الفكرة - الصنم في فضاء تيار الأصالة و الأسلمة في الحزائر

حمزة بلحاج صالح
hamzasalhi993@yahoo.fr

2019 / 5 / 13

لا تضخموا الأفكار البسيطة في عقول الناس فتتحول إلى أفكار- أصنام ..

نشر أحد التراثيين منوها تنويها كبيرا جدا بتفسير الشيخ ابن باديس لايات من سورة النور و مدح و أثنى و أكد و أوصى بصفة غريبة..

فتساقطت الإعجابات بما يقارب مائتي إعجاب ..

المنوه بمنشوره هو ممن عرفوا بتمرير خطاب للناس لا يمارس عليه نقدا و لا يراجع و لا يحلل و لا يموضع المعرفة في سياقها و لا " ينسبن " ...

لقد تعود العزف على أوتار الناس و عواطفهم و السير في ركبهم و عدم معارضتهم ...

بمعنى اخر هذا الدكتور الشيخ من المغردين داخل السرب يعزف على وتره....

و المعلوم أن مجتمع الإستهلاك يبتلع السام المضر والنافع المجدي و نصف نصف و ما لا علاقة له بما يبتلع يعني كل شيء يمرر ....

فيكفيك أن يذكر الواحد منه في خطابه الشيخ ابن باديس حتى يتحول كلامه من قيمته المعرفية و الدينية الحقيقية إلى أضعاف مضاعفة و لو كان عاديا ...

ثم تتكون حالة من الهيستيريا و يا ويح من يمارس النقد فيعد متطاولا على الشيخ فهو يعارض وحيا لا شيخا أدى دوره في سياق معين ..

و من نقل كلام الشيخ فهو مبارك و أصيل...

لنكون أمام الفكرة-الصنم ...

هيا معي إلى تفسير ابن باديس و هو رأي بسيط للشيخ :

:قال تعالى " إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "- سورة النور-2)

قال ابن باديس :" ما أصيب المسلمون في أعظم ما أصيبوا به إلاّ بإهمالهم لأمر الاجتماع ونظامه، إما باستبداد أئمتهم وقادتهم وإما بانتشارجماعتهم بضعف روح الدين فيهم وجهلهم بما يفرضه عليهم، وما ذاك إلاّ من سكوت علمائهم وقعودهم عن القيام بواجبهم في مقاومة المستبدين وتعليم الجاهلين وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين. فعلى أهل العلم - وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم - أن يقوموا بما أرشدت إليه الآية الكريمة فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع الشوري في كلّ ما يهمّهم من أمر دينهم ودنياهم حتى لا يستبد بهم مستبد ولا يتخلف منهم متوان، وحتى يظهر الخاذل لهم ممن ينتسب إليهم فينبذ ويطرح ويستغنى عنه بالله وبالمؤمنين"
................................................................................................

و هذا هو تعليقي و ملاحظاتي /

إن كلام ابن باديس الذي جاء في تفسير الاية الكريمة كلام عادي ليس فيه ما يبهر فلا هو بالرفيع جدا و لا هو بغير المقبول ....

تحدث ابن باديس عن إهمال أمر الإجتماع و نظامه فلم يكن خطابه متقدما جدا للأسباب

التالية /

جل أراء علماء جمعية العلماء المسلمين انذاك تأثرت بفكر النهضة محمد عبده و جمال الدين الأفغاني و رشيد رضا و منهم الكواكبي في كتابه " طبائع الإستبداد " الذي ترك أثرا كبيرا في العالم العربي و الإسلامي...

أخونا الذي أكثر من المدح الذي لا يعلم ويلقن الناس إلا الإعجاب المفرط بالذات و تقديسها ..

و مجانبة التحليل و النقد و النقد الذاتي و الإشادة بالعقل التحليلي و اعتماده هو أحد عناصر جماعة " الجزأرة " التي تسوق للناس إسلاما بطبعة جزائرية....

و تفهمهم أن مدرسة الأندلس و المغرب العربي متميزة عن مدرسة المشرق بالمقاصد ..

و غيرها من الترهات التي عفى عنها الزمن و تجوزت....

أخونا الشيخ و الدكتور نسي أن يقول هذا من ريح النهضة التي هبت و كتاب ترك أثره البالغ في تونس القيروان و الأزهر و القرويين المغرب و أمصار العالم الإسلامي هذا من جهة ..

من جهة ثانية أن يتحدث ابن باديس عن الإستبداد بكلمة و جملة فماذا يتكلم صاحبنا الشيخ الدكتور اليوم في النظام السياسي الحاكم و ما البدائل التي طورها و قدمها لنا أم إنه توقف عند ابن باديس ...

و أي تحرك و حراك و محاولة تغيير قام بها سواء وحده أو في اطار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الحالية التي ما رأيناها إلا تتفنن في امتصاص غضب عشوائي غير مؤطر و تتخبط في نشاطها تارة تعليم و تحفيظ القران و تارة اقسام التحضيري ..الخ...

و تتفنن في صياغة بيانات فكرية و ثقافية تغفل وضعنا الحضاري و الثقافي و مكانة الحريات و الإعلام و حرية التجمع و التنظيم التي منعها النظام خاصة في الجزائر العاصمة ....

و لم تشر و تذكر يوما الجمعية لهذا الوضع و لا إلى المادة القانونية المسكوت عنها و التي تتعلق بضرورة إشغار منصب رئيس الجمهورية ...

أن يقول ابن باديس كلمة عابرة عن الإستبداد و لا يفهمها صاحبنا الا من جهة الإعجاب و البيان و الخطابة و الوعظ و تقديس التراث ....

و هذا لا يعني شيئا كبيرا لو علم المعجبون بالنص ...

فإن هذل يعكس العقل المسلم و مخرجاته..

فخير للغاشي أن يتحرك في الواقع بما يجدي نفعا لا أن يثرثر تاركا منظومة فساد تعبث به و بالحكم و بالبلاد...

كما أن ابن باديس كان يتحدث في سياق محدد هو الإستعمار الفرنسي و صراعات الحركة الوطنية و الثورة و حتى الصراعات الداخلية لجمعية العلماء المسلمين تنظيميا ...

كما أن كلام ابن باديس حول الإستبداد وحول قيم الإسلام الإنسانية و مكافحة الإستبداد على النحو التالي /

" مقاومة المستبدين وتعليم الجاهلين وبث روح الإسلام الإنساني السامي في المسلمين. فعلى أهل العلم - وهم المسؤولون عن المسلمين بما لهم من إرث النبوة فيهم - أن يقوموا بما أرشدت إليه الآية الكريمة فينفخوا في المسلمين روح الاجتماع الشوري في كلّ ما يهمّهم من أمر دينهم ودنياهم حتى لا يستبد بهم مستبد ولا يتخلف منهم متوان، وحتى يظهر الخاذل لهم ممن ينتسب إليهم فينبذ ويطرح ويستغنى عنه بالله وبالمؤمنين" ...

ليس كلاما طفرة في الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن الماضي لأنني رأيت من يعلق و يقول " هذا كلام متقدم " ...

أبدا لأن فكر النهضة بالمشرق كان أكثر تقدما فلا نبالغ في جزأرة كل شيء و هذا الكلام ليس لابن باديس وحده بل أيضا لغيره ...

فلو قرأت لجدنا الشيخ الطيب بلحاج صالح المدعو الطيب العقبي مقالا يتحدث عن " الاسلام و المدنية " لقلت نفس الشيء و عند غيره أيضا..

لا نحتاج إلى تضخيم ابن باديس و لا العقبي ولا مالك بن نبي و لا غيرهم...

بل لم يقل ابن باديس و العقبي و الابراهيمي كلاما مثل هذا إلا بتأثير فكر النهضة بالمشرق الذي انتشرت ريحه على كل العالم الإسلامي ...

أو بتأثير وجود الإستعمار الفرنسي الذي كان بوسائله المختلفة التي رافقت دخوله يستفز ضعف المسلمين في مناحي التطور الإنساني و من ثمة عبارات من نوع " الإنسانية " و " الحضارة " و " المدنية " ..

أجزم أن نص الكواكبي " طبائع الاستبداد " كان حاضرا حضورا قويا في هذه الفقرة " الباديسية " التي هزت شيخنا الدكتور ..

عدم فتح منافذ للقراء على افاق جديدة و كتابات جديدة و إبقاءهم في صحن الجمعية و حصنها أو حصون التراث المنيعة دون ما دون و كتب و ابتكر في الفكر الإنساني...

مع بيان تمركزاته في قضايا الدولة و السلطة و الحرية و غيرها من القضايا ...

هو تحنيط للفكر و تجميد للعقل و غلق على القراء في سجن " الأرثدوكسيا " و " الدوغمائية "...

المبالغة في تقديس النصوص التراثية و شبه المعاصرة أو التاريخية يعلم و يلقن الناس الإنبهار و الإعجاب بكلام عادي يكتبه أي كان ما لم يلحق بنقد و يذكر للاستئناس لا للمكوث ...

سواء تعلق الأمر بفكر جغرافيا جزائريا أو عربيا أو إسلاميا أو سنيا أو شيعيا أو إنسانيا و غربيا...

كما أن الفكرة التي لا تترجم في إطار أزمة واقعنا و إخفاقاته و تداعياته ستبقى في متحف العقول تكرس حالة الفصام..

علموا الناس التحليل و النقد و الإنفتاح على افاق معرفية جديدة إنسانية ...

لا بأس أن تستأنس من غير تضخيم بتراثنا إن كانت الفكرة راهنية نافعة مجدية و عميقة أو قابلة للتحيين و المراجعة و التطوير بلا تقديس...

قام مالك بن نبي بنقد جمعية العلماء المسلمين نقدا كاد يبلغ حد الشيطنة....

فكل ما قاله يوضع في سياق محدد ...

فلا فكر مالك بن نبي وحيا من السماء مقدسا فوق النقد...

و لا فكر ابن باديس و جمعية العلماء قداسة و وحي فوق النقد...

و ليس التراث العربي و الإسلامي سنيا أو شيعيا و غيره قديما أو حديثا وحيا منزلا من السماء..

و لا المنجز الغربي القديم و الحديث خلاصا و وحيا و نبوؤة و نهاية التفكير..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن