السودان .. الانتفاضة السمراء

أحمد الخميسي
ahmadalkhamisi2012@gmail.com

2019 / 4 / 19

شغلت الانتفاضة السودانية الأنظار والقلوب، ما بين القلق على مصيرها والاعجاب باصرار الرجال والنساء اللواتي غمرن الشوارع ليؤكدن أنه ما من ثورة حقا بدون المرأة. ولقد بدأت الانتفاضة السمراء في ديسمبر العام الماضي من مدينة عطبرة احتجاجا على رفع سعر الخبز من جنيه إلي خمسة، ولم يجد النظام وسيلة لاسكات المتظاهرين سوى فتح النيران عليهم فسقط البعض قتلى وأصيب أخرون بجراح بالغة، وما لبثت الانتفاضة أن امتدت لتشمل مدن السودان احتجاجا على تدهور مستوى المعيشة وتخفيض قيمة الجنيه والاستبداد السياسي. وعلى مدى نحو أربعة أشهر غمرت الجماهير الشوارع في مشاهد مهيبة، ترفع شعارها الأثير: " تسقط.. تسقط بس" وبرزت صور المرأة السودانية التي يطلقون عليها " كنداكة" أي الملكة العظيمة وهي تقود المظاهرات وترفع قبضتها عاليا في وجه الاستبداد. ولم تتراجع الجماهير أمام كل تهديدات الرئيس البشير، ولم تمد يدها لكل محاولاته للالتفاف على الانتفاضة. وأخيرا أعلن وزير الدفاع السوداني عوض بن عوف عن أنه تم التحفظ على الرئيس البشير في مكان آمن واعتقاله، وعلى حد قول الوزير فقد تم" اقتلاع النظام". وأشار البيان أيضا إلي حل مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراءوحكومات الولايات المحليات ومجالسها التشريعية، أعلن عوض بن عوف في الوقت ذاته : وقف العمل بدستور 2005، وتشكيل مجلس عسكري يتولى الحكم لمدة عامين لحين اجراء الانتخابات، وفرض حالة الطواريء لثلاثة شهور وحظر التجوال. والواضح أن بيان عوض بن عوف لم يلق قبولا لدي المنظمات السودانية الجماهيرية مثل " تجمع المهنيين السودانيين"، وغيره من المنظمات التي تمسكت بدعوة الجماهير لملازمة الميادين. واعتبر " تجمع المهنيين" أن ما تم حكما بالبيان هو محاولة لاعادة إنتاج النظام بصورة أخرى، وأن البيان لم يحترم تضحيات الشعب السوداني، ولا قام بإدانة استبداد الرئيس البشير. ومع أن بيان عوض بن عوف أشار إشارة سريعة إلي الفساد، لكنه لم يوضح طبيعة ذلك الفساد ولا كيفية التصدي له، بحيث تظل ادانة الفساد مجرد كلمة في بيان. كان الشعب السوداني ينتظر بعد كل ما قدم من تضحيات أن تضع انتفاضته الأساس لمرحلة جديدة من الديمقراطية والتعدد الحزبي ومشاركة القوى السياسة في تقرير مصير بلادها. الأكثر من ذلك أن للتشاؤم من بيان عوض بن عوف أسبابه الأخرى، فقد كان وزير الدفاع أحد الرموز التي شاركت ورسخت حكم الرئيس البشير، وكان إلي جوار منصبه العسكري نائبا أول لرئيس الجمهورية، ومن ثم فإنه في حقيقة الأمر أحد صناع الفساد الذي لا يعجبه. وكان عوض بن عوف أيضا مديرا للاستخبارات العسكرية وأحد المدافعين عن مشاركة القوات السودانية في التحالف السعودي في اليمن.
وفي خضم الانتفاضة مازال البعض يرى أن مشكلة السودان كانت حكم العسكريين بالتحالف مع الأخوان، ولكنهم لا يلمحون أن مشكلة السودان كانت ومازالت مشكلة الطريق الرأسمالي المسدود الذي تغتني فيه قلة قليلة وتعاني الأغلبية الفقر المدقع. أعني أن القضية ليست حكم عسكر، أو حكم مدني، فهناك رؤوساء مدنيون بلا عدد وضعوا بلدانهم في المأزق ذاته : الجوع، والغلاء، وصولا إلي الخبز الذي يمسي حلما في بعض الحالات. ولم يفشل الرئيس السوادني لأنه عسكري، أو مدني، بل فشل لأنه مضى على طريق صندوق النقد والبنك الدولي والانسياق الكامل لنظام اقتصادي، حدد طه حسين طبيعته بأن فيه : " يجد البعض ما لا ينفقون، ولا يجد البعض ما ينفقون". بطبيعة الحال لم يعد سهلا في ظل نظام عالمي يشكل شبكة قوية من المصالح أن يظهر نظام سياسي مارق، يقف بمفرده في مواجهة الرأسمالية العالمية، لكن على الأقل يطمح الناس، ومن حقهم، أن يكون لديهم نظام ينحاز إلي الطبقات الفقيرة وإلي العدالة الاجتماعية بدرجة أو بأخرى.
لقد بدأت الانتفاضة السمراء البطلة بالخبز، ولابد أن تنتهي بالخبز، فلن تشبع الجماهير من حرية حزبية ، ولا حرية تعبير، على أهمية كل ذلك، لكن الناس يحتاجون إلي برنامج اقتصادي وسياسي واجتماعي محدد وواضح يرى أن الحياة الكريمة حق للجميع.
د. أحمد الخميسي. كاتب وقاص مصري



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن