ثورة ديسمبر في السودان وصراع الطبقات

رياض حسن محرم
riad999@gmail.com

2019 / 5 / 30

سؤال يتبادر الى ذهني كثيرا، هل تخلت الطبقة العاملة عن طابعها الثوري؟ والاّ فلماذا معظم ثورات الشعوب في العصر الحالي " بما في ذلك الثورات في المنطقة العربية" تغيب عن قيادتها الطبقة العاملة؟، الشيوعيون التقليديون فقط "حافظي النصوص" هم من يحاولون تلبيس تلك الثورات " أو الهبّات" مسوح الطبقة العاملة، هكذا قرأوها في كتبهم، ولم يحاولون قراءة الواقع، عكس ما تعنيه ماركسية ماركس الحقيقية، شجرة الحياة المتجددة يا صديقي، أليس كذلك؟
يبرر البعض اضمحلال الدور الثوري للطبقة العاملة فيما طرأ على تكوينها من تحولات عكسها تغير دور الدول في نظم ما بعد الإمبريالية وتراجع دور الدولة الاجتماعي والتنموي، وتحولها إلى أشكال نيو ليبرالية تقع على درجة كبيرة من التخلف والتبعية والارتهان. هذا إضافة إلى تخلف القطاعات الإنتاجية، وانخفاض معدلات الإنتاج، وارتفاع معدلات الكلفة الإنتاجية، وتخلف البنى التحتية، وتراجع دور القوانين والأنظمة أمام انتشار ظواهر الفساد والنهب وتهريب الأموال وبيع القطاع العام والخصخصة وتوظيف المال السياسي خدمة للمصالح الشخصية، بينما غلب الدور الخدمي على العمالة الحديثة بدلا من الإنتاج الصناعي.
وهكذا هي الثورة السودانية، (رغم حبنا الشديد وتقديرنا العظيم لها) لا تشذ عن باقى ثورات الربيع العربى، فهي ثورة مدينيه "من المدن" حيث یعیش أكثر من 50 % من سكان تلك الدول في المدن، وفقا لدراسة أصدرھا برنامج الأمم المتحدة للبیئة في دیسمبر2013، قوام هذه الثورات الأساسي شباب مثقف من أبناء الطبقة الوسطى "أفندية"، بدئا من مؤتمر الخريجين ووصولا الى تجمع المهنيين "، شباب يحسن التعامل مع الأجهزة الرقمية والإنترنت، ويوجهه حركة الجماهير من خلال وسائط التواصل الإجتماعى، بلا منازع الآن فإن "تجمع المهنيين" الذى يضم عددا من النقابات المهنية المستقلة وعلى رأسها الأطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين والبطرييين والإعلاميين وبعض أساتذة الجامعات وهم ليسوا بالتأكيد من الطبقة العاملة، وحتى الحزب الشيوعى الذى يلعب دورا مهما في الثورة ولكنه ليس القائد لها، بالإضافة الى بعض أحزاب المعارضة الموقعة على وثيقة " الحرية والتغيير" المعلنة في أول يناير 2019 وتضم طيف واسع من القوى والأحزاب السياسية وهى أربع قوى رئيسية: «تجمع المهنيين السودانيين»، «الإجماع الوطني»، و«نداء السودان»، و«التجمع الاتحادي المعارض"، وهى تفصيلا كالتالى:
1- تجمع المهنييين: غير معروف قياداته تحديدا وليس له مقر محدد ويستخدم منصات التواصل الإجتماعى في نشر بياناته ودعوته للحراك الجماهيرى.
2- أحزاب الإجماع الوطني: هو تحالف لأحزاب المعارضة السودانية التي اتخذت موقفًا مبكرًا بعدم المشاركة في الحياة النيابية السودانية كإعلان واضح لمعارضتهم بقاء حكم البشير. هذا التحالف تأسس في أواخر عام 2009، متكونًا من 17 حزبًا معارضًا. تتألف الأحزاب السبعة عشر تلك من 4 أحزاب رئيسية، وعدة أحزاب يسارية صغرى، أكبرها هو حزب الأمة وقوامه الرئيسي "جماعة الأنصار" وهو برئاسة الصادق المهدى (آخر رئيس حكومة انقلب عليه البشير سنة 1989وهو صهر حسن الترابى)، الى جانب حزب الأمة توجد حركات مسلحة مثل "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، كذلك "حزب المؤتمر الشعبى لتحرير السودان" الذى أسسه الراحل حسن الترابى بعد إنشقاقه عن البشير وحزب المؤتمر الوطنى، وتضم أحزاب الإجماع الوطنى أيضا في صفوفها "الحزب الشيوعى السودانى" الذى تأسس عام 1946 انبثاقا من منظمة " حستو "الحركة السودانية للتحرر الوطنى" والتي تعتبر فرع من المنظمة الأم "حدتو" وهى الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى المصرية التي أسسها هنرى كورييل في بداية الأربعينات وكانت تضم في عضويتها عدد من السودانيين قبل انفصال السودان عن مصر ومنهم عبده دهب وعبد الخالق محجوب.
3- قوى نداء السودان: ويضم عددا من الحركات المسلحة مثل حركة تحرير السودان "قسم الشمال"، حركة العدل والمساواة، وبعض الأحزاب الصغيرة كحزب البعث، والحزب الناصرى، ويتفقون على هدف واحد، حل أزمة السودان بإزاحة البشير وتشكيل حكومة انتقالية من التقنيين، وأن أي عملية انتخابية تتم تحت حكم البشير ليست سوى مشهد هزلي يُراد به تحقيق ديمقراطية صورية لا أكثر. وأن حل الأزمة لن يأتي إلا بالوصول إلى منبر سياسي مُوحد يقضي على التناحر ويُشارك عبره الجميع في مطالب موحدة تتلخص في الإفراج عن المعتقلين، إلغاء أي قانون يُقيِّد الحريات.
4- التجمع الإتحادى المعارض: ويضم 8 أحزاب أسياسية هي: الحزب الوطني الاتحادي الموحد، الحزب الاتحادي الديمقراطي العهد الثاني، الوطني الاتحادي، الاتحادي الموحد، الحركة الاتحادية، والاتحاديين الأحرار، والتيار الحر، واتحاديين معارضين لا ينتمون لأيٍّ من الأحزاب المذكورة.
وهكذا يبدو لنا المشهد الكامل، مجموعة متنافرة من الأضداد السياسية والإجتماعية، لا يجمعها سوى الرغبة في التخلص من حكم البشير وجبهة الإنقاذ الذى حكم على مدى ثلاث عقود من الخيبة والخراب والدكتاتورية، ولكنها السياسة كما يقولون فن الممكن، ويحسب لتجمع المهنيين النجاح في جمع كل تلك القوى حول نقطة الخلاص من حكم الإنقاذ، بعد ذلك تبدأ تلك الجبهة الواسعة في التفكك والإختلاف وخروج بعض القوى الراغبة في التميز وشعورها بأحقيتها قبل الآخرين، وهو ما حدث بالفعل، وكان أول المنشقين على تلك الجبهة هو حزب الأمة بقيادة الصادق المهدى.
( أرجو المعذرة إذا حدث تداخل في تصنيف القوى والأحزاب السياسية نظرا للتعقيد الشديد والهلامية في حركة وتحالفات تلك القوى ولعدم معرفتي الدقيقة بالواقع السوداني فأكرر اعتذاري).
علينا أن نعلم أن الحركة الوطنية والثورية في السودان لها تاريخ طويل في التصدي لأكثر القوى ظلامية واستبدادا، وقد استطاعت تلك القوى الإطاحة بأكثر تلك الحكومات عنتا وديكتاتورية من خلال الحراك السلمى الجماهيري، حدث ذلك مرّة عام 1964 في انتفاضة جماهيرية كبرى ضد الجنرال "إبراهيم عبود"، في ثورة أكتوبر العظيمة التي أبدعت الإضراب السياسي والعصيان المدني محققة أول ثورة جماهيرية سلمية تخلع حاكم مستبد في العالم العربي قبل حوالى نصف قرن من ثورات الربيع في عدد من الدول العربية بدئا من تونس ومرورا بمصر وليبيا وسوريا واليمن، حدث ذلك خلال عقد الستينيات من القرن العشرين والذي تميّز بأنه كان مناخ الانتصار لحركة الحقوق المدنية وازدهار حركة التحرر الوطني والخطاب القومي والعروبي والاتجاهات الزنُوجية وأسئلة الهوية، ومثلما مثلت ثورة أكتوبر سابقة بإزاء ثورات الربيع العربي فإن نضال الطلاب السودانيين ودورهم في تفجير أكتوبر مثل أيضا سابقة طلابية بإزاء ثورات الطلاب العرب واحتجاجاتهم.
وعود على بدء فإن الذي حرّك وقاد تلك الهبّة في السودان ومازال مستمرا في قيادتها "حتى الآن" بفاعلية هم أبناء تلك الطبقة المتوسطة، بينما لم تشهد القطاعات العمالية دورا يذكر، ولم نسمع عن حركات متفاعلة لتلك الطبقة في المعامل والفبارك والمصانع من إضرابات واعتصامات ومسيرات، ناهيك عن الفلاحين وعمال الزراعة فهم كما تعودنا منهم آخر الملتحقين بقطار الثورة. السلام عليكم.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن