء المغلي حاجتي من أعواد السباغيتي، أردت إعادتها لمكانها في الرزمة. وإذا بالأعواد تتساقط على الأرض، بسبب ثقب في أسفل الرزمة. حين رحت ألم الأعواد بالمكنسة، بدأ الفطر بالاحتراق مع أنه مغموس بماء الطماطم. أخيراً، أضحى الطبق جاهزاً ويحتاج لرشة من الجبنة الصفراء. أخرجت الجبنة من البراد، لأفاجأ بالعفن يسود أطرافها؛ هذا مع العلم بأن موعد صلاحيتها من المفترض أن ينتهي في شهر سبتمبر/ أيلول .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن