حين يغضبُ حمكو

امين يونس
sadamkar@yahoo.com

2019 / 6 / 25

وجَدْتها فُرصة حينَ رأيتُ " حمكو " حزيناً وغاضباً ، فسألته مُماحِكاً :
- ما لي أراكَ ونظرات الإستياء تكادُ تقفزُ من عينيك القبيحتَين ؟ إهدأ يارجُل .. صحيحٌ ان الدُنيا ليستْ ربيعاً والجو ليس بديعاً .. لكن الأمور ماشية على أية حال ، ولا سيّما أمورك أنتَ .. فأولادكَ قد نجحوا وأسترحتَ من مُتابعتهم .
* نجحوا ؟ باللهِ عليك لا تدعني أفقد أعصابي وأتفّوهَ بما لا تُحمد عُقباه ! . نعم أولادي نجحوا ، لأنهم مُجتهدون أصلاً وأنا ووالدتهم كُنّا معهم خطوة بخطوة... لكن ما الفائدة ؟ سوف يحصلون على معّدلات تتراوح بين 75 و 85 على الأغلب ، ولن يُقبلوا في الكُليات التي يرغبون فيها . حيث لم يكُن عندهم مُدرسون خصوصيون ، ودرسوا في مدارس حكومية عادية ... من المُستحيل أن يُنافِسوا طُلاب مدارس القطاع الخاص أو أبناء الأثرياء الذين يحصلون على مُدّرسٍ خصوصي في كُل مادّة .
- لا تُهّوِل الأمر يارجُل ... تستطيع شراء بضع درجات على المُعّدَل .. فالإدارة الحكيمة وَفّرَتْ هذا الخيار أيضاً ، تلبية لرغبات المواطنين الذين يطمحون في قبول أبناءهم في الكليات التي يريدونها ! .
* هه هه هه ... حقاً أنك مُضحِك .. أو بالأحرى مُزعِجٌ ومُضحِك . مِنْ أينَ لي بشراء الدرجات أنا الكَحيان ؟. حتى هذا الخيار إبتدعوه لأنفسهم ولجماعتهم " المرّيشين " . فعشرات المدارس الأهلية الخاصة ، منتشرة الآن ، دراستها بالإنكليزية على الأغلب ، وتبدأ من الروضة مروراً بالإبتدائية فالمتوسطة والإعدادية وصولاً للجامعة .. تَصَور أن هذه المدارس تستوفي خمسة آلاف دولار سنوياً ، عن كُل طفلٍ في الروضة ! .
- ها قَد عُدتَ إلى طبيعتك المتشائمة وتفكيرك الحاقِد . وماذا في ذلك يارجُل ؟ أنعَمَ اللهُ على البعض ورزقَهُم بغير حساب ومّكَنهُم من تعليم أبناءهم في مدارس راقية .. فهل تعترض على حكمتهِ ؟! . ثم لاتنسى أمراً آخَر ... هنالك طُلابٌ في مدارس حكومية عادية .. بل هنالك نازحون في المُخيمات ، حصلوا على معدلات عالية جداً .. فيبدو أن الخَلَل في أبناءك أنت .. وذلك شئٌ متوَقَع .. أن يكون مستوى ذكاءهم وراثياً ، مُتوسِط أو دون المُتوسِط ! .
* كُفَّ عّني .. وكُفّ عن ضحكك وسُخريتك .. فأولادك وأحفادك ليسوا بأفضل حال من أولادي . وأعرف أنكَ في العُمق توافقني عموماً فيما أذهب إليه . فأن إنحدار مُستوى التربية والتعليم أصبحَ ظاهرة خطيرة .. وأرى بأن إفساح الإدارة ، المجال واسعاً للقطاع الخاص في هذا المضمار ، شئٌ مُؤسِف للغاية ، وتكريسٌ للفروقات الطبقية في المجتمع .. مِما سيُحدِث مشاكِل عويصة سُرعان ما تظهر نتائجها الكارثية في السنوات العشر القادمة . فمع تنامي الأُمِية وإرتفاع نسبة التلاميذ المتسربين من الصفوف الإبتدائية ، من ناحية ... والبطالة ونُدرة فُرَص العمل ، وإنتشار القِيَم الإستهلاكية وتفّشي الفساد بأنواعه وتراجُع الأخلاق عموماً ، من ناحيةٍ أخرى .. كُلها تُؤدي إلى نتيجةٍ مُفزِعة بعد عقدٍ من الزَمَن : ظهور جيلٍ من الشباب من أنصاف المتعلمين والأميين ، العاطلين عن العمل ، المفتقرين للقِيَم الإيجابية الجميلة ، المُفتقدين لأي أملٍ في المٌستقبَل ... هؤلاء سيكونون خطراً مُحدِقاً بالمجتمع كُله .. واجبنا أنا وأنتَ ، أن نُحّذِر وأن نرفع صوتنا وأن لا نمُل من التكرار والضغط على صانعي القرار .. من أجل إستدراك الأمور قبل أن تتفاقَم أكثر .
- أبصمُ بالعشرةِ ياحمكو .. كَم أنتَ حكيمٌ حين تغضَب ! .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن