أسئلة عن الثورة السورية

راتب شعبو
ratebshabo@gmail.com

2019 / 5 / 16

حوار عن الثورة السورية مع "صفحات سورية"

س1: يتم تسمية الكرد باسمهم الصريح، و عندما بتعلق الأمر بالطوائف، فإن البعض يفضل، و البعض الآخر يتحاشى، الذكر الصريح للطوائف و حضورها في المعادلة السورية. ما هي محاذير الذكر الصريح للمكونات الطائفية، و ما هي الموجبات التي تستدعي تسمية الطوائف بأسمائها؟
ج1: من الواضح أن الانتماء القومي يمتلك اليوم، على العموم، مشروعية وقبول سياسيين أكثر من الانتماء الديني أو الطائفي. رغم أن كلا الانتمائين لا إراديان ومفروضان على المرء بحكم المولد.
وقد يكون مرد ذلك إلى أن المرء يرث الانتماء القومي والانشداد إلى جماعة بشرية يتقاسم معها عوامل عديدة مثل اللغة والأرض والتاريخ دون أن يقتضي ذلك منه وراثة أفكار معينة ضد جماعات معينة ممن يشاركونه اللغة والأرض والتاريخ كما هو الحال بالنسبة إلى الانتماء الطائفي. بهذا المعنى يكون الانتماء القومي أرقى سياسياً. كما أنه أرقى إنسانياً ذلك أنه لا يفترض أساساً العداء لجماعات أخرى إلا في حالات صراعات عابرة جراء تضارب مصالح تتم تسويتها بشكل ما لاحقاً. أما الانتماء الديني فإنه يحدد موقفاً ثابتاً ونهائياً من جماعات أخرى بحكم طبيعة الدين التي لا تقبل المرونة في العقائد. فإما أن تكون مؤمناً أو كافراً، والإيمان عند جماعة يعني كفراً عند الجماعة الأخرى. على هذا فإن الانتماء الطائفي يورث أفكاراً وهذه الأفكار تحمل عداء وموقفاً نهائياً من جماعات دينية أخرى، وهذا ما يجعل إعلاء هذا الانتماء تخلفاً من الناحية الإنسانية والأخلاقية، وهو ما يجعل المجاهرة والذكر الصريح للطوائف محرجاً شيئاً ما ومخجلاً.
وحين يفرض الواقع الطائفي نفسه سياسياً فإن المحلل يقع بين محظورين: الأول هو إنكار الواقع، والثاني هو الحديث عن أبناء البلد بحسب منابتهم الطائفية. ولذلك يشعر المتحدث بالحرج ويحتاج إلى جواز مرور للدخول إلى موضوعه، كأن يقول إنه مضطر للحديث بهذه اللغة التي يرفضها.
من جهتي لا أرى ضيراً في الحديث عن الطوائف حين تتراكب الشروط السياسية في البلاد بما يجعل من الانتماء الطائفي عاملاً مؤثراً في السياق السياسي ويجعل من الطوائف كتلاً سياسية لا بد من إدخالها في الحسبان لفهم الواقع السياسي للبلد، ولكن المحذور هو أولاً التعامل مع هذا التراكب السياسي المؤقت كمعطى نهائي وتثبيت الطوائف ككيانات سياسية متراصة وجوهرية. وثانياً المغالاة في التحليل الطائفي بشكل يهمش عوامل أخرى أساسية في فهم اللوحة السياسية للبلد.
س2: هل الثورة السورية بمكوناتها المدنية و العسكرية تأخذ أبعادا طائفية، كيف نستطيع التحقق من هذا الأمر بغياب أرقام دقيقة أو تقريبية تدعم وجهات النظر المتباينة؟
ج2: في رأيي أن اللون الطائفي تغلغل في أعطاف الثورة السورية بعد الموقف السلبي ثم المضاد للثورة من جانب جماعات دينية ومذهبية معينة في سوريا، ولاسيما العلويون منهم. وقد جرى ذلك بآلية التغذية الذاتية، بمعنى أن سلبية "الأقليات" دفعت لظهور ملامح طائفية عند الحراك الثوري وهذه الملامح عادت لتغذي سلبية "الأقليات" مما دفع الحراك الثوري باتجاه قول، وفي أحيان غير قليلة، فعل طائفي زائد، وهكذا.
وقد زادت عسكرة الثورة من هذا الفعل التبادلي بين الطوائف بأن زودت كل جهة بأعمال شريرة من جانب الجهة الأخرى يرتاح عليها ضميرهم الجماعي وتسوغ موقفهم.
وتعمل الممارسات المنهجية المدروسة للنظام على صب الزيت على اللهيب الطائفي حيثما أتيح له ذلك.
ولا أظننا بحاجة إلى تحقق وأرقام دقيقة كي نلمس هذه الحقيقة. اللون المذهبي السني غالب على الحراك الثوري في سورية، والجهات الإقليمية التي تجاهر بدعم الثورة السورية هي من لون مذهبي واحد وترى إلى الصراع في المنطقة على أنه صراع شيعي/سني وتريد زج الثورة في هذا القالب. والموقف المضاد للثورة غالب على الأقليات ولاسيما على العلويين، الذين ينفرون حتى من إطلاق تسمية ثورة على ما تشهده سورية. كما أن الجهات الإقليمية الداعمة للنظام هي من لون مذهبي واحد بما يسمح لمن يشاء أن يضع الثورة السورية في سياق صراع سني/شيعي يراد له أن يشكل واجهة تخفي وراءها حقيقة التناقضات المغذية للصراعات في المنطقة، وأقصد بهذه التناقضات تلك القائمة بين قوى الاستبداد وقوى التحرر، بين قوى الاستغلال والنهب والاحتكار والقوى والفئات الشعبية التي تزداد فقراً، بين المستعمِر والمستعمَر ..الخ.
س3: هل بالإمكان ان نعتبر أن الداخل السوري بمكونه العسكري حاليا ممهد لظهور أمراء حرب، ما هي احتمالات تطور الحالة السورية إلى حرب أهلية شاملة؟
ج3: استمرار الصراع في سوريا على هذه الحال يصنع العناصر الكافية لحرب أهلية شاملة. رأيي أن ما يجري في سورية اليوم هو حرب أهلية، فالعنف الجاري اليوم ليس عنفاً "طبيعياً". بمعنى إنه ليس عنفاً تمارسه دولة ضد متمردين محدودين من السكان. هناك قطاع بشري واسع ويتسع من المدنيين السوريين الذين فرضت عليهم الظروف اختطاط طريق العنف لتغيير النظام. وهذا يواجههم بأجهزة الدولة القمعية (أجهزة أمن مع جيش) ويستند أكثر فأكثر، مع استمرار واتساع الثورة، إلى وسائل قمع إضافية، هذه الوسائل هي مدنيون موالون يتم تسليحهم (لجان شعبية) وزجهم في دائرة الصراع العنيف. ويعود ولاؤهم لأشخاص نافذين غير رسميين في النظام، وهؤلاء هم من يسمون (الشبيحة). الحرب الدائرة في سورية اليوم هي حرب أهلية مضبوطة، لأن الدولة لا تزال على قدر جيد من التماسك.
مع الوقت وعلى المدى الطويل يجري تحول الجيش أكثر فأكثر إلى جيش لا يعكس التنوع الوطني، بعد انشقاق واسع من عناصره وغالبيتهم من المسلمين السنة والامتناع عن الالتحاق بالجيش (الخدمة الإلزامية) في هذا الوسط، ما يجعل هذا الجيش يرمم ذاته بطلب تطوع لا يستجيب لها سوى أبناء الأقليات، ولاسيما العلويون، وهذا يجعل الجيش أكثر فأكثر ذا لون طائفي غالب لا يعكس التوازن السكاني في سوريا.
في المقابل يتشكل ويتبلور أكثر جيش ثان، هو الجيش السوري الحر، والذي يغلب عليه أيضاً لون مذهبي معين. هكذا يغدو الصراع الذي نشب بين قوى ثورة ضد نظام مستبد صراعاً بين جيشين مذهبيين مع روافدهما. الانتقال إلى حرب أهلية طائفية شاملة بعد ذلك يتوقف فقط على اقتراب هزيمة أحد الجيشين. إذا حصل ذلك، وهو يمكن أن يحصل بحصول تدخل خارجي مثلاً أو بتزويد الجيش الحر بأسلحة نوعية، حينها يمكن، وتحت الشعور بالخوف من الانتقامات غير التمييزية رداً على ما ارتكب النظام وملحقاته من مجازر وقتل وقمع، أن ينخرط أبناء الأقليات ولاسيما العلويون تحت راية كبار الشبيحة (أمراء حرب) في حرب قد تبدو لهم "حرب وجود" في انحطاط سياسي تام.
على الضفة الأخرى من الصراع، تشكلت أجنّة أمراء الحرب وفق تقسيمات تعتمد على مصادر التمويل والتسليح وعلى جهة الولاء وعلى التصورات والمعتقدات السياسية الإسلامية وما إلى ذلك. وعليه فإن انهيار الدولة في سوريا من المرجح أن يليه المشهد الأفغاني أو الصومالي الذي يسيطر عليه "أمراء الحرب". هذا ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي يشكل مدخلاً سلمياً لتفكيك بنية النظام الاستبدادي.
س4: يحتدم في العراق و لبنان، قبل الثورة السورية، احتقان سني شيعي تؤثر فيه قوى إقليمية. هل لتلك القوى دور في الساحة السورية، و هل من مصلحتها الدفع نحو تطييف الصراع، و هل ينسجم ذلك مع مصالح القوى الدولية في سوريا؟
ج4: من مصلحة القوى الإقليمية والدولية اغتصاب الثورة السورية، وغيرها من الثورات، وحشرها في قالب من الصراع الديني العبثي اللاتاريخي بين الشيعة والسنةـ لأن إخفاء المعنى الحقيقي للصراع ينأى بالسلطات المستبدة التي تعم المنطقة عن جدول التغيير الذي يجتاح هذه البقعة من الأرض. بهذا المعنى تصبح مشكلة سلطة ما في أن رئيسها أو طاقمها أو الغلبة فيها لأناس من مذهب معين وليس لأنها مستبدة وظالمة واعتباطية واحتكارية وتنتهك القوانين المحلية والدولية وما إلى ذلك.
والواقع أن لهذه القوى فاعلية واضحة في الثورة السورية من خلال الدعم المالي والعسكري والسياسي لكلا الطرفين. فالنظم الاستبدادية المزمنة تمتلك من القوة والسيطرة ما يجعل الدعم الخارجي شرطاً هاماً وضرورياً لنجاح الثورة عليها. وتركت طبيعة النظم الإقليمية الداعمة للثورة السورية وما تتسم به من استبداد وتمييز واحتقار لفكرة المواطنة، تأثيراً سلبياً على صورة الثورة في أذهان كثير من السوريين. فكانت فاعليتها دعماً من الناحية المادية والسياسية وسلباً من الناحية المعنوية.
س5: شكلت الطبقة الوسطى حاملا ثوريا في الربيع العربي، كيف تقيم انخراط الطبقات الاجتماعية في خارطة الحراك الثوري بمختلف أشكاله، و هل يوجد تداخل بين العوامل المناطقية و الطبقية و الطائفية؟
ج5: كان شباب الطبقة الوسطى المفجر الأول للثورات العربية الحديثة، بفعل التفارق الممض بين ما يعونه (عبر وسائل الاتصال والتعبير والحديثة) وما يعيشونه. وقد أجدى تحرك هذه الفئة لأن اللحظة العربية كانت مكتملة العناصر. تراكم طويل من الإذلال القومي والإفقار ودوس الكرامات والاستفشار في الغنى والسلطة والتسيد وسواها. أنظمة عربية لا مشروع لها سوى الحفاظ على ذاتها على حساب المواطن والوطن. وقد وجدت الشعلة التي أوقدها الشباب العربي المثقف نفوساً قابلة للاشتعال في طول وعرض البلاد. لكن الحديث عن طبقات اجتماعية متمايزة ساهمت في الثورة كطبقات ذات مصالح، يبقى حديثاً خارجياً، أقصد أنه مقحم على الأحداث. ما جرى في سورية مختلف مثلاً عما جرى في مصر، مساهمة المدن في سورية كانت أضعف من مساهمة الريف، ولعل ذلك عائد إلى ازدياد نسب الفقر والعطالة في الريف، أو إلى أن ظروف الريف وتركيبة أهله أكثر قدرة على مواجهة العنف الرهيب للنظام السوري.
التقسيم العام الأكثر جدوى في التحليل هو بين فقراء ومهمشين وبين أثرياء ومتسيدين. ولا شك أن الانقسامات العديدة داخل المجتمع تركت ظلالها الكثيفة أحياناً على تفاصيل اللوحة. ثمة مناطق سورية أظهرت ثباتاً وكفاحية عالية قياساً على مناطق أخرى من اللون المذهبي نفسه، ويشكل هذا موضوع دراسة مستقل. يضاف إلى ذلك الظلال الطائفية التي شلّت البعد الطبقي تماماً (فقراء ومهمشون يقفون ضد الثورة بفعل وعي طائفي فشلت دعاوة الثورة في تبديده). العامل الطبقي في بلداننا يمر عبر مسارب متعرجة. بمعنى أن التحليل الطبقي يعجز عن تفسير اصطفاف تجار مع النظام واصطفاف آخرين ضده. الانقسام الطبقي لا يعكس نفسه بصورة واضحة في الصراع نظراً إلى أن الوعي العام المصبوغ بخلطة من العناصر الدينية والمذهبية والمناطقية والطبقية .. الخ يمارس تأثيراً فعالاً للغاية في تحديد مواقف الناس من شؤونهم العامة.
س6: هل هناك تخوف من تشدد إسلامي يؤثر على حرية الرأي و التعبير و الاعتقاد، كيف تنظر إلى هذه المسألة في سوريا ما بعد الأسد؟

ج6: رغم أن التركيبة الاجتماعية في سوريا لا تتقبل التشدد الديني ورغم الاعتدال التاريخي للإسلام في سوريا إلا أن خطر التشدد الإسلامي ما بعد الأسد حقيقي. يزيد في هذا الخطر طول أمد الصراع وجنوح الحراك إلى الاتجاه الإسلامي الذي بدأت تغزوه تيارات متشددة. ويضاف إلى هذا ضعف مشاركة "الأقليات" بما يجعل النصر حين يتحقق ثمرة إسلامية تمهد لإقامة حكم إسلامي ولكن لن يكون له أن يوطد أركانه في سوريا.
س7: كيف ترى مستقبل سوريا جيوسياسيا من حيث وحدة أراضيها، و شكل النظام السياسي الإداري المقبل، من حيث الفدرالية أو اللامركزية أو المركزية، و تأثير العوامل العرقية و الدينية و المذهبية على شكل الأحزاب السياسية السورية؟
ج7: الثورة السورية أضعفت السلطة المركزية دون أن تسقطها، وهذا خلق فراغ سلطة يتم ملؤه بالقوى المتوفرة على الأرض. هذا الأمر يمكن أن يترك بصمات دائمة على مستقبل سوريا جيوسياسياً إذا طال أمد الأزمة على هذا النحو الذي يعجز فيه طرفا الصراع عن الحسم. وحين يفشل المجتمع السوري في إدارة ذاته جراء ديمومة الصراع يغدو مستقبل سوريا أكثر فأكثر رهناً بسياسات الخارج (الجوار والدول الكبرى). ولا شك أن للداخل دوره، ذلك أنه مهما زادت قوه الخارج، فإنه لا يستطيع أن يخلق شيئاً من عدم. الخارج يستثمر في قوى وميول واتجاهات موجودة ولها ثقل ما على الأرض.
ما سوف يترك أثره على مستقبل سوريا هو وقوع العبء الأكبر في التخلص من النظام المستبد على كاهل المسلمين السنة السوريين بشكل أساسي. لن يكون غريباً، في حال سقوط النظام، أن يتم النظر إلى هذا الإنجاز على أنه ثمرة إسلامية سنية، وما يترتب على ذلك من توليد قوى نبذ عند باقي فئات الشعب السوري. من المتوقع أن يكون للأكرد مسعى قوي للحكم الذاتي، وسيكون هذا جبهة صراع لاحقة في سورية المستقبل. وقد خلق انكفاء الأقليات عن المشاركة في إسقاط النظام شعوراً بالاغتراب المتبادل بين فئات الشعب السوري، وهذا يغذي انعدام الثقة فيما بينها مما يدفع باتجاه تقاسم طائفي للسلطة، على غرار الحال في العراق أو لبنان حتى.
من المرجح أن نواجه مرحلة انتقالية قاسية يكون محور الصراع فيها بين قوى تدفع لبناء دولة ديموقراطية مركزية تعتمد فكرة المواطنة، وبين قوى تسعى للاطمئنان بتحصين خصوصيتها القومية أو الدينية دستورياً في دولة لامركزية، وقوى تسعى إلى درء تقسيم البلاد بتقسيم السلطة. والحق إنه لا يمكن التنبؤ بالشكل النهائي الذي ستتجمد عليه الأوضاع السائلة اليوم في سوريا. لكن يتعين العمل على كل ما يرجح كفة بناء دولة ديمقراطية لا طائفية، لأن التكريس الواقعي والدستوري للديمقراطية الطائفية سيكون حفرة يصعب الخروج منها مستقبلاً.

كانون ثاني/يناير 2013



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن