مقال في القيمة النسبية

محمد عادل زكى
m_adel_z@yahoo.com

2019 / 5 / 13

(1)
نحن نعرف أن ريكاردو انتهى، على الأقل في الفصل الأول من المباديء، إلى أن قيمة السلعة تنتظم بكمية العمل، وحين مبادلة تلك السلعة بسلعة أخرى فإن التبادل يتم على أساس عدد ساعات العمل النسبي الضروري المبذول في سبيل إنتاجها (العمل الحي) بالإضافة إلى عدد ساعات العمل النسبي الضروري المبذول في سبيل إنتاج الرأسمال الموظَّف في سبيل هذا الإنتاج (العمل المختزن). ومن ثم يصبح السؤال الَّذي يتعين إثارته هنا، واتصور أنه ثار في ذهن ريكاردو، وجُل مفكري الكلاسيك، هو: كيف يمكن المبادلة، ووفقاً لقانون القيمة، بين النبيذ الَّذي استغرق صنعه 60 ساعة من العمل الحي و60 ساعة من العمل المختزن، وظل في القبو لمدة 120 يوماً قبل أن ينتقل إلى السوق. وبين الفخار الَّذي استغرق صنعه 60 ساعة من العمل الحي و60 ساعة من العمل المختزن، وظل في التجفيف لمدة 60 يوماً فقط قبل أن ينتقل إلى السوق؟ فالسلعتان، النبيذ والفخار، وليكن 60 لتراً من النبيذ، و60 إناءً من الفخار، استغرق إنتاج كلٍ منهما 120 ساعة عمل، أي نفس كمية العمل. ومن ثم يكون من المتعيَّن مبادلتهما، وفقاً لقانون القيمة، بنسبة 1:1، أي: نبادل لتراً واحداً من النبيذ بإناء واحد من الفخار. ولكن، أليس للزمن هنا اعتبار؟ فما الَّذي يجعل صاحب النبيذ يستمر في الإنتاج إذ لم يحصل على مكافأة الانتظار مدة إضافية حتى نضج منتوجه؟ وما الَّذي، كذلك، يجعله ينتظر 6 شهور إضافية، دون الحصول على دخل إضافي في صورة فائدة أو ربح إضافي؟
ولذلك، وجد ريكاردو أهمية في إدخال عنصر الزمن:
"أن السلع متساوية بكميات العمل الداخل فيها ستختلف قيمتها التبادلية إذ لم تصل في الوقت نفسه إلى السوق... ثمة قيمة إضافية للتعويض عن الوقت الذي يستلزم حتى تصل السلعة إلى السوق وقيمة هذا الوقت طويلاً كان أم قصيراً". (المباديء، الفصل الأول، القسم الرابع).
وعلى الرغم من أن ريكاردو وصل إلى مرحلة غاية في الأهمية في علم الاقتصاد السياسي حينما أدرك مبكراً أن التحليل يخلو من عنصر الزمن، وأن للزمن الدور الحاسم في تكوين قانون القيمة، إلا أنه لم يفلح أبداً في الكشف عن القانون الموضوعي الَّذي يحكم، وفقاً لقانون القيمة، تبادل السلع الَّتي تختلف أزمنة إنتاجها مكتفياً بافتراض مكافأة انتظار قدرها 10%. وبدون أن نعرف لما 10%، وليس 9% أو11%! والواقع أن علم الاقتصاد السياسي بأسره، حتى ماركس، لم يقدم إجابة صحيحة، وفقاً لقانون القيمة، عن كيفية تبادل السلع الَّتي تختلف أزمنة إنتاجها.
(2)
فمن المعروف أن ماركس فرقَ بين زمن العمل وزمن الإنتاج. فزمن العمل دائماً هو زمن إنتاج. والمقصود بذلك الزمن الَّذي يبقى الرأسمال خلاله مقيداً في مجال عملية الإنتاج. وبالعكس، ليس كل زمن يوجد خلاله الرأسمال في عملية الإنتاج هو بالضرورة زمن عمل. وهنا يكتب ماركس:
"وثمة مثال طريف (التشديد من عندي م.ع.ز) على التباعد بين زمن الإنتاج وزمن العمل تقدمه لنا الصناعة الأمريكية لقوالب الأحذية. إن قدراً كبيراً من التكاليف غير المنتجة ينشأ هنا من أن الخشب يتعين تركه حتى يجف لفترة قد تصل إلى 18شهراً؛ منعاً لتمدد القالب وتغير شكله... ولا يتعرض الخشب خلال هذا الوقت إلى أي عملية عمل، ويظل الرأسمال الموظف عاطلاً طوال 18شهراً قبل أن يدخل عملية العمل الحقيقية". (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر).
ولكن مضمون هذا المثال الطريف المذكور أعلاه، يمثل في ذاته أزمة، تستدعي مباشرة نفس أزمة الزمن عند ريكاردو. فكيف يمكن قياس القيمة هنا؟ وما هو منظمها بالأساس؟ فكيف يمكن لصاحب القوالب الخشبية الَّذي أنفق 120 ساعة عمل في 18 شهراً أن يُبادل قوالبه الخشبية بالقمح الَّذي تكلف 120 ساعة عمل أيضاً وإنما على مدار 12 شهراً فقط؟
- أليس للرأسمال، الهاجع دون عمل، من نصيب في ربح إضافي؟
- أليس من حق صاحب القوالب المطالبة بربح عن تعطل رأسماله دون أن يعود إليه كما عاد إلى صاحب القمح، أي ألاَ يكافيء صاحب القوالب عن طول فترة الدوران؟
فإذا كانت الإجابة: نعم له الحق في ربح إضافي. فالسؤال: ألاَ تعد تلك المكافأة الإضافية، في الوقت نفسه، خرقاً صريحاً لقانون القيمة؟ لأننا في هذه الحالة سوف نعتد بـ معدَّل الربح/ عائد الرأسمال، إلى جوار كمية العمل،كمحدد وكمقياس وكمنظم للقيمة! وعائد الرأسمال هذا ليس هو الرأسمال كعمل مختزن، لأن ما يرغب صاحب القوالب في إضافته ليس قيمة الرأسمال الهاجع كعمل مختزن، والَّذي شارك فعلاً في عملية الإنتاج، إنما هو ربح يري الرأسمالي إضافته دون سبب إلا كونه مقابل تعطل رأسماله فترة انتظار نضج سلعته! ولذلك، كان هذا المثل الطريف سبباً في أزمة من أكبر أزمات الاقتصاد السياسي الكلاسيكي؛ فهو الَّذى أدى بريكاردو إلى أن يعلن أن تحليله للقيمة يحتاج إلى إدخال دور الزمن النسبي الَّذي تستغرقه السلعة قبل طرحها في السوق. وهو أيضاً الَّذي قاد جيمس مِلْ ورامساى وغيرهما من كبار مفكري الكلاسيك، إلى الإعلان صراحة أنهما يعتبران نفقة الإنتاج هي منظم القيمة.
فصديقنا صاحب القوالب الخشبية (ولنفترض أنه تكلف 120 ساعة عمل، ولكن عليه الانتظار240 يوماً حتى تجف قوالبه قبل طرحها في السوق) يتطابق موقفه مع موقف صديقنا صاحب النبيذ (الَّذي تكلف، عند ريكاردو، نفس الـ 120 ساعة عمل، ولكن ظلت سلعته في القبو لمدة 120 يوماً فقط قبل أن ينتقل بها إلى السوق) وصديقنا الآخر صاحب الفخار (الَّذي تكلف كذلك 120 ساعة عمل، ولكن ظلت سلعته في التجفيف لمدة 60 يوماً قبل أن ينتقل بها كذلك إلى السوق). فجميعهم يتعين عليهم الانتظار فترة معينة قبل أن يقوموا بطرح سلعهم في السوق. فكيف يمكن التبادل هنا وفقاً لقانون القيمة؟ المشكلة إذاً أمام الكلاسيك، وبالتالي أمام ماركس، بل أمام الاقتصاد السياسي بأسره، هي دور الزمن في تكوين القيمة. ولكي نتعرف إلى الطريقة الَّتي ظن ماركس أن بها حل المشكلة، يتعين أن نتعرف، أولاً، إلى منهجية تحليله للآداء اليومي للمشروع الرأسمالي.
فعلى مستوى الآداء اليومي للمشروع الرأسمالي، ينتهي ماركس، إنما ابتداءً من نظريته في القيمة والقيمة الزائدة المستندة مركزياً إلى أفكار ريكاردو، إلى: أن الاستثمارات في فروع القطاعات المشاركة في الإنتاج على الصعيد الاجتماعي تحكمها معدَّلات الأرباح. فأي رأسمالي يرغب في استثمار أمواله سوف ينظر أولاً إلى ربحه المحتمل. وهو لن يقدم على الاستثمار في فرع إنتاجي معين، إلا إذ كان هذا الفرع الإنتاجي يحقق معدَّلات ربح متساوية مع باقي فروع الإنتاج. فكيف يحدد ماركس معدَّلات الأرباح الَّتي تحكم قرارات الرأسمالي؟ يتعين علينا قبل الإجابة أن نوضح أن تحليل ماركس، بصدد التوازن بين القطاعات، وصولاً إلى ثمن الإنتاج، هو تحليل: أولاً: ساكن. ثانياً: مجرد من تأثير عنصر الزمن. ثالثاً: يفترض ثبات كل من: (أ) قيمة وكمية النقود، (ب) الكمية المطلوبة من السلع، (ج) كمية/كتلة الربح الممكن توزيعه على الرأسماليين. فلو افترضنا أن:
- مجموع الرساميل الموظَّفة في حقل الإنتاج = 500 وحدة؛
- وإن عدد المشروعات = 5 مشروعات؛ رأسمال كل مشروع = 100 وحدة؛
- وإن (كمية/كتلة) النقود الَّتي توزع كأرباح = 110 وحدة.
فإن نصيب كل مشروع من الربح سيكون 22 وحدة. ومعنى ذلك أن أي مشروع جديد يدخل السوق سوف يشارك المشروعات الخمسة القائمة في كمية الربح المحددة سلفاً، وهي 110 وحدة. فإذا افترضنا أن خمسة مشروعات جديدة دخلت السوق فسوف يكون نصيب كل مشروع من المشروعات الـ 10 مقداره 11 وحدة فقط من هذه الكمية/الكتلة المحددة من الربح. وذلك مرتبط بشرط واحد هو أن تكون كمية الطلب الفعلي محددة؛ فمهما زادت الكمية المعروضة بدخول مشروعات جديدة، فلن يزيد المجتمع من استهلاكه من هذه السلعة. ومن ثم سوف تتنافس المشروعات الـ 10 على تلبية كمية محددة سلفاً من السلع من جهة، وعلى اقتسام كمية الأرباح المحددة أيضاً سلفاً، من جهة أخرى. وعليه، سينشغل ماركس بتحديد معدَّلات الأرباح الوسطية ابتداءً من أربعة افتراضات كالآتي: أولاً: أن السلع تباع بقيمتها. وهذا الافتراض من أهم افتراضات ماركس ولا يمكن فهم الجهاز الفكري لماركس بمعزل عن هذه الفرضية المركزية. ثانياً: أن معدَّل القيمة الزائدة 100%. ثالثاً: أن المجتمع مغلق، أي لا يدخل في علاقات تبادل مع بقية أجزاء الاقتصاد الرأسمالي العالمي. رابعاً: سيادة المنافسة الكاملة في مجتمع يسعى فيه الرأسماليون إلى تحقيق أقصى ربح ممكن بأقل نفقة ممكنة. وعليه، يتحدد معدَّل الربح الوسطي في قطاع إنتاج معين يضم خمسة مصانع تستخدم تراكيب مختلفة من الرأسمال الثابت والمتغيّر وفقاً للجدول التالي:

الرأسمال الثابت

الجزء المستهلك من الرأسمال الثابت
الرأسمال المتغير

القيمة الزائدة
قيمة السلعة

ثمن التكلفة

معدل الربح الوسطي

ثمن الإنتاج



80 50 20 20 90 70 22 92 + 2
70 51 30 30 111 81 22 103 - 8
60 51 40 40 131 91 22 113 - 18
85 40 15 15 70 55 22 77 + 7
95 10 5 5 20 15 22 37 + 17
المصدر: ماركس، رأس المال، الكتاب الثالث، الفصل التاسع: تكوين معدل ربح عام، وتحول قيم السلع إلى أثمان إنتاج
ويتضح من الجدول أعلاه أن:

- مجموع القيمة الزائدة =20+30+40+15+5 = 110 وحدة.
- مجموع الرساميل =100+100+100+100+100=500 وحدة.
- معدَّل الربح = القيمة الزائدة ÷ الرأسمال الكلّي.
- معدَّل القيمة الزائدة = القيمة الزائدة ÷ الرأسمال المتغيّر.
- معدَّل الربح الوسطي= مجموع القيمة الزائدة (110) ÷ مجموع الرساميل (500) × 100 = 22%.
- التركيب المتوسط للرأسمال = 78+22 وحدة.
- سوف تقوم المشروعات المختلفة (وفقاً لقوى السوق. اليد الخفية عند آدم سميث) بإدخال التعديلات النسبية في التركيب العضوي للرساميل؛ حتى تتلائم مع التركيب المتوسط للرأسمال على الصعيد الاجتماعي، وكذلك مع الربح الوسطي.
- ثمن التكلفة = الجزء المستهلك من الرأسمال الثابت + الرأسمال المتغير.
- قيمة السلعة = الجزء المستهلك من الرأسمال الثابت + الرأسمال المتغير+ القيمة الزائدة.
- أما ثمن الإنتاج فيتكون من: ثمن التكلفة + معدَّل الربح الوسطي.
وعلى الرغم من أن كل رأسمالي (منفرد)، وفقاً للجدول أعلاه، يحصل من عماله على قيمة زائدة مقدارها 100% إلا أن حساب ثمن الإنتاج، وفقاً لما انتهى إليه ماركس، لا يعتمد على القيمة الزائدة الَّتي حققها الرأسمالي في مصنعه هو، إنما يعتمد في المقام الأول، والأخير، على مجموع القيم الزائدة المنتجة في جميع المصانع، أي يعتمد على كتلة الربح الإجمالية على الصعيد الاجتماعي. وعليه، فإن الرأسمال، وفقاً لتصور ماركس، ينسحب من قطاع ذي معدَّل ربح أدنى ويتدفق إلى القطاع الَّذي يدر معدَّل ربح أعلى. ومن خلال هذا المد والجزر... أو الهجرة والعودة للرساميل، بعبارة أخرى من خلال تزاحم هذه الرساميل وتوزعها على مختلف قطاعات الإنتاج وفقاً لتدني معدَّل الربح هنا، وارتفاعه هناك، يخلق الرأسمال تناسباً بين الطلب والعرض يجعل الربح الوسطي واحداً في مختلف قطاعات الإنتاج فتتحول القيم على هذا النحو إلى أثمان إنتاج.
يجب أن نلاحظ هنا:
1- أن القيمة الزائدة المتوسطة، والَّتي سوف يضطر الرأسمالي إلى قبولها عندما يُجبَر على تركيب رأسماله وفقاً للمتوسط الحسابي المعطى، والَّتي هي نتيجة قسمة القيم الزائدة للمصانع المنفردة على مجموع الرساميل في فرع الإنتاج على الصعيد الاجتماعي، تظهر وكأنها هبطت على ثمن التكلفة من السماء. ولم تكن كمية عمل متجسد فعلاً في المنتوج. وهو ما يخالف قانون القيمة الَّذي يقضي بكون القيمة هي كمية عمل (حي ومختزن وزائد) متجسد في المنتوج ذاته.
2- إن ما انتهى إليه ماركس من توقف التركيب المتوسط للرأسمال على المتوسط الحسابي لكل من الرأسمال الثابت والرأسمال المتغير لا يمكن الاعتداد به علمياً، ولا واقعياً؛ لأن التركيب العضوي للرأسمال في المصنع يعتمد في المقام الأول على الفن الإنتاجي السائد على الصعيد الاجتماعي، وليس على المتوسطات الحسابية.
3- وحتى إذا سلمنا جدلاً بصحة منطق ماركس، فلن يمكننا التسليم بأن المشروعات سوف تعدل توليفاتها إلى (78 ث +22م)، لمخالفة ذلك لقانون القيمة الَّذي يقضي بهيمنة توليفة الفن الإنتاجي؛ وبالتالي فلن تعدل المشروعات توليفتها إلى (78 ث +22م)، كما ذهب ماركس، إنما سوف تعدلها إلى (10 ث + 5 م) لأن الأخيرة هي التوليفة الَّتي يفرضها قانون القيمة.
4- وبالتريب على ما سبق؛ لا يمكن اعتبار ثمن الإنتاج، بمفهوم ماركس، المعتمد على المتوسطات الحسابية، إلا أحد مستويات ثمن السوق. ثمن من أثمان السلعة عبر حركة التأرجحات حول القيمة الاجتماعية الَّتي تمثل مركز الجذب لأثمان السوق.
ماركس إذاً، على هذا النحو، يبدأ من القيمة وينتهي إلى نظرية في ثمن السوق، مستندة إلى قانون القيمة، وعلى ما يبدو أنه وقع في ذلك تحت تأثير فكرة المتوسط عند ريكاردو والَّتي كانت تتردد بشكل واضح في المباديء.
(3)
دعونا الآن، بعدما تعرفنا إلى منهجية ماركس في تحليل الآداء اليومي للمشروع الرأسمالي، نرجع إلى "المثال الطريف". فوفقاً لما انتهي إليه ماركس، على نحو ما ذكرنا أعلاه، سيكون على المحاسب الَّذي استأجره أصدقاؤنا الثلاثة، صاحب القوالب الخشبية وصاحب النبيذ وصاحب الفخار، أن يقوم بحساب ثمن إنتاج سلعة كل واحد من عملائه، على أساس من العمل الحي الضروري + العمل المختزن في المباني والآلات والمواد + معدَّل الربح الوسطي، الَّذي هو في جوهره متوسط العمل الزائد في الفرع. ولكن كيف حسب المحاسب قيمة الرأسمال الهاجع خلال فترة الجفاف والتعتيق والتجفيف؟ صديقنا المحاسب يمسك بـ رأس مال ماركس ويتلو:
"أما بالنسبة لوسائل العمل... فإن عدم استعمالها يؤدي أيضاً إلى فقدان مقدار معين من قيمتها. وهكذا فإن ثمن المنتوج يرتفع بوجه عام؛ لأن انتقال القيمة إلى المنتوج لا يحتسب طبقاً للزمن الذي يؤدي الرأسمال الأساسي خلاله وظائفه، بل وفقاً للزمن الذي يفقد خلاله قيمته". (رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر).
فإذ ما قام المحاسب بحساب ثمن الإنتاج، آخذاً في اعتباره زمن الإنتاج، أي قام بحساب قيمة العمل الحي + قيمة العمل المختزن + معدَّل الربح الوسطي. ثم قارن المدة الَّتي يهجع فيها الرأسمال دون أن يدر الربح المرتقب بفارغ الصبر، ووجد أن حساباته تلك لن تحقق لسلعة عميله قيمة مبادلة متكافأة، فلن يكون أمامه إلا أن ينصح عميله هذا بمغادرة الفرع، والاتجاه إلى الفرع الَّذي يحقق نفس معدَّل الربح في أقصر فترة دوران. وفي مثلنا سنجد أن أقصر فترة دوران هي الموجودة في فرع إنتاج الفخار. وبالتالي سوف يهم صاحب قوالب الأحذية وصاحب النبيذ بمغادرة فرعي إنتاج قوالب الأحذية والنبيذ والاتجاه صوب فرع إنتاج الفخار؛ لأن الجميع ينفق 120 ساعة من العمل (الحي والمختزن والزائد). ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إذ ما تركنا جانباً زمن التداول، إلا بعد 240 يوماً في القوالب الخشبية، و120 يوماً في النبيذ، و60 يوماً فقط في الفخار. ولذلك، ستكون النصيحة الَّتي يتقدم بها المحاسب لكلٍ من صاحب القوالب وصاحب النبيذ هي تسريح عمالهما، والتحول صوب فرع الفخار.
ولكن، السؤال الجوهري هو: لماذا لم نزل نرى القوالب الخشبية والنبيذ في السوق؟ ما هو القانون الموضوعي الَّذي يحكم استمرارهما؟ وتفترض الإجابة أمرين لا ثالث لهما:
- إمّا أن نقدم إجابة تبدأ من إهدار قانون القيمة! إجابة ترى أن صاحب القوالب الخشبية والآخر صاحب النبيذ سوف يضيفان ربحاً إضافياً لقاء رأسمالهما المتعطل عن العمل، أي يضيف كل منهما معدَّل ربح وسطي إضافي مكافأة لرأسمالهما! ومن ثم يصبح منظم القيمة هو كمية العمل بالإضافة إلى الرأسمال. وبالتالي سوف تقاس القيمة حينئذ بالعمل، وعائد الرأسمال، بالعمل والربح! ليس فقط الربح المعطي كمعدَّل ربح وسطي في الفرع، إنما أيضاً الربح المعطى كمعدَّل ربح سائد اجتماعياً! وهو ما يخالف قانون القيمة.
- وإمّا أن نقدم إجابة تبدأ من تحقيق قانون القيمة. إجابة تبدأ من إعادة استخدام الأدوات الفكرية الَّتي يقدمها علم الاقتصاد السياسي على نحو يطور العلم ويستكمله.
الواقع أن ماركس تجاهل المشكلة برمتها، وارتكن إلى أن صديقنا المحاسب سيقوم بحساب قيمة الآلات وهي هاجعة دونما عمل، ويعتبر أن تساوي معدَّلات الربح في القطاعات بإمكانها تصحيح المسألة! ولكن هذا كله غير صحيح، لأن المشكلة لم تزل قائمة، حتى بعد قيام محاسبنا بحساب قيمة الآلات الهاجعة، هذا من جانب. ومن جانب آخر، فإن الاكتفاء بقدرة تساوي معدَّلات الربح على توجيه المنتجين إلى فروع الإنتاج ابتداءً من إقدام وإحجام الرساميل وفقاً لمعدَّل الربح الوسطي فحسب يفضي إلى حتمية التسليم بأن صاحب القوالب والآخر صاحب النبيذ سوف يتجهان إلى فرع الفخار، وهذا لا، ولم، ولن يحدث. ولنر لمَ ذلك؟ في البداية، نحن نعلم أن الاقتصاد السياسي، على الأقل وفقاً لمساهمة ريكاردو، انتهى إلى تحديد قيمة السلعة بكمية العمل، الضروري النسبي، المبذول في سبيل إنتاج تلك السلعة، ولا تتوقف تلك القيمة على العمل الحي المنفَق في الإنتاج فقط بل يؤخذ أيضاً في الاعتبار ذلك العمل الضروري المنفَق في سبيل إنتاج المباني والآلات والمعدات الضرورية لتحقيق العمل. أي العمل المختَزن. وبالتالي فإن قيمة المعطف، وكما ذكرنا من قبل، الَّذي أنفق في سبيل إنتاجه 100 (س.ح. ض) من الطاقة الحية و50 (س.ح. ض) من الطاقة المختَزنة، تتساوى مع النسيج الَّذي أنفق في سبيل إنتاجه 80 (س.ح. ض) من الطاقة الحية و70 (س.ح. ض) من الطاقة المختَزنة. وما أن جاء ماركس، إلا واستكمل مكونات القيمة، وصرنا نعرف أن قيمة المعطف لا تتكون فحسب من العمل الحي والعمل المختزن، إنما يضاف إليهما العمل الزائد، في مرحلة أولى من تفكيره (رأس المال، الكتاب الأول)، وذلك قبل أن ينحرف، في مرحلة ثانية، عن طريقه ويعتد بمتوسط العمل الزائد (رأس المال، الكتاب الثالث). ولكن، ما انتهى إليه علم الاقتصاد السياسي على هذا النحو، لا، ولن، يسعفنا في سبيل التعرف إلى سبب بقاء أصدقاءنا الثلاثة في السوق، دون تحول أحدهما أو كلاهما، أي صاحب القوالب وصاحب النبيذ، إلى فرع إنتاج الفخار؛ لأن كل واحد من الثلاثة ينفق 120 ساعة من العمل (الحي+ المختزن+ الزائد) ولكن لا يعود الرأسمال محملاً بالربح، إذ ما تركنا جانباً زمن التداول، إلا بعد240 يوماً في فرع إنتاج القوالب الخشبية و120 يوماً في فرع إنتاج النبيذ و60 يوماً فقط في فرع إنتاج الفخار. أن الفرضية الَّتي نتقدم بها هي أن السبب في استمرار الثلاثة في السوق هو: أن القيمة الاجتماعية للسلعة، عبر تطورها، لم تعد تتحدد بكمية الطاقة الضرورية المبذولة في إنتاجها فحسب، إنما صارت تتحدد بكمية الطاقة الحية والمختزنة والزائدة مقسومةً على زمن إنتاجها، أي تتحدد بقيمتها الاجتماعية ÷ زمن إنتاجها. أما قيمة السلعة النسبية، أو قيمتها الاجتماعية النسبية، فهي تتحدد بقيمتها الاجتماعية مقسومة على زمن إنتاجها، مقارنة بالقيمة الاجتماعية للسلعة الأخرى المتبادل بها مقسومة أيضاً على زمن إنتاجها. والسلع حينما تتقابل على نحو طبيعي إنما تتبادل وفق هذا القانون. وحينما تتأرجح أثمانها في السوق فإنما تتأرجح حول هذه القيمة الاجتماعية.
وحين إعمال هذا القانون نقابل ثلاث فرضيات: إما أن تختلف أزمنة الإنتاج وتتساوى القيم الاجتماعية، أو تختلف القيم الاجتماعية وتتساوى أزمنة الإنتاج، أو تختلف معاً كلٌ من أزمنة الإنتاج والقيم الاجتماعية. في جميع الأحوال ينطبق قانون القيمة الاجتماعية النسبية، أي القيمة الاجتماعية للسلعة مقسومة على زمن إنتاجها.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن