رهانات إرساء سياسة لغوية، تعددية، منصفة وعادلة، بالمغرب.

الحسين أيت باحسين
Bahcine@gmail.com

2019 / 6 / 8

محاور المساهمة:
أولا: مدخلات اصطلاحية ومفاهيمية: (التعددية، التنوع، لغة الأم، اللغة الأم، اللغة الأولى)؛
ثانيا: إصلاح منظومة التربية والتكوين بين "مشاريع إصلاحات ظرفية" و"إرساء سياسة تعليمية وتربوية وتكوينية استراتيجية"؛
ثالثا: ما السبيل إلى إرساء سياسة تدبير الاختيارات اللغوية، تدبيرا منصفا وعادلا؟
رابعا: مدى التزام الأطراف المنوط بها بلورة سياسة لغوية منصفة؟
خامسا: على سبيل الختم (أهمية التعليم والصحة والتشغيل في التنمية المستدامة).

أولا: مدخلات اصطلاحية ومفاهيمية: (التعددية، التنوع، لغة الأم، اللغة الأم، اللغة الأولى):
على سبيل مدخلات اصطلاحية ومفاهيمية؛ ولحصول تواصل واضح، وبأسلوب بسيط، ولنسمي الأشياء بمسمياتها؛ نطرح التساؤلات التالية ونجيب عنها؛ وذلك على سبيل تقديم يُعَوِّضُ الحديث الكلاسيكي المتعلق بتحديد المفاهيم، ذات الصلة بالموضوع: (أي بموضوع: إرساء سياسة لغوية تعددية منصفة وعادلة، بالمغرب):
فالمقصود هنا ب "التعددية": "التعدد اللغوي"؛ وب"التنوع": "التنوع الثقافي"؛ وكلاهما أتيا كبديل لمبدإ "التوحيد" أو "التأحيد" ذو البعد أو الدلالة الإيديولوجية التي لا غبار عليها إلا ما ذره غبار انهيار حائط برلين.
- ما هو المتعدد؟ المتعدد هو اللغات المتداولة في المجتمع، كما هو الشأن بالنسبة للعربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية في المغرب؛ حيث ينبغي التمييز فيها بين لغات رسمية (دستوريا: العربية والأمازيغية، أو واقعيا: الفرنسية)، لغات وطنية (الأمازيغية والدارجة المغربية)، لغات جهوية (لهجات الأمازيغية ولهجات العربية: الدارجة المغربية والحسانية)، لغات الأمم المتحدة الرسمية (الصينية، الإنجليزية، الإسبانية، الروسية، الفرنسية والعربية)، اللغات الأجنبية الأكثر استعمالا في المغرب (الفرنسية، الإسبانية والإنجليزية)؛
- ما هو المتنوع؟ المتنوع هو الثقافة ذات الجذور الموحدة والمتنوعة بروافد وافدة عليها عبر التاريخ؛ كما هو الشأن بالنسبة للثقافة المغربية ذات الجذور الأمازيغية العريقة، والتي تتنوع بتنوع مناطق المغرب وتنوع روافدها الوافدة عبر التاريخ: الإثنية منها واللغوية والثقافية والدينية والحضارية؛
- ما هي "لغة الأم" وما هي "اللغة الأم"؟ عادة ما يحصل نوع من الالتباس، في اللغة العربية بين المفهومين؛ الشيء الذي لا يحصل، مثلا في اللغة الفرنسية، ف "لغة الأم" (langue maternelle) هي اللغة التي يتعلمها الإنسان منذ ولادته؛ ويتعلمها عادة في المنزل من والدته، وتسمى أيضا "اللغة الأولى"؛ وهي غير "اللغة الأم" (Langue-mère) التي تعتبر "اللغة الأصل" التي تفرعت عنها مجموعة أخرى من اللغات، كما هو الشأن بالنسبة ل"الآرامية" التي انحدرت منها لغات سامية أخرى، من بينها: السريانية والعبرية والفارسية والعربية، ... .

ثانيا: إصلاح منظومة التربية والتكوين بين "مشاريع إصلاحات ظرفية" و"إرساء سياسة تعليمية وتربوية وتكوينية استراتيجية"؛
هل يحتاج إصلاح منظومة التربية والتكوين إلى "مشاريع إصلاحات" ظرفية، أم إلى "إرساء سياسة تعليمية وتربوية وتكوينية استراتيجية"؟
عوض الإجابة أحيلكم على النماذج التالية:
- أثناء الحرب الباردة، كان التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الاتحاد السوفييتي، من أجل السيطرة الفضائية، في أوجه؛ وحين حصل السبق للاتحاد السوفياتي، وحين تمكن رائد الفضاء السوفييتي يوري جاجارين (Youri GAGARINE) من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض على متن مركبة الفضاء السوفييتية "فوستوك1)؛ تساءل الأمريكيون عن سبب ذلك السبق، توصل الأمريكيون إلى جواب سياسي (قيل بأن ألمان السوفييت أكثر كفاءة من ألمان أمريكا: أي أنّ العلماء الألمان الذين حصل عليهم السوفييت، بعد استيلائهم على ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية، أكثر مما حصل عليه الأمريكيون الذين تأخروا في الوصول إلى ألمانيا المنهزمة في الحرب العالمية الثانية)؛ لكن في طيات هذا الجواب جواب آخر أكثر أهمية، وهو دور التعليم وأهميته في التقدم والتنمية؛ وما تلا ذلك من مراجعة أمريكا لسياستها التعليمية؛
- النموذج الثاني يتعلق بسياسة ألمانيا التعليمية بعد الحرب الثانية؛ فقد قضت عشر سنوات من البحث والتخطيط والتحضير من أجل إرساء أسس استراتيجية منظومة التربية والتكوين، وذلك قبل الشروع في تنفيذ ما خططت له وحضرته من تصورات وتخطيط، وحينما انطلقت في التنفيذ، شمل التقدم والتطور والنمو كل المجلات، رغم ما عرفته من انهزام شامل؛
- أما النموذج الثالث، فيتعلق بعدد إصلاحات منظومة التربية والتكوين منذ بداية الاستقلال (1957) إلى "الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي" (2015-2030)؛ إذ بعد كل إصلاح نعود إلى المربع الأول:
فالإصلاح الذي يتم الحديث عنه اليوم، ليس الأول من نوعه. فمنذ بداية الاستقلال إلى اليوم، أي خلال ستة عقود، عرفت منظومة التربية والتكوين إثنا عشر إصلاحا، أي بمعدل إصلاحين في كل عقد من الزمن، وذلك منذ إصلاح 1957 (أي من مشروع "اللجنة العليا للتعليم حول إصلاح التعليم الموروث عن الاستعمار"؛ إلى "الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لسنوات 2015-2030").
نلاحظ من خلال الجرد لمحطات إصلاحات المنظومة التربوية ببلادنا، أن الأمازيغية كانت؛ منذ بداية الاستقلال إلى بداية الألفية الثالثة، مقصية من تلك الإصلاحات؛ باستثناء ما دعا إليه الخطاب الملكي ل 20 غشت 1994 حول "تدريس اللهجات" أو الاستعانة باللغة الأمازيغية لتيسير تعليم اللغة العربية كما نص على ذلك "الميثاق الوطني للتربية والتكوين"؛ أو إتقان التواصل بها، بعد الحصول على الباكالوريا، كوظيفة محددة لها في الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي كمُخرج لسنوات 2015-2030 !
فقد تمَّ التنصيص في مشروع قانون – إطار رقم 17-45 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، بصدد استراتيجية إرساء التعددية اللغوية (المادة 30 من الباب 5)، جعل المتعلم الحاصل على الباكالوريا متقنا للغة العربية، قادرا على التواصل بالأمازيغية، ومتمكنا من لغتين أجنبيتين على الأقل؛
ويأتي هذا كله بعد اعتبار خطاب 9 مارس 2011 الأمازيغية في صلب الهوية المغربية؛
وبعد مشاركة مكونات الحركة الأمازيغية بمقترحاتها في جلسات اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور سنة 2011؛
وبعد "التكريس الدستوري للطابع التعددي للهوية المغربية الموحدة، الغنية بروافدها، وفي صلبها الأمازيغية، كرصيد لجميع المغاربة"؛
وبعد توجيه مختلف جمعيات ومنظمات الحركة الأمازيغية بمقترحات إلى كل الأطراف المعنية بتنزيل القوانين التنظيمية ذات الصلة بإتمام ترسيم الأمازيغية؛
وبعد مختلف اللقاءات والندوات والأيام الدراسية مع كل تلك الأطراف، ناهيك عن التعديلات التي قدمتها الحركة الأمازيغية ومكونات أخرى من المجتمع المدني، بعد أن أُصْدَرَت بعض المؤسسات الرسمية مشاريع قوانين تنظيمية ذات الصلة بترسيم الأمازيغية؛ وذلك من أجل تجويدها لتكون منصفة وضامنة للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي الفعليين، ومحصنة للهوية الوطنية؛
وبعد جاهزية اللغة الأمازيغية من أجل قيامها بوظائفها، بعد معيرتها وبعد تنميط حرف كتابتها؛ فضلا عن إثبات، منذ أزيد من نصف قرن، مختلف مقوماتها كلغة من شأنها أن تملأ من حيث مأسستها، مختلف الوظائف والأدوار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛
وبعد تراجع عدد الناطقين باللغة الأمازيغية لأسباب مختلفة ومتنوعة يعلمها الجميع؛ خاصة وأن الأمازيغية من اللغات المهددة بالاندثار، حسب دراسات متخصصة وعلى رأسها تقرير لمنظمة اليونسكو.

ثالثا: ما السبيل إلى إرساء سياسة تدبير الاختيارات اللغوية، تدبيرا منصفا وعادلا؟

يتعلق الأمر هنا بتدبير علاقة اللغتين الرسميتين (العربية والأمازيغية) باللغات الأجنبية الأكثر شيوعا في المجالات العلمية والمعرفية بالمغرب (الإنجليزية والفرنسية والإسبانية)، وباللغات الوطنية والجهوية المتداولة في المغرب؛ علما أن هناك مرجعية أخرى للغات الرسمية، وهي لغات الأمم المتحدة الرسمية (الصينية، الإنجليزية، الإسبانية، الروسية، الفرنسية والعربية)؛
- الإنصاف والمساواة وعدم التمييز بين اللغتين الرسميتين (العربية والأمازيغية)؛
- ضرورة الالتزام بمقتضيات دستور 2011، مع تفادي كل التأويلات التي تفيد أو تسعى إلى منع المساواة بين اللغتين الرسميتين العربية والأمازيغية انسجاما مع الوثيقة الدستورية من حيث المضمون والغايات وكأسمى قانون للبلاد؛
- حذر جميع أشكال التمييز السلبي بين اللغتين الرسميتين (العربية والأمازيغية)، مع منح التمييز الإيجابي للغة الأمازيغية لفترة معينة لتجاوز التهميش والتبخيس الذي نالتهما لعقود من الزمان؛
- توزيع الوظائف والأدوار بين اللغتين الرسميتين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، تفاديا وتجاوزا لسياسة لغوية تمييزية بينهما وبين لغات أخرى احتكرت جل الوظائف والأدوار الأخرى؛
- الأخذ بعين الاعتبار الاختيارات الاستراتيجية والمرجعيات الوطنية والدولية: التعدد اللغوي، احترام مقتضيات الدستور كأسمى قانون للبلاد، لالتزام بالمواثيق الدولية ذات الصلة، التي وقع عليها المغرب وصادق عليها، والاستناد إلى مبادئ حقوق الإنسان وإلى مستلزمات المواطنة التي نص عليها الدستور الجديد، ...).

رابعا: مدى التزام الأطراف المنوطة بها بلورة سياسة لغوية منصفة وعادلة؟
يتمثل التزام الأطراف المنوطة بها بلورة سياسة لغوية منصفة وعادلة في مجموعة من الشروط المستمدة من مقتضيات الدستور نفسه، ومن مبادئ حقوق الإنسان، ومن مستلزمات المواطنة التي نص عليها دستور 2011، وكذا ما يستلزمه ضمان الأمن الثقافي والسلم الاجتماعي، ومن بينها:
- تكريس وتحصين المكتسبات، التي تحققت للأمازيغية، لما يقرب من عقدين من الزمن، في مختلف المجالات؛
- الالتزام بالزمن الدستوري وبنصه ومقتضياته وبروحه وبإجراءات تفعيله (علما أنه لا يستطيع أحد أن ينكر كون مختلف تلك الأطراف تتقاسم مسؤولية التردد والتماطل، والتأخر، إن لم نقل التأخير؛ وأن أغلب تلك الأطراف لم تلتزم بمقتضيات الدستورية المبدئية: مثل مبدأي: التشاور والتشارك، والتوافق، والإجماع، ...؛
- استحضار مختلف التجارب الدولية المتعلقة بتدبير التعدد اللغوي؛
- استحضار مختلف المبادئ والتصورات الهوياتية للغة (هويات لغوية وهويات جغرافية، تدريس اللغات ولغات التدريس، لغات رسمية دستورية ولغات "رسمية" غير دستورية، ...)؛
- تشكيل لجن ومجالس وإشراك مؤسسات وجمعيات وفعاليات لا تتعامل بتوجهات أيديولوجية معادية للأمازيغية، ولا تشكل عائقا أمام تنزيل منصف للأمازيغية، أو ليس لديها إلمام بمقتضيات هذا التدبير؛
- الحيلولة دون الفزاعات الظرفية التي تنبعث من جيوب المقاومة التي هي ضد الأمازيغية في وطنها؛
- ضرورة تحديد السقف الزمني بالنسبة بلورة هذه السياسة اللغوية التي ينشدها المغرب، علما أن تحديد السقف الزمني هو الغائب الأكبر في كرونولوديا الاعتراف الرسمي بالأمازيغية وفي ورش العمل على مأسستها، وهو الشيء الذي يدفع الحركة الأمازيغية إلى التساؤل عن مدي وجود إرادة سياسية حقيقية لتوفير أرضية ملموسة لطي هذا الملف وليتخذ مساره نحو المساهمة في التنمية المستدامة وفي ضمان الأمن الثقافي والسلم الاجتماعي، ولن يتأتى ذلك ما لم يُشرع في تخصيص ميزانيات خاصة بالأمازيغية في القوانين المالية التي تتم المصادقة عليها سنويا؛



خامسا: على سبيل الختم (أهمية التعليم والصحة والتشغيل في التنمية المستدامة).
سوف لن نُنهي هذه المساهمة، لا بالخلاصات ولا بالتوصيات ولا بالملتمسات ولا بالمقترحات؛ فطالما عبرنا عن كل ذلك لما يزيد من نصف قرن. سوف نقتصر على بعض التساؤلات التي تساهم في إثارة الانتباه إلى مكامن ما يشكل قوة إنصاف الأمازيغية لتساهم في بلورة المشروع الديمقراطي والحداثي الذي ينشده كل المغاربة بدون استثناء:
- إنَّ القطاعات المفلسة في مغربنا، بشهادة الجميع: مجتمعا مدنيا ومؤسسات رسمية، هي: التعليم، والصحة والتشغيل؛ وكلها تؤدي إلى وضع واحد، ألا وهو الفقر؛ أفلا يتمثل حزام الفقر، بالمغرب، أساسا في المناطق الناطقة بالأمازيغية، إن لم نقل المناطق الأمازيغية (الريف، فيكَيكَ، الجنوب الشرقي، الأطلس الكبير، الأطلس الصغير، سوس، حاحة، الصويرة، ...) ؟
- فهل ستأتي رياح الإنصاف والعدالة بما تشتهيه سفن القوانين التنظيمية وفق مجمل مقتضيات الدستور وغاياته من أجل مغرب العيش المشترك وتأكيد المغرب الإسثتنائي؟
- أليس الاعتراف الرسمي بالتعدد والتنوع، رهينا بمدى ازدياد تحقق الديموقراطية في الدول التي تؤهل لغاتها المتعددة لتصبح لغات رسمية؟
- بعد أن شكلت دسترة الأمازيغية، بترسيمها دستوريا، تلبية لمطالب الحركة الأمازيغية، وتصحيحا لمسار الدولة السياسي؛ وذلك برد الاعتبار لما تم تبخيسه وتهميشه وتمييزه منذ عقود، حتى من قِبَلِ أطراف كانت دائما معادية لكل ما هو أمازيغي، بالرغم من كون نوافذها لا زالت مفتوحة لرياح ذلك التبخيس والتهميش والتمييز؛ ألم يتم الشعور بتلاشي أمل الأمس لدى الأغلبية؟
- لكن، ألم يكن، وألم يزل، ترافع الحركة الأمازيغية؛ منذ أزيد من نصف قرن، ومن أجل الاعتراف بالأمازيغية لغة وثقافة وهوية وحضارة، الحوار أولا، والحوار ثانيا، وثالثا الحوار، وذلك من أجل استمرار العيش المشترك؟

الحسين أيتب احسين
باحث في الثقافة الأمازيغية
مساهمة في المائدة المستديرة التي عقدتها "الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة" (أزطا أمازيغ)، يوم الخميس 30 ماي 2019، حول المستجدات المرتبطة بالسياسة اللغوية والاختيارات اللغوية لمنظومة التربية والتكوين، تحت عنوان: "منظومة التربية والتكوين: رهانات إرساء سياسة لغوية تعددية ومنصفة".



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن