هزيمة يونيو 1967

رفعت عوض الله
refaat.awadalla@live.com

2019 / 6 / 6

الهزيمة في 5 يونيو 1967
استطاع الضباط الاحرار الناقمون علي الملك وفساده ،الكارهون للأحزاب السياسية ،الرافضون لوجود الانجليز بمصر ،استطاعوا اجبار الملك علي التخلي عن الحكم ،ثم وضع نهاية لحكم اسرة محمد علي ،وتحويل المملكة المصرية لجمهورية .
هذه الإجراءات الظاهرة كانت تخفي توجها ورؤية اعمق حكمت المسار ، فاولئك الضباط الصغار الذين انقلبوا علي الملك لم يكن الدافع لديهم مجرد فساد الملك ،وتكالب الأحزاب السياسية علي الفوز بتشكيل الحكومة ،ولا المهانة القومية الناتجة عن وجود الانجليز المرفوض شعبيا بمصر ... الامر كان اعمق واخطر ،فقد تشرب عدد كبير من أولئك الضباط الشبان عقيدة وتوجهات تنظيم الاخوان المسلمين ،بل ان بعضا منهم كانوا أعضاء بهذا التنظيم ..... وهذا يعني رفض للحضارة الغربية ، وانكار لكل قيمها من علمانية وليبرالية وديمقراطية ،وإعلاء من قيمة العقل والعلم . والنظر للغرب علي انه مجرد استعمار واستغلال وقهر وسطوة للشعوب ، واننا علينا كعرب ومسلمين ان نؤكد ذاتنا وتميزنا في مواجهة الغرب المستعمر .
من هنا رفض الحياة الليبرالية السياسية ،وهو الامر الذي دعاهم لحل كل الأحزاب ،والنظر لرجال تلك الأحزاب بعين الشك والتخوين لهم .
مضي الضباط الاحرار بزعامة جمال عبد الناصر في بناء دولة حكم الفرد المستبد ، والمعادية لقيم الحداثة والحضارة ، فكان ان اصبح عبد الناصر الزعيم الملهم المتحدي للاستعمار ، والمهدد لإسرائيل صنيعة الاستعمار .
صور عبد الناصر ورجاله للعالم ان حتما سوف يقضي علي إسرائيل ، ويزيلها من الوجود ، وانه حتما سوف تعود فلسطين عربية كما كانت .
استشعرت وادركت إسرائيل عمق الخطر المحدق بها فعملت بصبر وكفاءة وفي صمت علي الاستعداد الجدي ليوم المعركة مع دعاة القومية العربية .
وفي المقابل ارسل عبد الناصر الجيش المصري لنصرة ما سُمي بالثورة اليمنية ضد نظام الامام الماضوي . وهناك انهك الجيش المصري وفقد ارواحا وعتادا ومالا كبيرا وعاد الجيش قبل عامين من واقعة يونيو 67 ، ودخل تلك الحرب المشؤمة وهو منهك ولم يستعد جيدا .
عهد عبد الناصر بقيادة الجيش لصديقه الصدوق عبد الحكيم عامر ، والذي كان ضابطا مستهترا ، يحب السهر ومصاحبة النساء ، وضمان ولاء الضباط له فلم يقم بما كان يجب عليه .
كل هذا ادي الي ان تستطيع إسرائيل ضرب القوة الجوية المصرية وهي رابضة في المطارات ، وبالتالي خرجت تلك القوة من المعركة . فكانت القوات المصرية البرية صيدا سهلا للقوات الإسرائيلية البرية والجوية ومن لم يمت في المعركة مات جوعا وعطشا في صحراء سيناء بعد ان صدر قرار احمق بالانسحاب العشوائي .
في ظرف ساعات قليلة احتلت إسرائيل الصغيرة المرعوبة من عبد الناصر والعرب كل سيناء والجولان السورية والضفة الغربية لنهر الأردن .
تلك الهزيمة الثقيلة لا ترجع أسبابها فقط لاستعداد إسرائيل الكبير وتخطيطها العلمي في مقابل استهتار ولاعلمية القادة المصريين ، ولكنها ترجع لرفضنا الانخراط في مسار الحضارة الإنسانية ، وتمثل قيمها الحداثية من علمانية وليبرالية وحقوق للانسان وديمقراطية ، واحترام للعقل والعلم ، وايمان بالمساواة والإخاء الإنساني .
أراد عبد الناصر وصحبه إقامة دولة قائمة علي وحدة التاريخ والدين واللغة ، دولة القومية العربية ، وهذه دعوة عنصرية لا تبني دولا ، ولا تستشرف مستقبلا .
ولعل الالحاح علي القومية العربية كأساس للدولة العربية الحديثة هو الذي فتح الطريق واسعا امام الأصولية الإسلامية والإسلام السياسي الذي فرض وجوده علي المنطقة بعد افول عصر عبد الناصر و دولته القومية .
لا نستطيع ان نفك الارتباط بين القومية العربية والاصولية الإسلامية . العرب فرضوا وجودهم في منطقتنا باسم الإسلام . هم غزوا العراق والشام ومصر وشمال افريقيا باسم الإسلام . وعلي هذا فالارتباط بينهما وثيق . وعلي هذا الدعوة للقومية العربية يكمن في باطنها المكون الاصولي الإسلامي .
ما الذي كان يمكن له حماية شعوب ودول منطقتنا البائسة من اكتساح الأصولية الإسلامية وما اشاعته من دمار وخراب وقتل ؟ جوابي قيم الحضارة والحداثة من علمانية وليبرالية وديمقراطية ،وحقوق للإنسان وإعلاء لقيمة العقل والعلم هو كان الكفيل بحمايتنا من هذا الخطر القاتل المهدر لانسانيتنا .
رفض نظام يوليو بزعامة عبد الناصر لقيم الحداثة هو السبب الرئيس الذي يقف وراء هزيمة يونيو 67 ووراء الردة الحضارية التي اشاعتها الأصولية الإسلامية فينا وفي منطقتنا .
علينا ان نلحق بقطار الحضارة لكي ننجو من المصير التعس .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن