أتوبيس الأحلام

رولا حسينات
salahfd8@gmail.com

2019 / 6 / 11

أتوبيس الأحلام
مدَّ الهجير عنقه إلى كبد السماء والجسد الثالث للتو خرج من حفرة صغيرة في وسط الصحراء، التي بسطت حولهم بساطا ذهبيا على مد البصر، لم تكن غير أعينهم هي التي ترى ما أمامها حين قرروا مواصلة طريقهم، قرُّ الصيف يلفحهم و ريح الخماسين غطت أهدابهم برمال ثقيلة، كانت كما قدروا مرورها في مثل هذا الوقت، حين أخذت تسوي الرمال من خلفهم وظبٌّ ولج إلى الحفرة الصغيرة وبدأ يهيل رمالها الذهبية، وظلال ثلاثتهم القصيرة قد تلاشت و السراب، وراء خط الأفق حيث ابتلعت زرقة السماء ما تبقى من صحراء.
على وقع الطبول والأقدام النحيلة التي كشف راقصوها عن سيقانهم السمراء الرفيعة كأعواد الخيزران، الذي سيج تلك القرية التي تتراص بيوتها المبنية من أعواده، وقد جعلت عسف النخيل سقفا لها، وحول الخيمة الكبيرة التي بقيت وحيدة بالقرب من الواحة الصغيرة وقد أظلتها أشجار النخيل وحبات البلح المتكورة بلزوجتها قد أرخت عناقيدها الذهبية، ورائحة البخور لفت الجالسين بغيمة بيضاء، في فيء تلك الخيمة التي رتب فراشها بحيث جُعلت أسنام الجمل المزينة بالقلائد، التي تجدلها النساء وتضع فيها الأجراس الصغيرة، تراصت الأجساد وبقيت الأسنام تريح ظلال بعضهم...
الصرخة التي أطلقها الراقصون كالعواء، والتي جعلت ثلاثة من الرجال يعدلون من جلستهم، وقد أفصحت وجوههم السمراء عن رعب دفين، ذلك العواء الذي أوقف ذلك الضيف عن مداعبة التزامن في الرقصات وقد أطربه إيقاع الطبول وذلك التناغم برفع قدم وإنزال أخرى، مع حركة مصاحبة من الذراعين وإمالة في الرأس لليمين واليسار، لم يكن ليقطع إيقاع الطبول إلا عزف الناي وأهازيج الشعراء من النجع الذين كانوا في حضرة الشيخ وهدان، الذي توسط الجالسين، وهو يحرك بحركة متتالية السواك في فمه، كما لو كان طربا عازفا عارفا لتلك الألحان، حتى رفع يده ليوقف كل ذلك الطرب على نحو فاجأ الرجال الثلاثة، لينهي الفتيان رقصتهم بصرخة أشبه بالعواء قد شقت ذلك الإيقاع من الطرب، ليجعل ثلاثة من الرجال، الذين يرتدون البياض وحزاما قماشيا مطرزا بالقصب المذهب المائل للحمرة والذي يثبت فيه خنجر نحاسي تبلغ عقفته ذقن كل منهم إذا انحنى بجسده، وعمامة ملفوفة بشكل دائري متقن بطيات متتالية تترك فرجة مثلثة الشكل وقد خلي قطعتان منها، تتدلى فوق الكتفين وقد انسدلت على صداري يميل لونه إلى زرقة داكنة، تلك الصيحة قد أثارت الفضول لديهم رغم أنهم لم يغيبوا عن النجع سوى عقدا كاملا، السنوات العشر كانت كافية في أن تسقط الكثير من العادات والتقاليد التي اعتادوا عليها في نجع وهدان، الذي لم يتسن لهم رؤيته منذ تلك الحادثة الشنيعة، التي أطاحت بهم في سجن الموت، الذي لم يقدر لأحد ممن دخله أن يخرج منه، لكن الرحمة الإلهية رعتهم في الخروج منه عبر الحفرة الصغيرة حين جعل كل منهم ينفض تلك الرمال الصفراء العالقة بثيابهم الحمراء.
وجوه رجال الصحراء ملساء، سمراء، ممتدة أهدابها، عاقدة الحاجبين، الشارب الرقيق واللحية الخفيفة التي تمر بموسها على صفحة الوجه العنيدة، وقد امتدت الخطوط الغائرة حول العينين، السمرة وشاح يمد وشاحه على ساكني الصحراء ويوحد أسماءهم... غير أن لتلك الندبات على أجسادهم من أثار ، الذي لقوه في سجن الموت، حيث تنعق الغربان وتحوم النسور منتظرة جيفها الملقاة في العراء، لم يكن لهم نصيب في رؤية الصقور عن قرب، بعد أن وجدوا تحالفا مع رمال الصحراء، ومهادنة مع العقارب الملعونة التي توحد لهم الزمن، ما لم يصدقه أحد في محاكمتهم الصورية، هو الحقيقة الملعونة لم ترسب شيئا وراء القضبان بعد طوفان، عمليات التفجير التي أتت على ما تبقى من أمن بعد أن تزعزع جدار الثقة في قلوب المارقين على الطرقات، كما كانوا هم وقلة قليلة يتذكرون التفاصيل، ويروون الحكايات والأساطير، في قيظ الصحراء حيث يلتهم السراب الحقيقة العائمة في خيال العابرين.
كان ذلك في صيف مختلف قبل عشر سنوات، عندما عبروا الطريق الصحراوي باتجاه المناجم القابضة على الجبال المائلة إلى الصفرة مع حفنة من الحناء، ذلك الوهج يزيغ العينين المتقلبة مع موج الرمال المفككة، مع الكثيرين من العابرين إلى آمال أخرى وأحلام مؤجلة غير ذلك التحالف مع الموت، في كل دقيقة تحت قيظ الصحراء، وبنادق الألم، وسياط الخشونة وواجهات الخوف، من خطأ في التفجير لأحد الجبال أو ردم لأحد المناجم.
الصخب يضرب النوافذ في الأتوبيس الذي يغص بأجساد البؤساء، الذين يحملون كهولتهم في محافظ من شباب تائه، والأغاني الشعبية تمدد السائل الأحمر في الأبدان الهامدة، والحجارة الصغيرة تضرب الصفيح المهترئ للأتوبيس، والعجلات تضرب بالمقاعد المائلة، نزولهم كما اعتادوا قبل المناجم بقليل، كي يشدوا من عزمهم بالمسير، ويتسابقوا على لقمة العيش، اللفحة البيضاء كانت تخفي الكثير من التجهم، لكنها تظهر بجلاء تلك العقدة بين الحاجبين والسمرة اللامعة...
خمس عشر خطوة كان كفيلة بأن يكونوا في دائرة الموت، انفجار هائل، وعشرات من الجثث بعدد لا يوصف من المناظر المفجعة، أشلاء وصلت إلى حيث وقفوا، مع أول امتداد للرمال بعيدا عن الإسفلت... خمس دقائق كانت تفصلهم عن الموت، وعن القطع الممتلئة بهواة الحياة، حين أفقدها الموت تلك اللذة، وذلك الأمل المتقد، لم يكن إبحارهم سوى في قارب غريق في بحر من اللون الأحمر، البقع الحمراء لوثت ثيابهم وسراويلهم البيضاء، وغمست أيديهم وهم يبحثون عن ناجين، يقلبون الجثث التي كانت معهم، حاملة لسلال الأحلام والأغاني الشعبية الصاخبة، لم يكن هناك وقت للتشهد، وللصلاة.
قبل أن يقدم المحكوم بالإعدام إلى حبل المشنقة يتمنى...
لما لم يخير هؤلاء بأمانيهم؟!
الكثير من البدلات الزرقاء، الكثير من الأقدام المسرعة، الوجوه المقنعة والكثير من البنادق الموجهة فوهاتها إليهم، الكثير من كل شيء إلا البراءة، أفواههم التي طوقت كما طوقت أيديهم، لم تنطق بغير: أنا بريء، والله العظيم بريء.
لكن أصواتهم غادرت المكان، غادرت المجزرة، التي كان يمكن أن يكونوا أحد أشكالها المبعثرة، وانتهى بهم المطاف وراء الشمس، وراء القضبان، والأسوار حيث لا تراهم سوى النسور والغربان، حيث لا يسمعون سوى النعيق، وتنطق الجدران الباردة بلغة واحدة هي لغة الرعب، والخوف يهمس به كل من تلاقت به عيونهم، كانوا معا في الحياة والموت، كان قدرهم أن يبقوا معا، ذلك الذي لم يكتبوه ولم يختاروه، لكنه كان لهم، سنوات من التعذيب والخيط المنسل من الأمل قد قُطع من المنتصف، وخيوط العنكبوت قد امتدت بشباكها في كل مكان، حتى وصلت إلى قلوبهم، التي سكنتها الشباك الصمغية التي علقوا بها، التعذيب وصوره وأزاميل الشقاء، ما كان يروق لهم سماعه...
كم مضى؟ كم بقي؟
الصور التي نحتوها فوق الرمال ذهبت مع الريح وبقيت على الجدران المتكلسة، التي خزنت الطحالب الخضراء، رغم القيظ كانت الرطوبة، حيث الدمامل والقيح على أجسادهم، والعفونة التي تفوح من الجروح الغائرة، والسياط الملتهبة...
كانوا يعرفون الصحراء ورمالها التي تكوي ندوبهم، الملح اللامع طبيب الصحراء، يكوي جلودهم لكنه يبقي أثارها الملعونة فوق السمرة...
من تهادن مع الموت لا ينبغي له أن يخشى شيئا، من منح فرص النجاة الكثيرة لا يمكن أن يفقد تلك التعويذة، وهي تلك الفرصة التي منحتها لهم الجدران الإسمنتية التي بنيت فوق الرمال المتحركة، الترسانة الحديدية ينخرها الضعف، أضعف من أن تبقى صامدة، هي التي تهوي بهم إلى حقيقتها، وهي حقيقة الصحراء، التي أصابها الحنين لتغريبتهم، ولجباههم السمراء، كان شرخا واسعا قد مدَّ لهم حبل الهروب إلى ما وراء الأسوار، نبشوه، انزلقوا فيه أياما طويلة، قلبوا فيها الليل والنهار، وكثيرا منها ما عرفوا أكان نورا أم ظلاما، في كثبر من الأوقات، لا فرق بين كل شيء...
الأمل المعصور في شرايينهم الضيقة، يمنحهم فرصة النجاة، كما منحهم الحياة من قبل...
فلم لا يعطيهم إياها اليوم؟، وإن كان بعد عشر سنوات، ذلك الهواء الحارق الذي ملأ الرئة ذلك التجويف المتشابك مليء بالخوف.
عندما صرخ ذلك الفتى تلك الصرخة، صمت الجميع وتقلبت بهم الأبصار، هم عادوا إلى مسقط رأسهم حيث تسير الطيور الآلاف الكيلومترات، متبعة بوصلتها، وصوت الذكريات المخزنة في ذلك الجزء من القلب، وهم فعلوا، هم هاجروا عكس التيار، رغم علمهم أن المقنعين سيبحثوا عنهم، الكثير من الوجوه المقنعة...
ما أرادوه ساعات من التوقف، في واحة ثم الالتقاء مع خط الأفق، باحثين عن أولئك الذين فجروا كل مستقبلهم، ليتهم كانوا مع الجثث بدل من أن يموتوا في اليوم مئات المرات... القدور المليئة باللحم والتي تتربع في وسطها رؤوس الخراف الصغيرة فاتحة أعينها وكأنها تسرق متعتهم بالعبث بتلك الأجراس، المعقودة بالجدائل من الخيوط في تلك الأسنام التي يتكئون عليها، الشيخ وهدان يعلي الصوت بدعوتهم إلى الموائد الممتدة على طول الخيمة التي تفوح منها رائحة البخور، ثلاثة أيام مضت وهم يقلبون المواجع حتى تسنى لهم الانسلال مع أول خيوط الفجر إلى حيث يشمون البارود، الأنوف العذارى هي أصدق الأنوف لاكتشاف الحقيقة، وهي التي ستهديهم للبحث عن الجناة الحقيقيين، الذين وضعوا القنابل الموقوتة في أوتوبيس الأحلام، وهم يتندرون... كم منهم سينجو؟، كم منهم ستمضي أشلاءه إلى الصحراء؟.
عين الأفق تتسع ورائحة البارود المخلوطة برائحة الدماء، تزف إلى أنوفهم وكرا في وسط الصحراء، حيث لا أثار، لا كثبان، لا زوايا ولا شيء، سوى الرمال الذهبية، وصفحة بائسة توصد أمامهم، ويحظر عليهم كشف أسرار...
وهنت أجسادهم، وأنَّت من ابن الصحراء أنّة عميقة، خرجت كما لو تستريح من وهن، وجع من رصاصة حطمت زجاجهم، أخذوا يبعثرون الرمال، ورائحة البارود تراودهم عن أنفسهم والضجيج العالق بذاكرتهم منذ عشر سنين، والصور المتقلبة مع الأغاني الشعبية، والأجساد المكدسة في أوتوبيس الأحلام، الرمال تتطاير أمام أعينهم، والبارود البارد يصفع وجوههم أخذوا ينبشون أكثر، ويشتمون أكثر...
المجرمون كالجرذان لا يحبون النور، ويعشقون العيش في الظلام وفي الرطوبة، وهم أسفل الصحراء في بطنها، حيث لا يمكن لأحد التنبؤ بهم، نبشوا ونبشوا وجدوا فوهة صغيرة دائرية معلق بها حذوة، لم يتكور حولها الصدأ، سحبها أحدهم، ففتحت بكل هدوء، السلم المعدني يسحبهم إلى الأسفل إلى حيث تزكمهم رائحة البارود، في الظلمة وراء البراميل المكدسة كانوا يرونهم بوضوح، خمسة من المنهمكين في تجهيز القنابل، الكثير من الديناميت، والكثير من الوجوه القميئة التي فارقتها الحياة وسكنها الموت، ولذة القتل...
ما صنيعهم وهم على خط التماس؟
ما صنيعهم والموت ينتظرهم؟
في ما وراء الأفق، وفي باطن الصحراء، لكنهم تهادنوا معه، ما الذي ينتظرونه؟.
أسقطوا البراميل، وأطلقوا الصرخات، التي نهبت السكون وسرقت رائحة البارود، اختلطت بالعواء والنعيق والخوف الممزوج بالانتصار...
من الصعب التنبؤ بسلوك الآخرين، لكن المجرم هو الذي يطلق ساقيه للريح، كونه جبانا متسترا بسلاح الجريمة، في ثوان كان ثلاثة من الرجال يسوقون خمسة من المجرمين، والكثير من الوجوه المقنعة، تسوق الجميع معا في سيارة واحدة إلى سجن الموت....
النهاية



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن