أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (4)

أمير بالعربي
AmirBelArbi@outlook.com

2019 / 7 / 5

لم يمنع الذي جرى ماما من التساؤل عن كيف سيكون التخييم ليلا في غابة , هي التي لم تجرّب تلك المغامرة حتى تلك اللحظة من حياتها , وحتى مع وجود قمر في السماء لم تر كيف سيكون ذلك ... كيف سيكون شواء والساعة تجاوزت العاشرة ؟ وكيف سيكون نوم في الخلاء ؟ لم تَخف وحاولت أن تنسى ريش النعام الذي عاشت فيه , وقالت في نفسها ستكون فرصة جيدة أن تجرّب النوم في الطبيعة , على التراب , مع .... أصدقائها الجدد ...

قالت ماما أن بابا جمال بدا مضطربا بعد كلامه عن فقدان ماما إيناس لأختها ...
- أنا دائم الامتنان لمنير , لا أعلم ماذا كنت سأفعل دون وجوده ... إنه الأقرب لي من كل البشر , هو وإيناس يعنيان لي كل شيء ... لكنه منشد للكمال نوعا ما , ولا يقبل بأشياء قد تُرى بسيطة لكنها عنده عظيمة .
- الصديق الحقيقي نادر الوجود ...
- تعلمين .. هو أكثر من صديق ومن أخ ... نعرف بعضنا من الصغر .
- أنت إنسان طيب ... الدنيا أعطتك ما تريد .
- الصدفة جلبتهما لي , لا أرى أن الدنيا أو غيرها تعطي .... وأنت ؟
- كلامك صحيح , كل وحظه في هذه الدنيا ...
- وحظك اليوم أن كنت في طريقنا .... إذا أردت مواصلة كلامك الذي شرعت فيه , كلي آذان صاغية ...
- لتشفق عليّ ؟
- لا أحد سيشفق على أحد ... كلنا نضعف ونخطئ وكلنا قد نحتاج للمساعدة في يوم ما , وكما يقال صاحب التاج يحتاج ...
- أنت طيب ...
- يقول منير دائما أني طيب زيادة عن اللزوم ...
- وإيناس ؟
- تقول أننا نكمّل بعضنا .... آه فهمت ... لا تريدين الكلام ... على راحتك ...
- بالعكس ... الحقيقة أنه لا يوجد كلام كثير ... أهمه أني كما قلتَ كنت في طريقكما اليوم ... أريد أن أعتذر مرة أخرى عن كل الذي صدر مني .
- أراك ذكية وقوية , تستطيعين تحقيق كل ما تريدين ... ولو أردت الحقيقة , سلوكك إذا ما قورن بعقلية نساء كثيرات عندنا يجب أن تُكرَّمي عليه لا أن تعتذري عنه ...
- أظن أن منير لم يخطئ عندما قال أنك طيب زيادة عن اللزوم ...
- أحبذ أن تصرخ غريبة في وجهي على ألا تنظر لي أصلا معتقدة أن ذلك أخلاق وشرف , هذا البلد في حاجة لنساء مثلك ...
- ومثل إيناس ؟
- لا يوجد امرأة مثل إيناس ...
- ومن يشكر العروسة !
- أنت شقية ... لكن احذري , لا أحد يستطيع انتقاد إيناس ...
- ولماذا ؟
- لأنها ... "كامل الأوصاف فتنّي , والعيون السود خدوني ..."
- صوتك جميل ... يا بختها حبيبة القلب ...
- تحبين الأغنية ؟
- لا أعرفها ...
- عبد الحليم !
- لا أسمعه , لكن صوتك جميل ...
- غريب , هل يوجد من لا يسمع عبد الحليم !
- نعم , أنا ...
- وأم كلثوم وفريد وعبد الوهاب ووردة وميادة و ...
- وبقية شلة الأنس ! لا أسمعهم ...
- أسمع موسيقى غربية أيضا , لكن أولئك قاماتنا الفنية وتراثنا ...
- أولئك قامات المصريين وليسوا قاماتنا , أما إذا كنت تريد التراث فتراثنا شيء آخر ... وبالمناسبة هو أيضا لا يعجبني ولا أسمعه ... لغتنا لا تصلح للغناء ... لا تصلح لأي شيء ... باستثناء السب واللعن والكلام البذيء والتهكم على الناس ...
- واو ! أسحب كلامي إذن قبل أن تعيدي لي واقعة محطة البنزين ...
- أرجو أن تكون إيناس بخير ...
- لا تقلقي , كلنا نضعف كما قلت لك ... لكنها امرأة قوية ...
- ومحاطة بمن يحبونها ...
- أكيد ... أنت أيضا ستحبينها , لا شك عندي في ذلك ...
- سأشكركم مرة أخرى , لكني لا أزال لا أفهم كيف حصل كل الذي حصل , وكيف أكون أنا معكم الآن في الطريق لإمضاء ليلة في جبل ؟ عادتي ألا أثق في أحد حتى أقرب الناس لي ...
- عائلتك ؟
- أفضل عدم الكلام عن ذلك ...
- أتفهمك ...
- كم كان عمرها أخت إيناس ؟
- عشرون سنة ...
- ماذا كانت تفعل ؟ تعمل ؟ تدرس ؟
- طب أسنان ... كانت في بداية سنتها الثانية ...
- وهل عندها أخوة آخرون ؟
- أختها الوحيدة ...
- أرجو ألا أكون قد أحرجتك أو تجاوزت الحدود ...
- لا هذا ولا ذاك , لكن الموضوع صعب ولا نزال نفعل المستحيل لتنسى ...
- كانا قريبتين كثيرا من بعض على ما فهمت ...
- أكثر مما تتصورين ...

كانت ماما شديدة التأثر , قالت أنه كان يتصرف وكأنه يعرفها منذ زمن أو كأنها فرد من جماعتهم ... لم يكن كلامه ثرثرة كما فِعل الكثيرين , بل كان قلبا مفتوحا وكأنه كان يتكلم مع أحدهما أي بابا وماما إيناس ... قالت ماما أنه لم يفتح لها الباب فقط بل زاد وفرش الزربية الحمراء ...
وكنا أنا وأمينة ولا نزال , نقول أن بابا جمال هو من وهبنا الحياة , لولاه ما كانت ماما وما كان بابا وما كانت ماما إيناس وما كنا نحن ... نحن لم نكن يوما هبة السماء لماما وبابا بل كنا هبة بابا جمال الذي لم يمت , ولن يموت ... هو من وهبنا الحياة , هو من سمانا ... هو من خلقنا ... هو خالقنا .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن