نُحِبُّ ولكن..

عمر بن منير بن عمر بلخشين
plongeurbelka@gmail.com

2019 / 5 / 16

نُحِبُّ ولكن..




من وسط غابة البلُّوط و كثافة أشجارها الطّويلة التي تنتمي إلى فصيلة الزّانية صدرت صرخة فتاة مدوّية ، عياط مقاومة من شريفة لوحشٍ آدميّ كان يمسكها بقسوة من ذراعها وفخذها ، مثبّتاً إياها إلى جذع شجرة قديمة..
لمحها بنظرة شهوانيّةٍ قاتلة..
أطبق شفتيه الغليظتين على رقبتها الرّقيقة..
همس في أذنها برقّة:
"أحبّك صغيرتي ولكن.."-
اخترقت أنيابه الحادّة جلدها النّاعم ببطء ..
شعر بنشوة جامحة حين امتصّ دمها العذب..
هتف وعيناه تتألقان: "الآن أصبحت من بني جنسي."..
فزعت (سلمى) وكادت تقفز من على مقعد السّينما لهول ما رأت، إلاّ أنّها مالت على كتف فهمي وتمسّكت بذراعه كأنّها تستنجد به!
كان (حلمي) ينظر إليها متعجّبا، لم يكن يعرفُ أنّ هذا المشهد سيؤثّر على سلمى بهذ الطّريقة..
خاطبها باهتمام:
-عزيزتي أتريدين أن نغادر؟
عادت معتدلة في جلستها وهي تقول بكلّ ثقة:
-أتظنّ أنّ الفلم مرعبا كثيرا..
ثمّ واصلت هازّة كتفيها،غامسة رأسها:
-كان مشهدا مفاجئا وحسب..و علي أن اعرف النهاية..
ارتشقت عيناها على شاشة العرض متابعة بكل حرص!
كنت أخفي ضحكة طويلة بداخلي..اعتدلت بدوري ومسكت يدها أداعبها بتحنّن
لقد قضيت يوما متعبا في العمل و أشعر بالنعاس يداهمني ربّما لذلك اقترحت عليها المغادرة..
لم تبقى سوى دقائق على نهاية الفلم وبينما أتطلّع إلى السّاعة في شاشة هاتفي الذكي و أتفقّد بريدي الالكتروني كان الفلم قد انتهى..إنّها السّاعة الثّامنة ليلا ومن المفروض أن أذهب معها إلى منزلها لتناول الغداء..
مسكت (سلمى) يدي ثم مالت علي و وشوشت بصوت مغر:
-لقد حضّرت لك كلّ الأكلات التي تحبّها ومفاجأة ..
تألقت عينا حلمي اللاتي كانا يصارعن النعاس وقــال بحماس:
-أنت رائعة عزيزتي .. علي أن استرجع طاقتي..لكن ما هي المفاجأة؟
قالها بتشوّق ثمّ تأمّل في الدّيجور وانعكاس ضوء الشّاشة عينيها الماكرتين الجميلتين! وانطلقا..
وسط المنزل الواسع كانت طاولة عريضة برداء أحمر وشموع..
"يا له من مشهد رومانسيّ رائع!"
أتت (سلمى) بسرعة بعد أن ذهبت لتسخين الأكل وهي تجرّ حمالة الأكل المتحركة مليئة بالأطباق الشهيّة..
اتّسعت عينا (حلمي) وكاد أن يسيل ريقه.. بينما أخذته (سلمى) من يده ودعته للجلوس إلى الطّاولة..
جالسها ،لمحته بنظرة ساحرة تحمل كثيرا من الشّوق..كأنّها تلمحه لأوّل مرّة، أو ربّما لآخر مرّة..
بكلّ لطف قالت:
-هيّا تناول عشاءك..
حيّرتني هذه النّظرة..لكنّي لم أتمالك نفسي أمام رائحة الأكل المثيرة وانطلقت...
إلا أنّ (سلمى)اكتفت بمشاهدتي.. قلت بتعجب:
-ألن تشاركيني الطّعام عزيزتي؟
بصوت رقيق:
-طبعا حبيبي
بفضول سألت :
-فيما شردت؟
أجابت بنفس الهدوء والرقّة
-لا شيء كنت أفكّر بك..
أخذت الفرشاة والسكّين وتظاهرت بالأكل وهي تسترق النّظر إلى الغُرفة الجانبيّة خلف حلمي
اِنتبهت لذلك وتساءلت مرة أخرى في حيرة:
-هل كلّ شيء على ما يرام؟
اتّسعت عيناها وقالت بحزن باد على وجهها:
-سامحني حلمي..
حينها سمعت خطى ثابتة آتية من الخلف تقترب ببطء..التفت بسرعة..
"كــــارلُو!"
كانت صدمة..ف(كارلو) هذا أحد أخطر زعماء المافيا وكنت منذ زمن ألاحق عصابته، وفي يوم من الأيام الممطرة جاءتنا معلومة أنّه سيقوم بصفقة كوكايين كبيرة و قد كان صحبة ابنه (ماتيوس) حين أفشلنا الصّفقة.. و في عمليّة مطاردة وتبادل إطلاق نار مع عناصرنا من رجال الشرطة كنت قد أصبت ماتيوس) أظنّني قتلته..
صفّق (كارلو) بكلتا يديه في ارتخاء ثمّ تعالت قهقهته السّاخرة، قال:
-حبيبة تضحي بحبيبها..لماذا يا ترى؟ يا له من مشهد درامي!
واصل قهقهته التي أثارت غضبي..كان رفقة رجلين يوجهان فوهة مسدساتهم نحوي
بقهر التفتُّ إلى سلمى، أحاكيها بعيني؛ "لماذا فعلت هذا بي؟"
فَهِمَت معاني نظرتي..وقالت بصوت منخفض ومقهور:
-أحبّك حلمي ولكن..
كاد قلبي أن ينفجر ..ولكن ماذا؟!
هتفتُ بنبرة عابثة:
-ما هذه اللّعبة اللّعينة؟!
أردف (ماكرو) في صرامة قائلا :
-وقعت كالفأر أيّها الحقير..
أظننت أنك بعد إفشال العمليّة وقتل أخي وخليفتي ستنجو بفعلتك؟
كنت قد هممت بالوقوف من الكرسيّ لكنّه اندفع نحوي حاملا مسدسه وضربني بفوهته على صدري وقال بعصبيّة:
-اِجلس ولا تحاول أن تتلاعب بنا، أعرف أنّك ماكر لكنّك لن تفلت منّي هذه المرّة وسأقتلك ثأرا لأخي.
كنت أشعر بغليان في رأسي، كيف يمكن لسلمى أن تفعل بي هذا..
تطلّعت إليها للمرّة الأخيرة و هي تتحدّث إلى أحد رجال (كارلو) الذي أعطاها الهاتف لتحادث والدها الدّكتور توفيق..
فهمت لقد احتجزوا والدها وقايضوها ..
كانت لحظة مهمة استجمعت فيها سيطرتي على تركيزي واستغللت الموقف لآخذ قرارا؛ الهجوم والفرار أو الموت بطريقة دنيئة..
قرّبت يدي ببطئ إلى الطّاولة لألتقط السكّين الذي كنت آكل به بينما كان كارلو ملتفتا إلى سلمى وهي تحادث والدها بلهفة كي تطمئن من أنهم قد خلصوه..
في سرعة فائقة ودون تردّد قفزت بسكّيني نحو كارلو ورشقته في عنقه ثمّ عانقته من الخلف واحتميت بجثّته من رصاص رجاله حتى اقتربت إلى الشبّاك الذي كسّرت زجاجه وقفزت منه بمرونة شديدة..امتطيت سيارتي،شغلتها وانطلقت كلمح البصر بينما تتالت الطلقات النّاريّة خلفي..كنت قد أصبت في كتفي، من حسن الحظ أنّها إصابة خفيفة..لم تشغلني الإصابة بقدر ما شغلتني سلمى..
ها قد مضى تقريبا ثلاثة أشهر على الحادثة دون أي خبر عن سلمى ولا عن والدها..لقد قرّرت في الأثناء أن أنسى أمرها بعد كلّ ما حدث..صحيح أنّها أوقعت بي تحت الضّغط..لكنّي كنت سأموت ضحيّة براغماتيّة التّفكير وضحيّة الظّروف كالكثير..تنهّدت بعمق.. و أنا أطفئ سيجارتي التي اِكتملت إلى أقصى حد قلت في نفسي بارتياح حارّ:
"آآه أحببتك ولكن.."








http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن