الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المتحدة

عادل حبه
adel.haba@outlook.com

2019 / 6 / 28

الانعطافة الخاطئة في العولمة
وكيف تلحق الضرر بأمريكا

بقلم داني رودريك*
مجلة فورين أفرز
ترجمة عادل حبه
العولمة في مأزق. وردود الفعل الشعبوية العنيفة، التي تجسدت في ممارسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، قائمة على قدم وساق. ويمكن أن تلتهب بسهولة الحرب التجارية المندلعة بين الصين والولايات المتحدة. وتبادر البلدان في جميع أنحاء أوروبا إلى غلق حدودها أمام المهاجرين. وتدرك الآن حتى الجهات الداعمة للعولمة أنها أنتجت منافع غير متوازنة وأنه من الواجب تغيير شيء ما.
تمتد جذور المشاكل الراهنة إلى عقد التسعينيات ، عندما وضع صنّاع السياسة العالم على مساره الحالي المفرط في العولمة، الذي تطلب وضع الاقتصاديات المحلية في خدمة الاقتصاد العالمي بدلاً من الاتجاه المعاكس. ففي التجارة ، تم التوجه صوب إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1995. و ولم تخلق منظمة التجارة العالمية الصعاب أمام الدول لحماية نفسها من المنافسة الدولية فحسب ، بل طالت أيضاً ميادين السياسة العامة التي لم تمسها قواعد التجارة الدولية من قبل: مثل الزراعة والخدمات والملكية الفكرية والسياسة الصناعية واللوائح الصحية والبيئة. وبدأت في الوقت نفسه عقد الصفقات التجارية الإقليمية الأكثر طموحاً ، مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية .
في مجال التمويل ، تميز هذا التغيير بإنعطافة أساسية في مواقف الحكومات بعيداً عن إدارة تدفقات رأس المال و صوب الليبرالية. وبدفع من الولايات المتحدة ومنظمات عالمية مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قامت البلدان بتحرير كميات هائلة من التمويل قصير الأجل وعبرت الحدود بحثًاً عن عائدات أعلى.
وفي ذلك الوقت ، بدت هذه التغييرات وكأنها تقوم إلى أسس اقتصادية سليمة. فمن شأن الانفتاح على التجارة أن يدفع الاقتصاديات إلى تخصيص مواردها إلى حيث ستكون الأكثر إنتاجية. وسوف يتدفق رأس المال من البلدان التي تحضى بوفرة من الرساميل إلى البلدان التي كانت بحاجة إليها. إن إطلاق المزيد من التجارة والتمويل الأكثر حرية من شأنه أن يطلق العنان للاستثمار الخاص ويغذي النمو الاقتصادي العالمي. لكن هذه التدابير الجديدة جلبت مخاطر لم يتوقعها أصحاب العولمة المنفلتة ، على الرغم من أن النظرية الاقتصادية كان يمكن أن تتنبأ بالجانب السلبي للعولمة مثلما سارت في الاتجاه الصعودي.
أدت الزيادة في التجارة مع الصين وغيرها من البلدان ذات الأجور المنخفضة إلى تسريع تراجع العمالة الصناعية في العالم المتقدم ، تاركين ورائهم العديد من المجتمعات البائسة. وأدى تمويل الاقتصاد العالمي إلى أسوء أزمة مالية منذ الكساد العظيم. وبعد الانهيار، شجعت المؤسسات الدولية سياسات التقشف التي ألحقت أضراراً أشد سوءاً. يبدو أن ما حدث للمزيد والمزيد من الناس العاديين كان نتيجة لقوى السوق مجهولة المصدر أو بسبب صانعي القرار الذين يعيشون بعيداً في بلدان أجنبية.
قلل السياسيون وصانعو السياسات من هذه المشاكل ، ونفوا أن تكون الشروط الجديدة للاقتصاد العالمي تؤدي إلى التضحية بالسيادة. ومع ذلك، فقد بدوا


حاويات التصدير الصيني في مينائ شنغهاي
مشلولين بنفس هذه القوى. لم يوافق يمين الوسط ويسار الوسط على قواعد الاقتصاد العالمي الجديد فحسب، بل حول الكيفية التي ينبغي أن يستعبوا بها اقتصادياتهما الوطنية. أما اليمين فيريد تخفيض الضرائب وخفض اللوائح ؛ في حين يطالب اليسار بالمزيد من الإنفاق على التعليم والبنية التحتية العامة. اتفق الجانبان على ضرورة إعادة تشكيل الاقتصاديات تحت راية التنافسية العالمية. إن العولمة، كما صرح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، "هو المكافئ الاقتصادي لقوة الطبيعة ، مثل الريح أو الماء". وسخر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ممن أراد "مناقشة العولمة" ، قائلاً ، "فهل يمكنكم أيضاً مناقشة ما إذا كان الخريف يجب أن يتبع الصيف".
ومع ذلك ، لم يكن هناك شيء حتمي حول المسار الذي سلكه العالم منذ تسعينيات القرن الماضي. لقد لعبت المؤسسات الدولية دورها ، لكن العولمة المنفلتة كانت حالة ذهنية أكثر من كونها قيداً حقيقياً ثابتاً على السياسة المحلية. قبل ذلك ، جربت البلدان نموذجين مختلفين للغاية للعولمة: المعيار الذهبي ونظام بريتون وودز. إن العولمة المنفلتة الجديدة أقرب روحياً إلى المعيار الذهبي الأكثر بُعداً والأكثر تدخلاً من الناحية التاريخية. وهذا هو مصدر العديد من المشاكل التي نشهدها اليوم. إن مبادئ بريتون وودز أكثر مرونة ، ويجب على صانعي السياسة اليوم النظر إليها إذا ما كانوا يريدون صياغة اقتصاد عالمي أكثر عدلاً واستدامة.
سترة ذهبية
منذ 50 عاماً تقريباً سبقت الحرب العالمية الأولى ، إضافة إلى فترة ما بين الحربين، حدد المعيار الذهبي قواعد الإدارة الاقتصادية. كان على الحكومة التي تسير وفقاً للمعيار الذهبي أن تحدد قيمة عملتها الوطنية تبعاً لسعر الذهب ، والحفاظ على حدود مفتوحة للتمويل ، وسداد ديونها الخارجية مهما كانت الظروف. إذا كانت هذه القواعد تعني أن على الحكومة فرض ما يسميه الاقتصاديون اليوم التقشف ، فليكن الأمر كذلك ، بغض النظر عن الضرر الذي يلحق بالدخل المحلي والعمالة.
إن هذا الميل صوب فرض الألم الاقتصادي كان يعني أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن نشأت أول حركة شعبوية ذات وعي ذاتي في ظل المعيار الذهبي. في نهاية القرن التاسع عشر ، أعطى حزب الشعب صوته للمزارعين الأمريكيين المنكوبين الذين كانوا يعانون من ارتفاع أسعار الفائدة على ديونهم وانخفاض أسعار محاصيلهم. وكان الحل واضحاً: تقديم قروض ميسرة، عن طريق جعل العملة قابلة للاسترداد بالفضة وكذلك بالذهب. فإذا ما سمحت الحكومة لأي شخص لديه سبائك فضية بتحويله إلى عملة بسعر محدد، فإن المعروض من المال سيزيد ، مما يرفع الأسعار ويخفف عبء ديون المزارعين. لكن المؤسسة الشمالية الشرقية ودعمها للمعيار الذهبي وقفت بوجه هذا الحل. وإزداد الإحباط ، وفي المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي عام 1896 ، أعلن ويليام جينينغز براين ، المرشح للرئاسة الأمريكية الذي أعلن بوضوح أنه "لا يجوز لك أن تصلب البشرية على صليب من ذهب".
نجا المعيار الذهبي من العدوان الشعبوي في الولايات المتحدة ، ويعود الفضل في جزء منه إلى الاكتشافات المحظورة لخام الذهب التي خففت من شروط الائتمان بعد عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر. وبعد ما يقرب من أربعة عقود ، جرى التخلي كلياً عن المعيار الذهبي إلى الأبد ، وهذه المرة من قبل المملكة المتحدة وتحت ضغط المظالم المماثلة. وبعد تعليقها فعلياً للمعيار الذهبي خلال الحرب العالمية الأولى ، عادت إليه المملكة المتحدة في عام 1925 بمعدل ما قبل الحرب. لكن الاقتصاد البريطاني كان على حاله لفترة ما قبل الحرب . وبعد أربع سنوات ، دفع انهيار 1929 البلاد إلى الحافة. وطالبت الشركات والعمال بتخفيض أسعار الفائدة ، وبموجب معيار الذهب ، مما يسمح بارسال رأس المال إلى الخارج. لكن هذه المرة ، اختارت الحكومة البريطانية الاقتصاد المحلي وفقاً للقواعد العالمية وتخلت عن المعيار الذهبي في عام 1931. وبعد ذلك بعامين ، اتبع فرانكلين روزفلت ، الرئيس الأمريكي المنتخب حديثاً ، نفس الحكمة. وكما يدرك الاقتصاديون الآن ، فكلما تترك دولة ما المعيار الذهبي ، فإنها تخرج بسرعة من الكساد العظيم.
لقد علّمت تجربة المعيار الذهبي مهندسي النظام الاقتصادي الدولي لما بعد الحرب، ومن بينهم الاقتصادي جون ماينارد كينز، أن إبقاء الاقتصاديات المحلية على مقود ضيق لتعزيز التجارة والاستثمار الدوليين جعل النظام أكثر هشاشة. وتبعا لذلك ، فإن النظام الدولي الذي صاغته دول الحلفاء في مؤتمر بريتون وودز ، في عام 1944 ، أعطى الحكومات مجالا واسعا لوضع أسس السياسة النقدية والمالية. وكان من العناصر الأساسية لهذا النظام الضوابط التي فرضتها على حركة رأس المال الدولي. وكما أكد كينز ، لم تكن ضوابط رأس المال مجرد وسيلة مؤقتة كي تستقر الأسواق المالية بعد الحرب؛ لقد كانت "ترتيباً دائماً". فقد حددت كل حكومة قيمة عملتها ، لكن كان بإمكانها ضبط تلك القيمة عندما يصطدم الاقتصاد بقيود التمويل الدولي. وتنبأ نظام بريتون وودز على اعتقاد بأن أفضل طريقة لتشجيع التجارة الدولية والاستثمار طويل الأجل هي تمكين الحكومات الوطنية من إدارة اقتصاداتها.
ويعود الفضل لمبادئ بريتون وودز الأكثر مرونة ، بحيث يتوجب على صانعي السياسة النظر اليها اليوم فيما إذا كانوا يريدون صياغة اقتصاد عالمي أكثر عدلاً واستدامة.
لم يغط "بريتون وودز" سوى الترتيبات النقدية والمالية الدولية؛ وتطويرقواعد التجارة بطريقة أكثر تخصيصاً ، تحت رعاية الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT)، لكن جرى تطبيق الفلسفة نفسها. كان على الدول أن تفتح اقتصاداتها فقط إلى الحد الذي لا يؤثر سلباً على الصفقات الاجتماعية والسياسية المحلية. لقد ظلت ليبرالية التجارة مقتصرة على خفض القيود الحدودية - حصص الاستيراد والتعريفات الجمركية - وعلى السلع المصنعة وتطبيقها فقط على البلدان المتقدمة. كانت البلدان النامية حرة أساساً في القيام بما تريد. وكان حتى لدى الدول المتقدمة الكثير من المرونة لحماية القطاعات الحساسة. ولكن في أوائل عقد السبعينيات من القرن العشرين ، عندما هدد الارتفاع السريع في واردات الملابس من البلدان النامية العمالة في العالم المتطور، تفاوضت الدول المتقدمة والنامية على نظام خاص سمح للأولى بإعادة فرض حصص الاستيراد.
بالمقارنة مع كل من المعيار الذهبي والعولمة المنفلتة اللاحقة، فإن قواعد بريتون وودز و GATT تمنح البلدان حرية كبيرة في اختيار الشروط التي ستشارك بموجبها في الاقتصاد العالمي. واستخدمت الاقتصاديات المتقدمة هذه الحرية في تنظيم وفرض ضرائب على اقتصاداتها حسب رغبتها ويتناسب مع بناء دولة الرفاهية، دون عوائق بسبب المخاوف من التنافس العالمي أو هروب رأس المال. ونوّعت الدول النامية اقتصادياتها من خلال القيود التجارية والسياسات الصناعية.
ويبدو أن الاستقلال الذاتي المحلي من الضغوط الاقتصادية العالمية هي بمثابة وصفة أقل للعولمة. ولكن خلال عصر بريتون وودز ، كان الاقتصاد العالمي ممزقاً. ونمت الاقتصاديات المتقدمة والنامية على حد سواء بمعدلات غير مسبوقة. وتوسعت التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر بشكل أسرع ، متجاوزة نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتضاعفت حصة الصادرات في الإنتاج العالمي أكثر من ثلاثة أضعاف ، من أقل من خمسة في المائة في عام 1945 إلى 16 في المائة في عام 1981. وكان هذا النجاح بمثابة تأكيد ملحوظ على فكرة كينيز بأن الاقتصاد العالمي يعمل بشكل أفضل عندما تهتم كل حكومة باقتصادها و بامجتمعها.
العودة إلى روح المعيار الذهبي
من سخرية القدر، أن استخدم أنصار العولمة المنفلتة النجاح الذي حققه نظام بريتون وودز لإضفاء الشرعية على مشروعهم ليحل محله. إذا كانت ترتيبات بريتون وودز الضحلة قد فعلت الكثير للنهوض بالتجارة العالمية والاستثمار ومستويات المعيشة ، فتخيلوا ما يمكن أن يحققه التكامل الأعمق، حسب اعتقادهم.
إلاّ أنه في عملية بناء النظام الجديد ، تم نسيان الدرس الأساسي للنظام القديم، وأصبحت العولمة هي الهدف النهائي، وأصبحت الاقتصادات الوطنية وسيلة له. وتوصل الاقتصاديون وواضعو السياسات إلى رؤية كل سمة يمكن تصورها للاقتصاديات المحلية من خلال عدسة الأسواق العالمية. كانت اللوائح المحلية إما خالية من الحواجز التجارية، ويمكن التفاوض عليها من خلال اتفاقيات التجارة ، أو من المصادر الكامنة للقدرة التجارية التنافسية. أصبحت الثقة بالأسواق المالية المقياس الأساسي لنجاح أو فشل السياسة النقدية والمالية.
كانت فرضية نظام بريتون وودز هي أن اتفاقية الجات وغيرها من الاتفاقيات الدولية ستعمل بمثابة ثقل موازن لأنصار الحماية الأقوياء في الداخل - نقابات العمال والشركات التي تخدم السوق المحلية بشكل رئيسي. ومع ذلك ، بحلول عقد التسعينيات، مال ميزان القوى السياسية في الدول الغنية وابتعد عن أنصار الحماية وباتجاه مجموعات الضغط من المصدرين والمستثمرين.
لقد عكست الصفقات التجارية التي عقدت في التسعينيات قوة مجموعات الضغط تلك. وكان أوضح مثال على هذه القوة هي ما تضمنته اتفاقيات التجارة الدولية من وسائل حماية محلية لحقوق الملكية الفكرية ، كنتيجة للضغط القوي من جانب شركات الأدوية التي تتوق إلى جني الأرباح من خلال توسيع سلطتها الاحتكارية على الأسواق الأجنبية. حتى يومنا هذا فإن"Big Pharma" تعد أكبر مجموعة ضغط في الصفقات التجارية. وحصل المستثمرون الدوليون أيضاً على امتيازات خاصة في الاتفاقيات التجارية ، مما سمح لهم (ولهم فقط) بمقاضاة الحكومات مباشرة في المحاكم الدولية بسبب انتهاكات مزعومة لحقوق الملكية الخاصة بهم. ودفعت البنوك الكبرى ، التي تتمتع بدعم وزارة الخزانة الأمريكية وراءها ، الدول إلى الانفتاح على التمويل الدولي.
لم يحصل أولئك الذين تعرضوا للخسارة جراء العولمة المنفلتة إلاّ على دعم يسير. وشهدت العديد من المجمعات المعتمدة على التصنيع في الولايات المتحدة شحن ظائفها إلى الصين والمكسيك مما عرضها إلى عواقب اقتصادية واجتماعية خطيرة، تتراوح من البطالة أو وباء الإدمان على المخدرات. من حيث المبدأ، كان ينبغي تعويض العمال الذين تضرروا من التجارة من خلال البرنامج الفيدرالي للمساعدة في تعديل الميزان التجاري، ولكن لم يكن لدى السياسيين أية حوافز لتمويله بشكل مناسب أو للتأكد من أنه يعمل بشكل جيد
وحذت الاقتصاديون الثقة في عقد التسعينيات حول العولمة كمحرك للنمو. وكانت اللعبة تجري لتشجيع الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية. افعل ذلك ، وستثبت المكاسب أنها كبيرة بحيث يفوز الجميع في النهاية. وقدم هذا الإجماع التكنوقراطى خدمة لإضفاء الشرعية على قوة عولمة المصالح الخاصة للشركات والمالية وتعزيزها.
لقد كان أحد العناصر المهمة لانتصار العولمة المنفلتة هو الاعتقاد بأن البلدان ذات النماذج الاقتصادية والاجتماعية المختلفة سوف تتقارب في نهاية المطاف، إن لم تحقق نماذج متطابقة على الأقل في نماذج اقتصاد السوق المتماثلة بشكل كافٍ. وأدى انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، على وجه الخصوص ، إلى توقع في الغرب بأن تتخلى الدولة عن توجيه النشاط الاقتصادي. ولكن كانت لدى الحكومة الصينية أفكاراً مختلفة. فلم يكن هناك أي سبب وجيه للابتعاد عن نمط الاقتصاد المدار من قبل الدولة والذي حقق مثل هذه المعجزة على مدى السنوات الأربعين الماضية في الصين. وولم تلق شكاوى المستثمرين الغربيين إلاّ على آذان صاغية، والتي أنصبت على أنتهاك الصين لالتزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية وتورطها في ممارسات اقتصادية غير عادلة. وبغض النظر عن الحجج القانونية لكل طرف، فإن المشكلة هي أعمق في جانب آخر: فلا يمكن للنظام التجاري الجديد استيعاب النطاق الكامل للتنوع المؤسساتي بين أكبر اقتصاديات العالم.
العولمة السليمة
لم يعد بمقدور صناع السياسة تنشيط نظام بريتون وودز بكل تفاصيله ؛ ولا يمكن للعالم (ولا ينبغي له) العودة إلى أسعار الصرف الثابتة وضوابط رأس المال المتفشية والمستويات العالية من الحماية التجارية. لكن يمكن لصناع السياسات الاستفادة من دروسه لصياغة عولمة جديدة وسليمة.
إن أحادية ترامب هي الطريقة الخاطئة للمضي قدماً. فيجب على السياسيين العمل على إحياء شرعية النظام التجاري المتعدد الأطراف بدلاً من سحقها. ومع ذلك ، فإن الطريقة لتحقيق ذلك لا تتمثل في زيادة فتح الأسواق وتشديد القواعد العالمية للتجارة والاستثمار. إن العوائق أمام التجارة في السلع والعديد من الخدمات هي بالفعل منخفضة للغاية. وتتمثل المهمة في ضمان دعم شعبي أكبر لاقتصاد عالمي مفتوح من نواح أساسية ، حتى لو كان أقل من مُثُل العولمة المنفلتة.
إذا أرادت الصين والولايات المتحدة حل نزاعهما التجاري، فيجب عليهما الاعتراف بأن الاختلافات لا تختفي بين اقتصادياتهما.
سيتطلب توفير مثل هذا الدعم وضع معايير دولية جديدة توسع المجال أمام الحكومات لمتابعة الأهداف المحلية. ويعني ذلك بالنسبة إلى الدول الغنية وجود نظام يسمح لها بإعادة تشكيل عقودهم الاجتماعية المحلية. وتحتاج مجموعة القواعد التي تسمح للبلدان بحماية القطاعات الحساسة مؤقتاً من المنافسة إلى إصلاحات مبرمة. فعلى سبيل المثال ، أن تسمح منظمة التجارة العالمية للبلدان بفرض رسوم جمركية مؤقتة ، تعرف باسم رسوم مكافحة الإغراق على الواردات التي تبيعها شركة أجنبية بأقل من الكلفة مما تهدد بإلحاق الأذى بالصناعة المحلية. كما ينبغي لمنظمة التجارة العالمية أن تسمح للحكومات بالرد على ما يسمى بالإغراق الاجتماعي، وهي ممارسة تقوم بها البلدان التي تنتهك حقوق العمال من أجل إبقاء الأجور منخفضة وجذب الإنتاج. إن نظام مكافحة الإغراق من شأنه أن لا يسمح للبلدان بحماية أرباح الصناعة فحسب، بل ومعايير العمل أيضا. أما بالنسبة للبلدان النامية ، فينبغي أن تلبي القواعد الدولية حاجة الحكومات إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها لتسريع النمو. كما ينبغي لمنظمة التجارة العالمية أن تخفف القواعد الخاصة بالإعانات والاستثمار وحقوق الملكية الفكرية التي تقيد قدرة البلدان النامية على تعزيز صناعات معينة.
إذا كانت لدى الصين والولايات المتحدة النية في حل نزاعهما التجاري، فيجب عليهما الاعتراف بأن الاختلافات بين اقتصادياتهما لن تختفي. لقد تم بناء المعجزة الاقتصادية الصينية على قاعدة السياسات الصناعية والمالية التي تنتهك المبادئ الأساسية لنظام العولمة المنفلتة: المتمثلة في تقديم الإعانات للصناعات المفضلة، ومتطلبات نقل الشركات الأجنبية للتكنولوجيا إلى الشركات المحلية إذا كانت ترغب في العمل في الصين والحفاظ على ملكية الدولة الواسعة والرقابة على النقد . ولن تتخلى الحكومة الصينية عن هذه السياسات في الوقت الحاضر. إنها ممارسات تعتبرها الشركات الأمريكية بمثابة سرقة للملكية الفكرية وهي ممارسة مارستها الولايات المتحدة على مر الأزمان ، حيث انخرطت الولايات المتحدة الفتية نفسها عندما كانت تسعى إلى اللحاق بركب التصنيع في إنجلترا في القرن التاسع عشر. من جانبها ، يتعين على الصين أن تدرك أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لديها أسباب مشروعة لحماية العقود الاجتماعية والتكنولوجيات المحلية من الممارسات الصينية. إن القاء نظرة على صفحات من العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة، تفرض على الصين والولايات المتحدة أن تسعى إلى التعايش السلمي بدلاً من التقارب.
في مجال التمويل الدولي ، يتعين على الدول إرجاع القواعد التي تبيح للحكومات المحلية السيطرة على انتقال رأس المال عبر الحدود ، وخاصة من النوع قصير الأجل. ويجب أن تعطي هذه القواعد الأولوية لسلامة للسياسات المحلية في مجمل مناحي الاقتصاد والأنظمة الضريبية واللوائح المالية على التدفق الرأسمالي الحر. لقد تحفظ صندوق النقد الدولي على الرقابة على رأس المال ، ولكن يتعين على الحكومات والمؤسسات الدولية فعل المزيد لإضفاء الشرعية على استخدامها. فعلى سبيل المثال، يمكن للحكومات أن تجعل اقتصادياتها المحلية أكثر استقراراً من خلال استخدام "تنظيم رأس المال المضاد للدورات الاقتصادية" ، أي تقييد تدفقات رأس المال عندما يكون الاقتصاد نشطاً وفرض الضرائب على التدفقات الخارجية خلال فترة الانكماش. ويجب على الحكومات أيضاً اتخاذ إجراءات صارمة ضد التهرب الضريبي من جانب الأثرياء من خلال إنشاء سجل مالي عالمي لتسجيل إقامة وجنسية المساهمين وأصحاب الأصول المالية الفعليين.
إذا تخلت العولمة عن أجهزتها الخاصة ، فإنها تخلق على الدوام رابحين وخاسرين. لذا يجب أن يكون المبدأ الأساسي للعولمة الجديدة هو أن التغييرات في قواعدها يجب أن تحقق فوائد للجميع وليس للقلة. وتطرح النظرية الاقتصادية هنا فكرة مهمة. إنها تقترح أن يكون حجم تعويض الخاسرين أعلى بكثير من الحاجز الذي يتم تخفيضه. من هذا المنظور ، فإن التوجه بعيداً عن المتبقيات ، ومعظمها بسيطةعلى التجارة في السلع أو الأصول المالية ، ليس له مغزى كبير. يجب أن تركز البلدان بدلاً عن ذلك على تحرير حركة العمالة عبر الحدود، حيثما تكون الحواجز أكبر بكثير. في الواقع ، إن أسواق العمل هي المجال الذي يوفر أقوى حالة اقتصادية لتعميق العولمة. إن توسيع نطاق برامج تأشيرات العمل المؤقتة، وخاصة للعمال ذوي المهارات المنخفضة، في الاقتصادات المتقدمة سيكون أحد السبل لتحقيق ذلك.
قد يبدو أن اقتراح عولمة أكبر في أسواق العمل سيثير المخاوف المعتادة المتمثلة في كون زيادة المنافسة من قبل العمال الأجانب ستضر بالعمال من ذوي المهارات المنخفضة في الاقتصاديات المتقدمة. وقد يكون كذلك مفيداً للولايات المتحدة وأوروبا الغربية في الوقت الحالي. وإذا لم تقم الحكومات بتعويض الخاسرين، عندها يجب عليها أن تأخذ بنظر الاعتبار هذا القلق بجدية. ولكن المكاسب الاقتصادية المحتملة هائلة: فحتى الزيادة الطفيفة في انتقل اليد العاملة عبر الحدود من شأنها أن تحقق مكاسب اقتصادية عالمية تتمثل في إتمام الجولة الحالية الكاملة والمتوقفة منذ فترة طويلة من المفاوضات التجارية بين الأطراف المتعددة. وهذا يعني أنه سيتوفر مجالاً واسعًا لتعويض الخاسرين، على سبيل المثال ، من خلال فرض ضريبة على زيادة تدفقات العمالة عبر الحدود وإنفاق العائدات مباشرةً على برامج المساعدة في سوق العمل.
على العموم، يجب على المتحكمون بالعولمة أن يتسمو بالانفتاح والمرونة والسماح للحكومات في اختيار مناهجها الخاصة بالتسوية. فالتجارة بين الدول هي ليست حصول المنافع على حساب الآخرين، بل خلق المكاسب محلياً. وعندما يتم توزيع هذه المكاسب بشكل عادل في جميع أنحاء الاقتصاد المحلي ، فلا تحتاج البلدان إلى قواعد خارجية لفرض الانفتاح ؛ وسوف يختارون هذه القواعد من تلقاء أنفسهم.
إن لمسة أخف قد تساعد العولمة. بعد مرو الزمن ، توسعت التجارة بشكل أسرع بالنسبة للإنتاج العالمي خلال العقود الثلاثة ونصف من نظام بريتون وودز مقارنة بما كان عليه الحال منذ عام 1990 ، حتى مع استبعاد التباطؤ الذي أعقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008. يجب على الدول التوصل إلى اتفاقيات دولية لتقييد السياسة الداخلية فقط عندما تكون هناك حاجة إليها لمعالجة المشاكل الحقيقية للجار المتسول، مثل الملاذات الضريبية للشركات والكارتلات الاقتصادية والسياسات التي تجعل عملة الفرد رخيصة بشكل مصطنع.
تحاول قواعد النظام الدولي كبح العديد من السياسات الاقتصادية التي لا تلامس المشاكل الحقيقية للجار المتسول. لنلقي نظرة على قرارات الحظر على الكائنات المعدلة وراثيا والإعانات الزراعية والسياسات الصناعية والتنظيم المالي المتراخي بإفراط. فمن الممكن أن تلحق كل من هذه السياسات الضرر بالبلدان الأخرى ، لكن الاقتصاد المحلي المعني سيدفع الجزء الأكبر من الكلفة الاقتصادية. وتعتمد الحكومات على مثل هذه السياسات لأنها تعتقد بأن الفوائد الاجتماعية والسياسية تستحق دفع هذا الثمن. في أي حالة فردية ، قد تكون حكومة ما على خطئ. ولكن من غير المحتمل أن تكون لدى المؤسسات الدولية أحكام أفضل - وحتى ولو كانوا على حق ، فإن قراراتهم ستفتقر إلى الشرعية الديمقراطية.
أدى الاندفاع صوب العولمة المنفلتة منذ عقد التسعينيات إلى مديات تجاوزت بكثير التكامل الاقتصادي الدولي. وفي الوقت نفسه ، أنتجت التفكك المحلي. والنظر إلى أن النخب المهنية والشركات والمؤسسات المالية ترتبط بأقرانها في جميع أنحاء العالم ، قد أصبحوا أكثر بُعداً عن مواطنيهم في البلد. وإن رد الفعل الشعبوي اليوم هو أحد أعراض هذا التفتت.
إن الجزء الأكبر من العمل اللازم لإصلاح النظم الاقتصادية والسياسية المحلية يتحدد فيما يجب القيام به في الداخل. إن سد الفجوات الاقتصادية والاجتماعية التي تتسع بسبب العولمة المنقلت، سيتطلب استعادة الأولوية للمجال المحلي في التسلسل الهرمي للسياسة وتقليص المستوى الدولي. إن أكبر مساهمة يمكن أن يقدمها الاقتصاد العالمي لهذا المشروع هي تمكين هذا التصحيح ، وليس إعاقته.
* داني رودريك (من مواليد 14 أغسطس 1957) هو اقتصادي تركي، وأستاذ سابق في العلوم الاجتماعية في ألبرت أو هيرشمان في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون ، نيو جيرسي. وقد نشر مقالاته على نطاق واسع في مجالات الاقتصاد الدولي ، والتنمية الاقتصادية ، والاقتصاد السياسي. إن مسألة ما الذي يشكل سياسة اقتصادية جيدة ولماذا تكون بعض الحكومات أكثر نجاحًا من غيرها في تبنيها هي في صلب أبحاثه. تشمل أعماله قواعد الاقتصاد: حقوق وأخطاء العلوم المفككة ومفارقة العولمة: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي. وهو أيضًا رئيس التحرير المشارك في المجلة الأكاديمية Global Policy.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن