الفهم الصحيح لرواية الطوفان التوراتية

ابرام لويس حنا
abramlouies@outlook.com

2019 / 6 / 8

عندما نقرأ في الكتاب المقدس هذا العدد ” وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضاً أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ“ ( التكوين 8 : 21 ) يتباري على ذهن جميعاً سؤال اساسي وهو:-

أ) ما اهمية قيام الله بالطوفان ان كان في الاصل لم يغير شيئا فكما يقول النص ”لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته“ !

قام الباحث ”بيتر نيلز لمكة Noels Peter Lemche“ بإلقاء محاضرة في المؤتمر الذي أقيم في ”جامعة ستيلينبوش Stellenbosch“ في مارس سنة 1996 و دونت تلك المحاضرة في بحث نشر سنة 1999 بعنوان ( هل الشعب الاوربي قارئ جيد للنصوص الكتابية و هل هم مفسرين جيدين للتاريخ الكتابي؟ Are we Europeans really good readers of biblical texts and interpreters of biblical history? 1999) و نشرت في سلسلة ( الدراسات الكتابية و فشل التاريخ، تغير وجهات النظر الجزء الثالث BIBLICAL STUDIES AND THE FAILURE OF HISTORY , Changing Perspectives 3 ) حيث قام الباحث بتوضيح الهدف الرئيسي من وراء تدوين رواية الطوفان كنص توراتي مقدس و كيفية فهم الرواية فهما صحيحاً رابطاً اياها بروايات الطوفان الأخرى البابلية المسمارية ، وقد توصل الى :
أ) أن ما اتخذه الله بقرارالطوفان هو ضرباً من القرارات الحمقاء بدليل عدم جداوه وعدم منفعته وهذا ما اعترف به الرب ” لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضاً أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ“
ب) إن الرواية تشير بكل وضوح محدودية إدراك الله للمستقبل لانه إن كان يدري المستقبل فكيف لا يدري ان قراره بالطوفان لن يعود بالنفع على البشرية ؟ ولذا فإن الإله هنا يعتبر مثل البشر يقول بأخطاء فادحة جداً مثل فناءه لآلوف البشر و قتله لآلوف الحيوانات البرئية حتي الاطفال الرضع والاطفال التي ما زالت فى الارحام والبطون.

ج) عند الربط بين رواية ملحمة جلجامش المترجمة عن النص المسماري و بين رواية الطوفان التوراتية يتضح الهدف الرئيسي لتدوين القصة وجعلها قصة مقدسة عند اليهود ، فنري فى ملحمة جلجامش في اللوح الحادي عشر محادثة بين الإله أنليل والاله ننورتا والإله أيا حيث دارت المحادثة كالتالي :

[ 171 : بعد ذلك الإله أنليل عند وصوله
172 : رأي الفلك، غضب الاله أنليل
173 : امتلا غضبا على آلهة ايجيجي.
174 : "أي نفس هذه التى خرجت.
175: ما كان (ينبغي أن يكون قد ) نجا بشر من الكارثة.
176 : فتح الإله ننورتا فاه ليتكلم
177 : يقول للإله أنليل البطل
178 : من غير الإله أيا يقدر على هذا الموضوع؟
179 : فالإله أيا وحده يعرف كل عمل
180: فتح الإله ايا فاه ليتكلم،
181: يقول للإله أنليل البطل:
182 :"انت حكيم الآلهة البطل،
183 :كيف لم تفكر مليا،واحدثت الطوفان؟
184: صاحب الخطيئة حمله خطيئته،
185: صاحب الإثم حمله إثمه،
186 : أرخِ (الخيط) فلا ينقطع، شد (الخيط) فلا يرتخي ] [1]

فنري هنا العدل وعدم معاقبة الغير من اجل اثم لم يفعله ( صاحب الخطيئة حمله خطيئته ، صاحب الإثم حمله إثمه ) حيث يجب معاقبة المُجرمين فقط بل من معاقبة المجتمع بأكمله وعدم جدوي الطوفان الجماعي فهو قرار متسرع غير حكيم ( انت حكيم الآلهة البطل، كيف لم تفكر مليا واحدثت الطوفان؟) ، و الهدف الرئيسي فى سفر التكوين مُشابة وهو عدم جدوى الطوفان الجماعي ( لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلاَ أَعُودُ أَيْضاً أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ )

فالهدف من الرواية هو محاربة عادة إجتماعية منتشرة حيث كان أصحاب الأملاك على أستعداد بالتضحية بمجتمعات كاملة من اجل تحقيق القضاء، فالمبدأ كان إن لم يكن في استطاعتنا إيجاد و إقصاء الجرم ، فيجب علينا اذا معاقبة الجميع، مثل الوباء إن انتشر الوباء فى نصف الشعب فيجب حرق وقتل الشعب بأجمعه خوفاً من انتشار الوباء، فمثلاً ان هرب مجرم و خباءه اهله، فيقتل اهله فرداً فرداً بسبب إيواهم لمجرم حتى ما يتم تسليمه، وحتى بعد تسليمه لا يأمن اهله من العيش مرة اخري ، فالقصة رسالة عن عدم جدوي ( القضاء الجماعي ، وانه يجب معاقبة كل فرد بحسب ذنوبه) ، فالطوفان كان مُحقق له الفشل بسبب القرار الخطأ الذى اتخذه صاحب القوى والمتمثل هنا هو ( الله ) وهذا ما تريده الروايه ان تعلمه لأصحاب القوى بأن لا يسئوا استخدام قوتهم ونفوذهم.

استدل ”لمكة“ ايضاً على أن مؤلف السفر يريد ان تصل الرسالة، ولذا فقد كرر نفس الرسالة في نفس السفر ولكن بإسلوب قضائي مختلف فالطوفان استخدم الله المالك فيه المياه ، ولكن فى قصة سدوم وعمورة استخدام الله المالك النار للقضاء، فالرسالة مقصودة يجب تكرارها لتؤثر وهنا نري محادثة ابراهيم مع الله تتدل على عدم أهمية العقاب الجماعي :

( وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِماً أَمَامَ الرَّبِّ [2] فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارّاً فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارّاً الَّذِينَ فِيهِ؟
حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا الأَمْرِ أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارّاً فِي الْمَدِينَةِ فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ». فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارّاً خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟» فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ». فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضاً وَقَالَ: « عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ». فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ». فَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ». فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هَذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ». وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ. ) ( التكوين 18 : 22-33 )

لذا فإن الهدف من ذكر الرواية الاسطورية وجعلها في السرد الكتابي هو لحل مشكلة أخلاقية و اجتماعية و من أجل إرساء العدل.


المراجع :
----------
[1]- الدكتور نائل حنون، ملحمة جلجامش، ترجمة النص المسماري ، ط 2006 ، اللوح الحادي عشر.

[2]- فى الثلاث المخطوطات الماسورتية رقم 1379 ، 2439 و 2365 و 1425 من مخطوطات المتحف البريطاني القسم الشرقي تورد قراءة العدد كالتالي هي (أَمَّا الرَّبِّ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ إِبْرَاهِيمُ ) وليس (وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِماً أَمَامَ الرَّبِّ ) وذلك بسبب المنهج العقلي فى تتبع الاحداث :-

أ ) - فالرب هو من نزل ليري و ليخبر ابراهيم عما اذا كان اهل سدوم وعمورة يسلكوا بحسب صراخهم الذي صعد الى السماء ( أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ ) و لذلك فإن الذى وقف امام ابراهيم هو الرب لانه هو الذى نزل.

ب) - عندما كان يسير ابراهيم مع الرجال والرب من اجل تشيعهم ( ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِيًا مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ ) انفصل الرجال عنه ، اذا السؤال البديهي هو "هل الرب انفصل عنه ام ما زال معه ؟! " الاجابة هي : أن الرب مازال معه و بالتالي تكون القراءة ( أما الرب فلم يزل قائماً امام ابراهيم ) .

ج)- عبارة ( يقف امام ) تدل على الانحطاط و قلة المنزلة لذلك فضل الكتبة تغيرها لكي لا تحط من مكانة الله من ”اما الرب فكان لم يزل قائما امام ابراهيم“ الى ”اما ابراهيم فلم يزل قائماً امام الرب“ وهذا ما يطلق عليه اسلوب ”تكوين السوفريم - تصحيحات الكتبة“ للمزيد راجع : Andrés Piquer Otero & Pablo Torijano Morales , The Text of the Hebrew Bible and Its Editions Studies in Celebration of the Fifth Centennial of the Complutensian Polyglot , p 418 / Aryeh Botwinick ,Emmanuel Levinas and the-limit-s to Ethics: A Critique and a Re-Appropriation , p 208 / Emanuel Tov,Textual Criticism of the Hebrew Bible , p 66



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن