مغزى الهرم الزجاجى أمام متحف اللوفر

طلعت رضوان
talaaatradwan@yahoo.com

2019 / 5 / 20


عن102سنة تــُـوفى مُـصمّـم الهرم الزجاجى..واسمه آى. إم. بى..وهوصينى الجنسية..وهذا الهرم الزجاجى من الصلب..وارتفاعه21مترًا..ليكون بمثابة المدخل لمتحف اللوفر..وبجواره ثلاثة أهرامات أصغر.
ونظرًا لما تحظى به الحضارة المصرية من احترام وتقديرالشعوب الأوروبية، لذلك جاءتْ فكرة الهرم الزجاجى، ليتوسط ساحة المتحف، باقتراح من الرئيس الفرنسى (فرانسوا ميتران) عام1984..وكان الافتتاح فى اليوم الأول من شهرإبريل1989.
فهل جاء اقتراح الرئيس الفرنسى بشكل عشوائى؟ أم لأنه درس تاريخ حضارة مصر..وأصبح ضمن ملايين الأوروبيين، المُـنبهرين بحضارة جدودنا؟
وبينما هذا الوضع فى أوروبا..ولدى كل الشعوب المتحضرة، وجدتُ بعض الباحثين (المصريين) سخروا من الحضارة المصرية..ووصفوا الأهرام بأنها مجرد (مقبرة للملوك) فهل هذا الكلام يتــّـسق مع علم المصريات؟
كتب د.حسين مؤنس أنّ الحضارة المصرية (حضارة سخرة) ونظرللأهرامات على أنّ ألوف البشر((ظلوا يعملون عشرات السنين ليُنشئوا قبرًا لإنسان واحد)) (أنظركتابه "الحضارة: دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها"سلسلة عالم المعرفة الكويتية- عدد 237 سبتمبر98 ص11)
إنّ من يُروّجون لمقولة أنّ الحضارة المصرية (حضارة سخرة) فى إشارة إلى بناء وتصميم الأهرامات، يتجاهلون الدراسات العلمية التى أكدتْ أنّ بناء وتصميم الأهرامات جمعتْ بين علوم الهندسة والرياضيات والفلك..كما أكــّـدتْ تلك الدراسات العلمية أنه تم اكتشاف مدينة للعمال..والعثورعلى كشوف المستحقات المادية من طعام وشراب إلخ بل كميات من العطور..وردًا على ادعاءات السخرة كتب العالم الكبير(سيرفلندرزبترى) أنّ ((العمل كان يجرى فى أثناء موسم الفيضان، أى بين آخريوليووآخرأكتوبر..وهوالوقت الذى تُزرع فيه الأرض..ويكون معظم الأهالى بلا عمل)) وأنّ الأهرامات شيّدها بناؤون مهرة..وكانوا يسكنون فى مبانى وجدها (بترى) غرب هرم خفرع)) (أنظركتاب "أهرام مصر" تأليف أ. أ. س . إدواردز- ترجمة مصطفى أحمد عثمان– هيئة الكتاب المصرية- سلسلة الألف كتاب الثانى–العدد272- عام 1997- ص 212، 213) وتؤكد عالمة المصريات (مرجريت مرى) ذات الحقيقة وتضيف أنّ الفرعون (= الملك) استخدم هؤلاء العمال فى عملية البناء ((وأمدهم بالطعام فى أسوأ فترة من العام..وأنّ بقايا المستعمرة الباقية حول هرم خفرع تُشيرإلى أنه كان يتعهدهم كذلك بالسكنى..وأنّ هيرودوت ذكرأنّ العمال كانوا يُمنحون طعامًا طيبًا)) (أنظركتاب مصرومجدها الغابر- ترجمة محرم كمال– هيئة الكتاب المصرية- سلسلة الألف كتاب الثانى– العدد 290- 1998- ص 13، 39، 112، 209، 214)
المُـلفت للنظرأنّ د.حسين مؤنس الذى كتب أنّ ((ألوف البشرظلوا يعملون عشرات السنين ليُنشئوا قبرًا لإنسان واحد)) أى أنّ سيادته لم يرفى الأهرام أكثرمن (مقبرة) هونفسه الذى نقل فى كتابه المنوه عنه بعاليه عن المؤرخ توينبى ((الذى عكف على دراسة إحدى وعشرين حضارة دراسة شاملة مقارنة..وعن المصريين القدماء الذين واجهوا التحدى القاسى عندما اشتد الجفاف..وأقدموا على المغامرة الكبرى بدخول منطقة السد الواسعة فى السودان، لتجفيف أرضها والتحكم فى مجرى النهرفيها..حتى لاتظل مياهه تفيض كل سنة..وبالتالى تمكنوا من تحويل الأحراش والمستنقعات إلى أرض صالحة للسكنى والزراعة))
وكتب د.حسين مؤنس أيضًا أنّ المؤرخ (جوردون تشايلد) هومن أكبرالحجج فى حضارات عصورما قبل التاريخ..وأنّ (تشايلد) كتب ((فى أعالى النيل مازالتْ تعيش إلى اليوم أقوام يُشبهون أقدم المصريين، يحكمهم الساحرصانع الأمطار..والملوك القبائليون..وقبائلهم مُـقسّـمة إلى وحدات توتمية..كل جماعة منهم تعبد (توتمًا) من خشب أوحجربشع المنظر..وأنه يبدولنا فى الواقع أنّ التطورالاجتماعى لهذه القبائل قد توقف عند المرحلة التى حسمها المصريون الأقدمون، عندما اتخذوا قرارهم وعبروا الحواجزفى فجرتاريخهم..وبدأوا مسيرتهم (نحوالحضارة)..وهنا نجد متحفــًـا حيًـا تُـعرض فيه فى صورة حية، مراحل انتقال الإنسان مما قبل التاريخ إلى التاريخ)) (ص 87، 121) رغم هذا الانجازالحضارى، لم يرد.مؤنس فى الأهرام غيرأنها (مقبرة لإنسان واحد) فى حين أنّ علماء المصريات ينظرون إلى الأهرام على أنها:
• جزء من الحضارة المصرية..وتعاملوا معها من زاويتيْن: زاوية البناء المعمارى الذى اعتمد على ثلاثة علوم: الهندسة والفلك والرياضيات..وأنّ عملية البناء تمّتْ على مراحل تارخية هى: مرحلة المصاطب ثم مرحلة الهرم المدرج، حتى كان الشكل الأخيروهوالهرم الكامل..والزاوية الثانية هى البُعد الفلسفى، حيث فلسفة البعث والخلود.
• وكتب أ. أ. س . فى كتابه (أهرام مصر) المنوه عنه بعاليه أنّ كلمة (مر) فى الهيروغليفية تعنى الهرم..والترجمة الدقيقة لها (مكان للصعود) وأنه قد ورد فى المتن رقم 276من متون الأهرام ما يلى (( لقد وُضع لأجله (أى الملك أوأى متوفى) سلم ليصعد به إلى السماء)) وتكرّرتْ الفكرة ذاتها فى المتن رقم 619. وعن دقة البناء كتب (( ليس من المُستطاع ضبط جوانب الهرم نحوالجهات الأربع إلاّ بمساعدة جُرم أوأكثرمن الأجرام السماوية، فى وقت كانت البوصلة فيه– بكل تأكيد– غيرمعروفة، على أنّ قدماء المصريين نجحوا فى هذا نجاحًا..كادوا يصلون فيه إلى حد الكمال..كما يتضح فى الهرم الأكبروهرم خفرع)) (المصدرالسابق– ص177، 232)
• وكتب عالم المصريات الكبير(أدولف إرمان): ((لئن كان الشعب المصرى يختلف فى شىء عن غيره من الشعوب، فإنما ذلك فى العناية التى كان يُوجّهها إلى موتاه..ومن المُحقق أنه لم يكن لهذه العناية من سبب فى بداية الأمرغيرالسبب الطبيعى الذى تشترك فيه الإنسانية عامة، ألا وهوحب الأهل وذوى القربى)) وهذا يعنى أنّ (أدولف إرمان) كان ثاقب النظر، لأننا نحن المصريين (حتى القرن الحادى والعشرين بعد ميلاد السيد المسيح) لازلنا نُحافظ على زيارة أقاربنا الذين غادروا عالمنا إلى العالم الآخر..وأنّ ابنى عندما يرانى وأنا أزورقبرأبى أوأمى إلخ فإننى أرسخ فى وعيه وفى وجدانه قيمة تواصل الأجيال..وهى قيمة ذات بُعد قومى وإنسانى معًا، لأنّ فى تواصل الأجيال مغزى تماسك الشخصية القومية..وكتب إرمان أيضًا ((لقد كان الظلم فى كل العصورفى مصر، مرذولافى نظرالآلهة..ونحن نقرأ فى متون الأهرام أنّ الملاح السماوى لايسمح بالعبورلغيرالصالحين العادلين)) (ديانة مصرالقديمة- ترجمة د.عبدالمنعم أبوبكر، د.محمد أنورشكرى– مكتبة الأسرة)
أما العالم الكبير(مارتن برنال) فقد ذكرأنّ عالم الآثار(جومار) جمع ((نتائج قياساته للهرم الأكبربالجيزة..ووضـْـعه الجغرافى الدقيق مع الأوصاف القديمة للأهمية الرياضية لقياساته..وبات مقتنعًـا بأنّ قدماء المصريين كانت لديهم معرفة دقيقة بظروف الأرض، ووضعوا وحدات قياساتهم الطولية على أساسها..وأنّ الهرم الأكبركان بحذى الجهات الأصلية للبوصلة بدقة أكبرمن أى صرح أحدث زمنا)) (أثينة السوداء– مجموعة مترجمين – المجلس الأعلى للثقافة- المشروع القومى للترجمة- عام 1997- ص 425، 427)

إنّ بناء الأهرام وراءه فلسفة أعمق من مجرد (مقبرة) لدفن الموتى..وأنّ هذه الفلسفة هى الأولى فى تاريخ البشرية التى تتناول فكرة (الزمن) وقد لاحظ ذلك بحق عالم المصريات الراحل الجليل (محسن لطفى السيد) فى كتابه (تفسيرما هوكائن فى العالم الآخر) من خلال اتحاد أوزيرمع (رع) فكتب ((ولانعدم فى كتاب الخروج إلى النهار- الشهيرفى الترجمة الخاطئة بكتاب الموتى- ما ينص على هذا المعنى صراحة، ففى الفصل رقم (17) من الكتاب يقول بلسان الخالق ((أنا الأمس وأعلم علم الغد)) والأمس هوأوزير..والغد هوالإله (آتوم– رع) وهكذا يُـشيرأوزيرإلى الزمان الماضى، أما (رع) فهوالمستقبل.. وما الماضى والمستقبل إلاّ جزءان لاغنى عنهما كى تتم حركته الأبدية)) (ص 9)
• وكتبتْ الدكتورة مرجريت مرى ((لقد أصبحتْ بابل وحدائقها كومة من الأنقاض يعمها الخراب..كأنما هى مدينة دمّرتها القنابل..وأما تمثال (زيوس) فقد تحطم منذ زمن طويل..ومعبد ديّانا فقد تهدّم تمامًا ولم يبق منه إلاّبعض آثارقليلة..وتمثال (رودس) العظيم فلا أثرله إلاّفى الخيال بعد أنْ زال واختفى تمامًا..ومنارة الإسكندرية فقد ذهبتْ دون أنْ تترك لها أثرًا تقريبًا..ومن العجائب السبع تتبقى أهرام مصروحدها، تكاد تكون سليمة..وهى لاتزال ترتفع بهاماتها شامخة فوق رمال الصحراء، تُسيطرعلى المنظر..وتتحدى يد الزمان المُخرّبة، بل ويد الإنسان الأشد تخريبًا..وهى بالغة العظمة والضخامة والأثر..كما أنها أقدم المبانى العظيمة فى العالم كله)) (مصدر سابق– ص13)

لقد تشكك د.مؤنس فيما كتبه عالم المصريات (برستد) حول أنّ فكرة (الضمير) كانت ولادتها فى مصر، قبل غيرها من الحضارات..ومع ذلك فإنّ د.مؤنس كتب فى ذات الصفحة من كتابه ((...أما يقظة الضميروالشعوربالخيروالشرفقد نشأ عنه إحساس بضرورة حماية الخير..ومقاومة الشر..ومن هذا الإحساس نشأ التفكيرعند المصرى القديم مثلا بأنّ الآلهة تحرس الخيروتؤيده..ومن هنا نشأتْ ديانة مصرالقديمة التى تقوم على مبادىء روحية..ومن مصرانتقلتْ إلى غيرها من الحضارات)) (ص103)
إنّ دراسة (برستد) عن فجرالضميرالذى وُلد فى مصرالقديمة، لم تكن مقالة فى بضع صفحات..وإنما هى دراسة عميقة فى كتاب من 448 صفحة من القطع الكبيرفى ترجمته العربية..ويتميّزجهد برستد فى هذا الكتاب من خلال قراءته (لمتون الأهرام) و(متون التوابيت) و(كتاب الخروج إلى النهار) و(تسابيح آى) وأناشيد أخناتون وحِكم (بتّاح) وحِكم (أمينوبى) هذا بخلاف المقارنة التى عقدها برستد بين القانون المدنى والجنائى فى مصرالقديمة الذى أسّس لفلسفة العقوية الواحدة، عن ذات الجريمة، على أى شخص بغض النظرعن انتمائه الطبقى أووضعه الاجتماعى أومنصبه الوظيفى..وذلك عكس قانون حمورابى الذى تأسّس على قاعدة أنّ العقوبة على ذات الجريمة، تختلف من شخص لآخرحسب موقعه الاجتماعى. فهل هذا الجهد من برستد يدعو إلى التشكيك فى منهجه العلمى عندما أكــّـد على أنّ مصرالقديمة هى التى وُلد فيها (فجرالضمير)؟
• إنّ برستد لم يكن يكتب بصيغ إنشائية أوتقريرية، إنما كان يُقدّم قراءة لبعض النصوص التى تركها جدودنا المصريون القدماء، فكتب ((000 فى ذلك العصرالمُبكرلأقدم جماعة بشرية وصلتْ إلينا أخبارها، ساد الاعتقاد بأنّ حق كل فرد فى التحلى بالأخلاق الفاضلة يمكن أنْ يقوم على أساس النهج والسلوك اللذين يُعامل بهما أفراد أسرته..وهُم والده ووالدته واخوته..وهذه الحقيقة تُعتبرذات قيمة بالغة ومكانة عظيمة فى ذلك البحث الجليل..وقد أكدها لنا أحد أشراف رجال الوجه القبلى الذى كان يعيش فى القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، إذْ قال فى نقوش قبره بعد أنْ عقد لنا كثيرًا من أعماله الطيبــــة: "إننى لا أقول كذبًا.. لأننى كنتُ إنسانًا محبوبًا من والده، ممدوحًا من والدته، حسن السلوك مع أخيه..ودودًا لأخته")) (فجرالضمير- ص 131)
وكتب ( أدولف إرمان ): ((لم يتعطش المصريون نحوالأخذ بالثأر..كما كانت الحال فى شعوب أخرى..ولذلك بقيتْ هذه العادة غريبة عنهم..ومن أجل هذا بقيتْ ديانتهم خلوًا من الطقوس المُخيفة التى تحيد بالديانات الأخرى عن الطريق المُعتدل..ولم يكن فيها مكان لآلهة ظمأى نحو الدماء..ولاطقوس تُسرف فى الشرورأوالشراهة)) (ديانة مصرالقديمة– مصدرسابق– ص11) وكتب أيضًا ((ليس الأمرمصادفة أنْ تكون الأسطورة المُحبّبة لدى المصريين ذات طابع سلمى. فلقد كان (أوزير) أميرًا للسلام..وحين يُطالب ابنه (حورس) قاتله بدمه، فإنّ الأمرلايسيرإلاّعن طريق العدالة..وأما سكان الوادى الوادعون، فلم يشعروا بغيرالاشمئزازنحوالحروب والمعارك، التى أبدعتْ تصويرها خيالات بعض الشعوب الأخرى..ولعلنا لم ننس ما ورد فى الإلياذة..إلخ)) (دينة مصرالقديمة– مصدرسابق– ص177، 178)
لم يكن د.مؤنس الوحيد..وإنما شاركه كثيرون، لأنّ تحت يدى الكثيرمن الأمثلة من كتابات أعداء الحضارة المصرية (كتبها مصريون بالاسم)، لترسيخ مقولة العبريين: أنّ الحضارة المصرية (حضارة موت) أهى (حضارة سخرة وعبودية) فأين هى الحقيقة من واقع علم المصريات وعلم اللغويات..والرجوع إلى العلماء المتخصصين فى هذيْن العلميْن؟ وكذلك الرجوع إلى المؤرخين اليونانيين الذين زاروا مصرفى الحقب التى سبقتْ مولد السيد المسيح عليه السلام.
وإذا كان الرئيس الفرنسى (فرانسوا ميتران) هوالذى اقترح فكرة الهرم الزجاجى..كواجهة لمتحف اللوفر..فإنّ الإديب الفرنسى (أندريه مالرو) والذى شغل منصب وزيرالثقافة، عندما زارمصربصحبة ثروت عكاشة قال: إنّ ما بحثتْ عنه مصرفى الموت..هوتحديدًا القضاء على الموت، إننى باسم فرنسا أشكرمصرالتى كانت أول من ابتكرالخلود)) (مصرولع فرنسى- روبيرسوليه- ترجمة لطيف فرج- مكتبة الأسرة- عام1999- ص336)
***



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن