الفلسطيني في رواية -المخاض- سعادةأبو عراق

رائد الحواري
Read_111@hotmail.com

2019 / 4 / 27

إذا أردنا أن نحكم على موضوع/شخص/أو قضية ما، علينا أن نرجع إلى الزمن والظرف والمكان ونأخذها في الحسبان، هذا إذا أردنا التوخي العادل والدقة في حكمنا، رواية "المخاض" منشورة رابطة الكتاب الأردنيين في عام 1984 في عمان، أي قبل الانتفاضة الأولى وقبل وجود هامش الحريات التي حدثت في الأردن بعد عام1989، بمعنى آخر، أن الأعمال الأدبية المسوح لها كانت محدود، وهذا ما انعكس على فنية الأعمال الأدبية الصادرة، وكمثال واقعي على (تواضع) فنية الكتابة الادبية في تلك الفترة، رواية "الوقت" لجمال ناجي، التي صدرت في العقد الثامن من القرن الماضي، فالاطلاع على تجارب الآخرين بالتأكيد يعطي الكاتب فضاء أدبي أوسع، يجعله أكثر قدرة على مواكبة العصر والحداثة.
الجميل في رواية "المخاض" تقديم المجتمع الفلسطيني كما هو، بمعنى أنه مجتمع فيه ما هو ايجابي وما هو سلبي، وهناك شخصيات ايجابية "علي، الشيخ عثمان، أحمد اليعقوب، مصطفى الحسن، محمود العبد الله، وأخرى سلبية، "أبو علي، نواف الحمدان، أبو عامر، والمختار أبو صابر،" أضافة إلى ضابط الاحتلال الكابتن "شمعون" وهناك دور للنساء "أم علي، حنان زوجة مصطفي، وفاطمة، ومسعدة، وإذا ما توقفنا عند هذه الأسماء نجدها مطابقة للتي يطلقها أهل القرى على الشخص، فيكون أسم الأب معرف بأل التعريف، وهذا ما يضاف إلى معرفة المكان، فأحداث الرواية تجري في أحدى القرى، ونجد علاقة بين الوضع الطبقي والسلبية/العمالة للمحتل، فالسارد ينحاز إلى الفقراء ـ إذا ما استثنينا شخصية "علي" ويجعلهم رجال الثورة ضد الاحتلال وأدواته.
الزمن في الرواية ممتد من العهد العثماني مرورا بالاحتلال الانجليزي والعهد الأردني والاحتلال الإسرائيلي، يحدثنا "الشيخ عثمان" عن العهد التركي والظلم الذي أحدثه في فلسطين وشعبها، يقول:
"فكان محمد بيك واقفا على صخرة يتفرج علينا ، ونحن نتهاوش ، نزل يفرقع بالكرباج ، يرطن بكلام ، بدأ يضرب بالشباب وأول ضربة كانت على ظهري ، كأنه استكبرني بين الرجال ،وحب يكسر شوكتي ، كان يضرب ويقول ( ولا يا كلب يا ابن الكلب ) ولسعني كرباجه لسعة لا زالت توجعني ، لكني بدون وعي ضربته بالسفر طاس على وجهه ، وهجمت على حجر حتى أثني عليه ، لكني حسيت بالكرباج الثاني على ظهري، وثالث على إيدي ورابع على إيدي الثانية ، وخامس وسادس عل بطني وعلى قفاي على رجلي على راسي ، يضربني وهو بعيد ، وأنا لا قادر أزوغ ولا ألقط حجر ولا أصل عنده ، وظل يضرب حتى ما عدت أحس".
الجميل في هذا المقطع أنه جاء بلغة بسيطة كالتي يتحدثها المواطن العادي، وهذا ما يجعل الرواية قريبة من المتلقي، فشخوصها تتحدث بلغة العادية/ بلغة سهلة، بعيدا عن المعاجم.
ويحدثنا عن سقوط بلاد الشام والطريقة التي تعامل بها الاتراك في مواجهة الانجليز والفرنسيين: " ما رأينا يوم إلا والفرارات داخله علينا أمسكناهم وسألناهم قالوا نحن ما انهزمنا ولا هربنا ... لكن ما قدرنا نصمد قدام الانجليز..(النبي) هذا مجرم قلنا لهم المسلم لا يهزم قدام الكافر قالوا والله هذي حرب ما رأينا مثلها ، خطط جديدة وأسلحة جديدة. ونحن لا عندنا خطط دفاع . قلنا لهم بلا فلسفة أنتم فرارات خون وأعدمناهم.
... وان الأتراك لو أرادوا الدفاع عن الشام لاستطاعوا ولكنهم انسحبوا ليحسنوا الدفاع عن تركيا"
إذا ما قارنا الطريقة القاسية التي تعامل بها الاتراك مع المواطنين والطريقة التي سلكوها في (مواجهة) القوات الانجليزية والفرنسية، نجد التفاوت الكبير بينهما، فهم على المواطن العرب كانوا شرسين، بينما أمام العدو الغربي المحتل كانوا جبناء منهزمين.
يحدثنا مصطفى الحسن عن الاحتلال الانجليزي:
"... فتحت أمي فدخل الانجليز ومعهم رجل يلبس كيسا على رأسه، ينظر من ثقبين فيه ، ضربوا أمي بكعب البندقية فوقعت تتألم وتدعوا عليهم ، وصرخت أنا خوفا ، ودلفوا إلى قاع البيت فنطحت أحدهم البقرة ، فطعنها آخر بالسنجة ، وسقطت وهي تخور ، وصعدوا إلى المسطبة فكسروا الخوابي فاندلق القمح والشعير والعدس وكسروا جرار الزيت والسمن والعسل ، ونثروا اللحف والفرشات وقلبوا البيت وخرجوا"
تكمن أهمية هذه العودة للتاريخ ليتعرف القارئ على أن الفلسطيني منذ أيام الاتراك وهو يتعرض للقهر والظلم والقمع، وإذا ما أضافنا إلى ذلك الاحتلال الانجليزي وما فعله في فلسطين من تخريب وهدم وقتل وسجن وتشريد، يجعلنا نقف بإجلال أمام شعب تعرض لكل هذا القهر والبطش، وها هو يثور على أعتى قوة في المنطقة، متمردا على كل المقاييس (الواقعية والعقلية).
تستمر معاناة الفلسطيني بعد قيام ودولة الاحتلال وتقسيم فلسطين بين ثلاث دول، إسرائيل، الأردن، مصر، الممارسة القمعية التي مارسها الاتراك والانجليز مارسها النظام الأردني:
" يذكر إذ جيء به إلى مخفر عيون الحرمية ، لم يعد يذكر السبب ، ربما كان وجيها ، ربما كان تافها ، لا يذكره ولا يهتم له ، بل يذكر الفرسان الذين نزلوا القرية ، يبحثون عن مصطفى حسن ، ويطلبون ضيافة إلزامية ، أتاوات من الأكل الباذخ ، ديكة مسرولة وخرافا محجلة وشعيرا منقى للخيول ، وفرشات صوفية يجلسون عليها بالبصاطير ، وهذه فرصة لممارسة كل النزعات السادية في النفوس، والتسرية عن كل الاستعباد
يذكر السوط الذي كان يفرقع على ظهره ، وأحد الفارسَيْن يقول" مادام ما اطعمتنا ، احنا راح نطعمك" ويرن السوط الآخر على ظهره ويتابع هرولته ويحاول أن لا يسقط ، وفي المخفر يحصد الشوك ، لقد كان شابا يحتمل هذه الممارسات"
هذا هو حال الفلسطيني، كل ما جاء إلى وطنه جاء ومعه القهر والبطش، فالعقل والمنطق يقول من المفترض أن يكون الشعب الفلسطيني قد (تروض) وأصبح طائعا خاضعا، لكن الواقع يقول غير هذا، فيقوم بثورة مسلحة ضد الاحتلال، مخترقا دولة الحراسة، متجاوزا الاجراءات الأمنية وينفذ عمليات ضد المحتلين.
والأسس التي اعتمدتها (الأنظمة) القمعية استندت على هذا الرأي:
" الشرطي لا قلب له ولا عواطف ، إنه يحمل القانون وينفذه " وفي الثالثة قال" الشعب يميل إلى الشغب والفوضى ميلا فطريا ، إنه يتهرب من الضرائب ولا يتعاون مع الحكومة "وفي الرابعة قال "كلما قسوت على الشعب ، كلما كسبت ثقته ومحبته"
وهذه العقلية التي مُورست على الفلسطيني من العهد التركي إلى غاية الساعة، فالأحداث والممارسات التي لم تتح أي مساحة للحرية أو ابداء الرأي للفلسطيني أو للحياة الكريمة، أو حتى العيش بشكل سوي/عادي، لم تكن متاحة للفلسطيني ، فكانت الثورة المسلحة هي الخيار الوحيد أمامه.
الثورة
الثورة فعل راق يقوم به النخب المثقفة والمنتمية لقضاياها، وهي تحتاج إلى جهد وارادة ومعرفة وصبر وقدرة على مواكبة المستجدات، أول بأول، والثورة الفلسطينية بدأت في العهد العثماني على يد ظاهر العمر، وتواصلت بعد الاحتلال الانجليزي:
"، نحل الأمور المتعلقة بالإمدادات والتموين والاتصالات والمواصلات والتنسيق والاستخبارات ، حاولنا أن لا تكون الثورة منافسات عشائرية ، أو أمجادا قبلية ، وشخصية ، حاولنا أن ننتقل من الدفاع إلى الهجوم ، كنا نتعلم بسرعة ونحارب بضراوة ، نحصل على السلاح من الأصدقاء والأعداء والمهربين ،واختلط علينا الأعداء ، نهاجم المستوطنات فإذا بها انجليز ، ونهاجم المعسكرات ، فتكون من المهاجرين الجدد ، وكنا نحارب فنسقط شهداء ، فنضمد جراحنا وندفن شهداءنا ونعود ، نتقلب بين النصر والهزيمة"
هذه الصورة توضح الصعوبة التي رافقت العمل المسلح، ورغم هذا استطاع الفلسطيني أن يقاوم ويستمر بالعمل المسلح، وأن يحقق الانتصارات على القوات الانجليزية، وبعد أن احتل بقية فلسطين في عام 67، تواصل العمل المسلح، حتى وصل إلى ذروته ، واستطاع الفدائي الفلسطيني أن يفجر مقر القيادة العسكرية لقوات الاحتلال:
"ارتجت البناية وهرع الكل إلى الخارج في هلع وفوضى وجاء جنود الهندسة ، وفتشوا البناية ودخلوا مكتب شمعون ، وكانت جثث الخمسة يعلوها التراب والزجاج وقطع الطوب والدماء تنزف وبعضها يتخثر ، كف هنا وساق هناك ، عصيهم ونعالهم وعقلهم وعباءاتهم ، جاءوا ولموا الأشلاء تمهيدا لفرزها في الخارج ، جاء شمعون وألقى نظرة على الدمار ورأى التوراة مفتوحة على الاصحاح الواحد والثلاثين".
إذن الرواية رواية مقاومة، وكان من المفترض أن تأخذ حقها ومكانتها في الأدب المقاوم، ومكانتها في الرواية الفلسطينية، لكن يبدو أن هناك مجموعة عوامل حالت دون ظهورها وتقديمها للجمهور بشكل يليق بها، لكن لنا بعض التساؤلات، لماذا جعل السارد الشخصيات تتحدث باللهجة البدوية رغم أن غالبية القرى الفلسطينية تتحدث باللهجة الريفية:
- " شمعون عاوزك
تضايق بقرف وقال :
- وإيش يريد؟
- لا أعرف
- طيب روح معي
وإيش دخلني"
لفظ "ويش" ليست فلاحي، والفظ المستخدم "أيش بدو"
ومع هذا تبقى للرواية مكانتها، من خلال الفكرة التي حملتها، ومن الفنية الأدبية التي جاءت بها، فنجد في نهايتها هذا المقطع:
" وبينما تحتدم التقولات ويزداد ضجيجها ، يعلن أحمد اليعقوب خطبته على مسعدة ، فكان خبرا مثيرا وجديدا ورائعا ، ومثار التفاؤل بحياة جديدة ، فكيف عادت له رجولته واستيقظت بعد طول سبات ، فقال أحدهم أنها معجزة ، وقال آخرون إنها تباشير القيامة ، وتكلموا بفضول زائد عن هذا البعث الجديد وعن إرادة الله التي يجعلها برهانا للناس ."
ففي الوقت الذي نشرت فيه الرواية كنا بأمس الحاجة إلى من يبعث فينا الأمل، فقد خرجت الثورة من لبنان عام 1982، وتشتت الفلسطيني في بقاع الأرض من جديد، وكان هناك الانقسامات الفلسطينية حتى بات ينطبق علينا القول "مهب الريح".
والرواية لا تخلوا من الرمز والمواقف الجميلة، فعندما حاول الكابتن شمعون أن يتناول البندقية التركية عن الجدار كان هذا الرد:
" رأى أطباق القش والصواني والمهفات ورأى قمبازا داخل كيس من البلاستيك معلقا فوقه بندقية صدئة مكسورة الكعب ، حتى إذا ما تقدم نحوها صرخ أحد الأولاد :
- لا تصيبها ... هذه لجدي
لسعت هذه الصرخة شمعون فشعر كم هذه عزيزة ، وموقعها عزيز"
"أطباق القش، والمهفات، والقمباز" تشير إلى التراث الفلسطيني، والبندقية ترمز إلى تجذر الفعل الفلسطيني المقاوم للاحتلال، فالبندقية تركية، وبها قاوم الاتراك، ومن بعدهم الانجليز، وهذا الرمز "البندقية" يمكننا أن نربطه بما جاء من حديث "الشيخ عثمان" عن الاتراك والانجليز، وهذا ما يجعل الرواية متكاملة ومنسجمة في أحداثها وفي (الرمز) الذي حملته.
الرواية نسخة الكترونية.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن