تفكيك العنف وأدواته.. (8)

وديع العبيدي
wdobd14@gmail.com

2019 / 5 / 14

وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (8)
(8)
حرب = مال + سيطرة = دولة..
حرب + دولة = مال + سيطرة..
مال + سيطرة = دولة + حرب..
قوي، قاتل، مخادع، نصاب، كذاب، سارق، نهّاب، سلاب، اخلاقسز، متوحش، مغتصب.. هؤلاء يحكمون العالم ويستعبدون سكانه، وله حق تجاوز الحدود وعبور القارات، وترسيم السياسات والقرارات، وتوجيه المنظمات الشريرة في العالم، وأولها (الأمم المتحدة)، وللقوة الشيطانية المبتذلة، حق تفسير ميثاق حقوق الانسان العالمي، والتباهي بلعب دور شرطي السلام العالمي، والحلول محل (الله) في الأرض.
في الجهة الأخرى، تجد الضحايا والفرائس والضعفاء والمستضعفين/(زورا- نيتشه)، والساعين وراء المساعدات العينية والقروض ، واللاهثين وراء الأدوية والاكسسوارات والزينة، والمتاع الرخيص ومواد التسلية، مما يعجزون عن صنعه، ويقلدون به أعداءهم.
وهكذا يزداد القوي قوة، ويزداد الضعيف ضعفا..
وهنا نحتاج قراءة (نيتشه) ونظامه الأخلاقي، ونتصدى للقول، لا يوجد ضحايا ولا مساكين. فكل فرد وجماعة وبلد مسؤول، عن نفسه ووضعه مسؤولية حقيقية مباشرة، في الأرض والسماء. لا يوجد برئ مسكين، ولكن يوجد متخاذل، انتهازي، مبتذل.
ومن يقرأ القرآن قراءة حقيقية، من غير تحشيش ديني وتنبلة، يجد جدولا متقدما لتصنيف أنواع البشر، وأن انتهازيي الأمس، والمنافقين على اصنافهم، مشخّصين، وباءوا مصيرا. ولذلك لم يكن عدد المسلمين في العالم، منذ أيام محمد وحتى اللحظة، غير نسبة متواضعة، وأغلبهم: منافقون وكذبة وكفرة.
وأول الكفرة وقادة النفاق، هم الشيوخ والحكام. وأشهر أعداء الاسلام هم ممثلوه الزائفون والمتاجرون به..
(يا أيها الذين آمنوا (؟)، لا تتخذوا الكافرين، أولياء من دون المؤمنين، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا/النساء 4: 144).
(لا يتخذ المؤمنون، الكافرين أولياء، من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك، فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة/ ال عمران 3: 28).
(يا أيها الذين أمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منهم فأنه منهم، ان الله لا يهدي القوم الظالمين/ الماءدة 5: 51).
(يا أيها الذين أمنوا، لا تتخذوا بطانة من دونكم، لا يألونكم خبالا، ودّوا ما عنتّم، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر، قد بينّا لكم الآيات، ان كنتم تعقلون/ ال عمران 3: 118).
وسؤال الراهن، لكل مدعي (اسلام): أين يضع يديه ورجليه، أين وضع قلبه وعقله ولسانه؟.. وهل ثمة بلد أو مجتمع/(مسلم) لم يتخذ (انجلتره/ الولايات المتحدة الأميركية، والغرب عموما) أولياء له، أولياء في السياسة والحماية والغذاء والثقافة وكل ما هو من سقط المتاع.. (الجواب شخصي، والكذب مباح!).
بعد اجتياع الامريكان للعراق، ارتفعت أصوات (!!)، تؤيد التغيير السلمي والداخلي، ومن غير عنف وتداخل أجنبي. لكن ما حصل ليس تدخلا اجنبيا، وانما استسلاما خيانيا لزعيمة الامبريالية، خيانة وطنية وقومية بالمفهوم الستراتيجي، وابتلاعا لمشاريع الهيمنة. وفي القرن الماضي، كان مجرد زيارة موفد أميركي، أو اتفاقية انجلوعراقية جديدة، يجعل العراقيين يخرجون للشوارع ويقلبون الأرض.
احد القادة الفلسطينيين اعتبر غزو العراق للكويت، سبب انهيار المقاومة الفسطينية: (لولا الثاني من آب، لما كان مؤتمر مدريد). لكن الخيانة العظمى لزمرة من حواضن اجنبية واقليمية معادية للعراق، لم تستهدف صدام وحزب البعث، وانما المشروع الحضاري والصناعي المتقدم الذي بدأه العراق منذ السبعينيات، عندما قال صدام حسين، ان العراق خلال سنوات قليلة سيكون، (تايلند) الشرق الأوسط.
صعود دولة عربية السلم الصناعي الدولي، هو نهاية الامبريالية والسيادة الغربية؛ ذلك أكثر بكثير، من فرية حرق اسرائيل التي استخدامها ذريعة، لاغتيال ناصر ونظامه. وهي نفسها استخدمت ضدّ نظام البعث، وكانت تستمر ذريعة لدمار بلدان أخرى، باسم الطغيان والانحطاط الدولي، ومن المؤسف أن يرقص الناس للقوي والطاغوت.
ان دمار العراق، انعكست شروره على العرب عموما، حكومات وأفرادا، وانعكست على المنطقة والعالم الثالث والعالم، وذلك على مدى التاريخ وصعيد الستراتيج. وحال الاقتصاد العراقي المبتذل، وهو يشتري الطماطم والماء والكهرباء وأتفه البضائع وأرذلها من ايران، فيه الرد الوافي والحكم الكافي، على ترسيخ الطفيلية العراقية، وقتل أي بادرة وطنية شريفة، ترفع اسم العراق والعروبة./(العراق يجوع، ليشبع الجيران/ العراقي يذل، ليشمخ الجيران).
ولكن، سبحان الذي أحال عراقيي (الكرامة والوطنية)، إلى عراقيي الجلبي وزبانية ايران. كل بلد يحفر مصيره بيده. بعضهم يتقمص دور الذئب والبلطجي، وبعضهم دور الضحية والعاجز. لا عذر لأحدهما، لا غفران ولا شفقة، لمن سعى بيديه ورجليه.
ويبقى قول فلاح عسكر الاكبير بوطنيته وفكره، يجوس ضمير العراق:
اليريد يعيش.. يزرع ورده بيده
واليريد يموت.. يحفر كَبره بيده!..
وعراق الاحتلال وسلطاته اختار. اختار سياسة القبور والسواد والفساد، اختار ثقافة القبور وعبادة القبور وسياحة القبور...
كلّ تواريخ أوربا المعاصرة، يرتبط بنظام الادارة والعسكرة الرومانية. وكلّ اقليم أوربي/(شرق أوربا وغربها) له فرقة عسكرية خاصة ومستقلة ذاتيا ، تعمل في قطعات الجيش الروماني، سواء في حروبه الخارجية على الحدود، أو حروبه الداخلية، للسيطرة على حركات التمرد والعصيان، داخل اقاليم الامبراطورية.
كانت خزينة الدولة الرومانية، تدفع معونة مالية وعينية، لكلّ حكام الولايات والمقاطعات التابعة والخاضعة لها، في الظروف العادية، وتدفع لها مكافآت وتخصيصات إضافية عند مشاركة قطعاتها في الحرب. لكن ذلك ليس كلّ شيء.
الحرب لم تكن لعبة، ولا مجرد نزوة ثأر وانتقام، أو حقد وحسد. فبغض النظر عن أغراض الحكومة، كان غرض القطعات العسكرية المقاتلة، هو الحصول على أكبر نسبة من الغنائم، من ذهب ومجوهرات وكنوز، وأطعمة وعبيد ونساء.
وكان وضع اليد، هو المبدأ في أعراف الغنائم. فكل ما يضع العسكري يده عليه يكون له عرفا، وكل بيت أو قصر أو كنيسة، يسيطر عليها أحد أو فئة، تكون له كاملة، ولا يدخلها غيره، حتى يغادرها أولا. وهذا يضيف لعوائد كل مقاطعة ومداخيلها، مصدرا سخيا للدخل. ولذلك كان سكان المقاطعات، يتنافسون لدخول المعارك، ولو في أقصى الأرض. وفي نفس الوقت، يجتذب قبائل ومقاطعات جديدة، للانضواء تحت خيمة الامبراطورية، للحصول على الرعاية والامن والمال.
ومن أعراف الحروب يومذاك، مبدأ (استباحة) المنهزم، أو البلاد المغلوبة في الحرب. ومدة الاستباحة في الأصل: شهران إلى ثلاثة أو أربعة، حسب الدسم. خفضت لاحقا إلى شهر واحد، أو اسبوعين عند تدخل الامبراطور. وفي النتيجة، لا يبقى من المدينة غير خرائب وأعمدة مهجورة، يجوس خلالها، بعض نفوس هرمة، عافها الغزاة.
أما عند اجتياح القسطنطينية، فقد منع السلطان محمد الثاني استباحة الأهلين، وفي ثلاثة أيام أعاد الاستقرار للمدينة وطرد الجنود خارجا، الى معسكراتهم.
الحروب القديمة، لم تكن تضبطها قوانين واتفاقات أوربية عنصرية كما اليوم، وانما كانت تحتكم إلى (أعراف)، تستند وتسند مواقع وحاجات الفئات المتحاربة، ومنها: تكون الحرب في الصيف، ولا تكون في الشتاء ذي البرودة والجليد؛ تكون في النهار ولا تكون في الليل؛ اعلان اشارة البدء باتفاق الطرفين عند المواجهة، والفصل بين مواقع كل فئة متحاربة.
وفي بعض الحروب، يتم الاتفاق على فن الحرب، أو الحرب المشروطة، بحيث لا يكون ايقاع قتلى، أو قتل قائد الجيش أو الملك، أو المدنيين غير المقاتلين، وعدم ايقاع أسرى. ولكم من حروب، كانت تنتهي بهدنة، أو برغبة الطرفين، لوقف الحرب/(لا غالب ولا مغلوب).
وفي الغالب، يسمح للملك أو القائد، أو بقية الجيش المهزوم بالانسحاب، بغير ملاحقة أو أسرى. وهو أمر ابتلعته الثقافات المعاصرة، العامدة لمهانة الخصم، وامتهان رموزه، وتدميره الشامل. ان عبارة (الحروب الشريفة)، صفة كانت تصح قديما، قبل ظهور المدنيات العصرية أو ما يوصف بالحضارة الحديثة، التي أطلقت الطاقات الوحشية، خارج حدود القانون والكرامة الانسانية.
ويبقى ان (تكافؤ جانبي المعركة) كان من الأعراف المتوافق عليها عالميا. وما من جيش/ بلد له كرامة، يقوم بالتجييش، أو يسير لمعركة ضدّ طرف ضعيف، أو عديم أهلية عسكرية: دفاعية أو هجومية. كما هو الحال، في كل الحروب الحديثة والمعاصرة، التي شنّتها أطراف غربية كولونيالية، ضد بلدان وسكان، لا يتوفرون على مبادئ الحضارة والتمدن، وليس لهم تنظيم دولة أو جيش نظامي، حسب المفاهيم والاقيسة الأوربية.
وفي حرب الخليج، حشدت الولايات المتحدة الأميركية أكثر من نصف مليون عسكري، ومثلهم من قوات متجحفلة، عربية وأجنبية، فضلا عن اسلحة تكنولوجية متقدمة، برية ومائية وجوية وكيميائية، من اخر ما توصلت اليه معامل التصنيع. وباتفاق الخبراء، فقد كان المجال العراقي، أول حقل لتجربة الأسلحة والاعتدة الحديثة، بما فيها الممنوعة دوليا. وفي الشهر الماضي، تم تجربة أول اطلاق صواريخ من طائرة حديثة الصنع، في عملية عسكرية جوية شمالي بغداد.
وفي حرزب أميركا ، استخدم الكذب والاتهام وتضليل الرأي العام والمنظمات الدولية، لتحشيد العالم ضد صدام حسين، وقدراته الخيالية، وبعد اسبوع من سقوط الحكم العراقي، اعترف بوش الصغير أنه كذتب، وكل ما اشيع عن العراق تلفيقات اعلامية وأخبار مفبركة، دون أن يسيح وجه البيت الأبيض، ولا وجه بوش ووزير خارجيته، ولم تتمرد جهة عراقية أو أميركية أو أدنبية، على لعبة الخداع الأميركي: فالقوي يعمل ما يشاء، والكل له صاغرون.
وهذا عنوان العالم الحديث ، البراغماتي اللا أخلاقي: الدولة هي القوة، والقوة فوق القانون والأخلاق والدين. القوة اليوم هي أميركا، حتى لو كانت قوة وهمية.
وعلى العموم، فأن كل حروب بريطانيا في الشرق، كانت ضد غابات استراليا وأفريقيا، حيث تعيش جماعات بشر بدائيين عراة، يعيشون في مغاور وأكواخ. ومنها ضدّ جماعات لم تتطور لديهم فكرة الدولة ولا تتوفر على جيوش نظامية، وانما جماعات قبلية، عاجزة عن تأمين قوتها، تسعى لحماية نفسها بطرق بدائية، كما في الخليج والجزيرة.
بينما القوات البريطانية وغيرها تتوفر على أسلحة نارية وبواخر عظيمة محصنة بالمدفعية، التي دخلت المحيط الهندي والبحر العربي في القرن السادس عشر والسابع عشر، سواء في قوات البركه البرتغالية، أو قراصنة الانجليز في حوض الخليج.
في أزاء السلوك الأوربي العنصري وثقافة الحرب غير المتعادلة وما يترتب عليها من نهب وسلب وحشي، خارج تدخل الحكومة وقادة الحرب، مما يتجاهله طابور (الثقافة الامبريالية)، لا بد أن نستذكر، ما يلي:
1- ان الحروب العربية والاسلامية، لم تكن، (خلافا)، لأعراف الحرب القديمة وفنون القتال السائدة يومذاك في العالم، ومنها الامبراطورية الرومانية والبيزنطية الصليبية.
2- ان المسلمين، (خلافا)، للسائد عند الرومان وبيزنطة والفرس، لم يطلقوا وحشية النهب والسلب، حسب مبدأ وضع اليد، وانما وضعوا قانونا خاصا للغنائم وتركات الحرب، وتقسيمها بنسب حسابية، تشرف عليها ادارة الحرب، أو جهة خاصة في الدولة، هي التي تدفع أعينات الجنود والقادة، وتحدد ما يذهب لخزينة الدولة، ومنها يعاد توزيعه على الفقراء والمحتاجين.
3- ان البلاد المهزومة لا تترك قفرا، وانما تدخل في (رعاية) الدولة العربسلامية، وتخير بين قبول عقيدة الاسلام، أو دفع الجزية. ولم يعتبر سكان البلاد الجديدة، أدنى مستوى من المسلمين عامة، سيما لمن اعتنق الاسلام. بينما ينظر الغرب عموما نظرة دونية لأهل الشرق وسكان البلاد المهزومة أو المتحاربة معها، كما هو حتى اليوم. فالقوانين الدولية داخل المجال الغربي/(المركزية الغربية)، ليست نفسها خارج المجال الغربي.
ان غياب الفكر (المقارن) عند عرب اليوم، وكتاب الحداثة، والانحياز الفاضح للتبعية الغربية، وراء تورط كثير من المتعلمين والمتثاقفين من بلاد العرب، لتوجيه سهام نقد غير موضوعية، لكل ما يتصل بالاسلام والعروبة، تاريخيا وراهنيا، تعبيرا عن حالة فصام شوفونية حضارية، عن قيم الانتماء والهوية والأصالة الوطنية والقومية: [إن كان يمكن أن يخون، فكيف يمكن أن يكون/ السياب].
والمفارقة، ان العرب والمتعلمين وتلاميذ البعثات في ظل الدول الحديثة، بدل أن يعودوا ليخدموا مجتمعاتهم وبلدانهم، عادوا مسلحين بثقاقة برجوازية غربية، تنظر بازدراء لأهليهم، وتتنكب/ تتقمص دور (خواجا) فرنجي، في التعامل مع قطاعات المجتمع والحكومة.
وما يزال غالبية طبقة المثقفين العرب، تفصل نفسها عن واقع المجتمع الأهلي، وتنظر لهم بفوقية واستنكاف، حتى لو كان اولئك من عائلته الصميمة. وإذا كان هذا حال اليمين الثقافي وبعض القوميين، فهو لا ينفصل عن المثقفيين الماركسيين والشيوعيين.
فعلى رغم التأكيدات والشعارات اليسارية، بكونهم حزب العمال والفلاحين والكادحين، فأن المثقف الشيوعي والماركسي، يعيش في معطف (برجوازي صغير). وكل التنظيمات الشيوعية والماركسية، يقودها (برجوازيون صغار)، يتحدثون باسم الشغيلة الكادحة، ويصادرون أصواتها.
فالشيوعيون والماركسيون، ما كانوا خارج طابور العلمانية، في التعالي والانفصال عن التاريخ والتراث العربسلامي، واعتباره دالة للتخلف والبدائية، وما زالت نعرات الاستشرق والغربنة، تصف (العرب) بالبداوة والتخلف والهمجية، وتنسب للاسلام ما لا يناسب اللياقة العامة والهوية الوطنية والقومية. ومنذ سقوط الدولة والنظام في العراق /(2003م)، تتصدر المشهد الاعلامي، حملة حامية من معاداة وامتهان الثوابت العربية والقومية والاسلامية، تعمل على تبرير وتبجيل ممارسات الامبريالية والرأسمالية الوحشية، على حساب بلدانها، ولا تسأل أين كان هؤلاء قبل أمس!.
كل هذا الطرح الاعلامي والثقافي، يترافق مع ادعاءات وشكاوى صارخة، تندد بالقمع العربي والارهاب الاسلامي، وأكثر من هذا وذاك، يتناسى العلمانيون عامة، من يكونوا، وهل هم عرب ومسلمون، أم لهم انتماء وولاء وتوطن مختلف.
لم نتعلم أن نفكر، نعمل، نختلف، دون تنكر لواقعنا المجتمعي، وبيئتنا الثقافية، وهويتنا التاريخية الاقليمية.
الحرية ليست فوضى، حرية الرأي ليست الخرج على الثوابت والمنطق، ولا الدمقراطية تعني التخريب ومديح الاضطرابات. والمقيم في الغرب، يدرك معنى دمقراطية القمع، والثوابت البوليسية التي تمسخ الناخبين إلى حشرات مدجنة، ولكن بأدوات دمقراطية وعنف قانوني.
نحن، لم نأت من المريخ، ولا نعيش في القمر، ولن نذهب إلى عطارد.
هل من المنطق، استخدام المعارف الحديثة، ومظلة حقوق الانسان لمحاكمة التاريخ الاسلامي قبل ما يزيد عن الف عام، بل هل يجوز تطبيقه على النظام السياسي والمجتمعي العربي، ولا يجري تطبيقه على بلدان الغرب الامبريالية وممارسات الاحتلال والسياسات الدولية المعادية للشعوب وقضاياها العادلة في التحرر والاستقلال والكرامة الوطنية، - بحسب الكليشهات الكفاحية التي رفعتها الجماعات القومية والشيوعية، في عهد الحرب الباردة-.
ان معاناة الشعوب تضاعفت أضعافا، والعبودية والاذلال والتدخل في القضايا المحلية والاقليمية، صارت أمرا عاديا، بما فيها اجتياح الدول واعتقال/ اغتيال الرؤساء، والرموز الوطنية، على يد الاحتلال وأعوانه، وكأنهم لصوص وشذاذ، وفي ظل لامبالاة/ شماتة شعبية. وهذا مخالف للمنطق وللقيم الخلقية. وهذا يدفع للتساؤل، هل كان سبب ثورة العشرين اعتقال (شعلان ابو الجون) والسعي لتحريره. إذا لما لم يثر العراقيون، لاطلاق لحماية وتحرير مئات وآلاف العراقيين الذين جرت تصفيتهم على يد القوات الأميركية والايرانية ومليشاتها الحاكمة في كل محلة وزقاق عراقي، وما مصير الاف المعتقلين من علماء ووطنيين شرفاء بين سجون أميركية وايرانية ومعتقلات المالكي وغير المالكي السرية. ما معنى (وطن)، وما معنى (شعب)، وما معاني أشياء كثيرة كان يعتلجها الشارع العراقي، اختفت من القامون، واستبدلت بخلافها، ومنها الذل والكذب والانتهازية.
الوطن ليس الحاكم، والأحذية الأجنبية ليست أكثر رحمة بالشعوب من أبنائها، ولو كانوا قساة، غلاظ، ودكتاتوريين..
هل الحكم الأجنبي حرير ومخمل، أم أن المجازر الامبريالية والاغتيالات السياسية والتصفيات الايرانية لالاف العراقيين، جرت خارج محيط الحوار، وليس غير مجازر النظام السابق، يتم التشهير بها بشكل مجرد وغير موضوعي، متناسين ان نظام المجازر، هو رائد أكبر حركة عمرانية وتنمية تقدمية اجتماعية في الالم الثالث، وهذا لا يناسب حضارة الفساد والجريمة والعمالة للخارج، لساسة عهد الاحتلال.
بكلمة، اراقب بأسف، جملة الاداء العراقي لعهد الاحتلال جملة، وأحاول مقارنته بأي بلد آخر، فلا أجد له مثيلا، لا في لبنان ولا الصومال ولا أفغانستان. علما ان خبراء اعلام الاحتلال، يتجرأون على تقديم نصائح/(خيبتهم) للبلاد الأخرى، ممن لا يعترف بوضع العراق الجديد. والخبراء أنفسهم، لا يعرفون أن العراق الجديد معزول حضاريا ودبلوماسيا، ولا توجد سفارة فعلية في بغداد، سوى بضعة: اميركية، بريطانية، ايرانية، ممثلية الاتحاد الأوربي. وما يتبقى فهم قناصل تجارة أو تمثيل دبلوماسي أدنى.
(العراق العظيم)، حسب توصيف النظام السابق، هو العراق الكسيح، العراق الذليل، الذي يحكمه المقيم الايراني في بغداد. ولكن، لابد من كشف المستور، ولا بد للنعرات الطائفية والحزبية أن تظهر للعلن، وينكشف الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فهذا يوم، وأمس يوم، وغدا.. لغير ناظره وشيك!..
كلنا، وأعني اتباع العلمانية والماركسية، والبدع الدينية، ما نزال نتحدث اللغة العربية، وننتمي للثقافة العربية، رغم أننا نقيم في المهجر الرأسمالي منذ عقود عدّة. وما نزال نحلم ونتوق، أن نتنفس هواء بلادنا ونتخطى في ظلال بساتين نخيلها وفاكهتها... وطوبى لمن يتاح له الجلوس على حافة كورنيش البصرة، ويترك ساقيه تتدليان في مياه شط العرب!..
علينا أن نصحو من خمرة/ مورفين الغرب الزائف، ونعترف بانحرافنا العقلي والفكري. أعني ذلك، ومعناه، ان المتثاقفين العراقيين، لم تخطر لهم مفردات: [تعريق]. والتعريق، على غرار (تمصير)، ليست (تعريب) من باب الترجمة، وانما، تطويرها بما يناسب تربة البلاد وتراثه الاجتماعي.
وهذا من أسباب نجاح الملاقحة المصرية مع الغرب، وفشل الملاقحة العراقية مع الغرب. وهذا سبب فشل المثقف العراقي، ونبذه الى نهاية هامش الحياة، واحلال لغة وثقافة (بوب) جنوبي وعادات ريفية، تستحل مكان الهوية المدينية الوطنية.
وهذا سبب الفصام والقطيعة والاغتراب التي وجد المثقف العراقي نفسه فيها بعد السقوط، اغتراب وغربة عن واقعه ومجتمعه وتراثه الوطني.
وكلمة (وطنية) غير مرغوبة في العراق، وتستخدم كلمة (بلد) الأدنى منها، كغطاء لعراق (أممي) متعدد الالوان والهويات والمرجعيات، إلى درجة التلاشي والانمحاء، وغياب الهوية والخطاب الموحد.
وفي هاته الحالة، يصح في العراق ما يصح في نيجيريا والهند، ان تكون ادارة البلاد بيد المحتل: [انجليزي، ايراني، أميركي]، وكل ما يفصلنا عن هويتنا وانتمائنا التاريخي/(المتخلف)، ويترك لنا فسحة، لانتاج فوضى الكلام وعبث الأفكار والجدل العقيم في سبيل اللاشيء.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن