الغربة في ديوان أوراق مسافر -سامر كبه-

رائد الحواري
Read_111@hotmail.com

2019 / 4 / 1

الغربة في ديوان
أوراق مسافر
"سامر كبه"
في ظل تفشي الهجرات القصرية والتي احدث فجوة سكانية/اجتماعية، وفحوة نفسية جعلت المجتمع والافراد يعانون من حالة الاغتراب، فهم يتعرضون لواقع ولظرف غير معهود وغير متوقع، نحن بحاجة إلى شيء يخفف من وطأة هذا الواقع علينا، في ديوان "أوراق مسافر" نجد الحنين للوطن، ونجد مشاعر الغربة عنه، وليس مشاعر الاغتراب، والجميل في الديوان أننا نشعر وكأنه فاكهة لذيذة وخفية في ذات الوقت.
ادوات وعناصر الخفيف
الكتابة، والمرأة، والطبيعة، عناصر تخفف عنا الضغط الواقع علينا، وهذا ما أكده الشاعر في قصيدة "حكاية المغتربين" والتي يقول فيها:
" حين وعدني الحلم برحلة
عبأت نفسي في قصيدة
وارتحلت..
حين وعدني الحلم برحلة
عبأت الهدايا في مسامي
وعلى أوراقي كتبت الحكايات" ص11، اللغة بسيطة وسهلة وناعمة رغم أنها تتحدث عن "غربة" فالقصيدة والأوراق الكتابة (الغت ومحت) ألم الغربة.
ونجد المرأة تأخذ مكانتها في مواجهة الغربة:
" حين وعدني الحب بقبلة
فاجأني الخريف بغربة" ص12، فالشاعر يستعين بذكرياته مع الحبيبة لواجهة واقعه الجديد.
ونجد الوطن الذي يساوي الطبيعة مكان في عملية التخفيف عن الشاعر:
" حين نادتني الأرض بالحنين
جاوبني الصدى بالأنين" ص13، فرغم أنه وقع الغربة في المقطعين السابقين كان أقوى من الحبيبة والوطن/الطبيعة، إلا أن وجودهما يشير إلى الطاقة التي ستمد الشاعر بالقوة على مواجهة الغربة.
مدينة الغربة
رغم أن الشاعر يعيش في مدينة تولوز الفرنسية، ورغم الرفاهية التي فيها، إلا أنه يجدها غير مناسبة له، يقول في قصيدة "حكاية المدينة":
" في الفجر
تستيقظ المدينة الغارقة في الرطوبة
تتمطى،
تنفض عنها نعاس العشية
تتثاءب
فتفوح منها رائحة الخريف
تنهض
نقية، صافية
كصبية أفاقت من نوم عميق
وما تبرجت بعد.." ص17، في البداية كانت المدينة " غارقة في الرطوبة، وتتمطى، وتتثاءب، وتفوح منها راحة الخريف" كل هذا يجعلنا نتأكد أن الشاعر غير منسجم مع المدينة، لكنه سرعان ما يغير وجهة نظره فيها، فيجعلها "تنهض، نقية، وصافية، كصبية" في السر وراء ذلك، اعتقد أن واقع المدينة الحقيقي كان في فاتحة القصيدة، وما التحول الذي حدث إلا عمالية (اقناع الذات) بأن هناك شيء جميل، وهذا (الإقناع) سببه أن الشاعر يريد أن يتماشى مع واقعه الجديد، فهو جاء إلى تولوز للدراسة، ولا يمكنه أن يبقى متعلق بحلب مدينته التي يحب، وهذا ما يؤكده عندما اعاد الحديث عن "تولوز":
"...
تتنهد الطرق
تئن تحت وطأة العجلات
العجلات تستعجل الطرقات
تريد أن تضغط الزمن
...
وفي رئة المدينة
يحتشد دخان التبغ والنفيات
تسعل المدينة
فتبصق آلات وعوادم" ص20، فكرة الغربة حاضرة في المعنى وفي الألفاظ المستخدمة "تتنهد، تئن، وطأة، تستعجل، تضغط، يحتشد، تبغ، نفايات، تسعل" وكل هذا يعطينا فكرة (امتعاط) الشاعر وعدم انسجامه مع المدينة الفرنسية، وإذا ما أضفنا إلى هاذين الأمرين اللغة البسيطة و(العادية) يتأكد لنا حالة الغربة التي انعكست على لغة الشاعر، فاستخدم لغة بسيطة (عادية).
ونجد تألمه في قصيدة "بداية طريق" والتي يقول فيها:
"أكتب لك من غربتي الثقيلة عليك والتي تحاصرني..
هنا، يمر الوقت ثقيلا دونك، والأيام باردة كالصقيع..
والوجوه الكالحة لا تعرفني أبدا، فأصير السؤال ..
ويذوي الحلم:
اشتهيك معي
في هذه المعالم المجهولة كالأفلاك" ص35، المقطع يوضح حالة الألم التي يمر بها الشاعر، وهو ألم قاسي وشديد الوطأة عليه، وهذا ما نجده في الألفاظ التي استخدمها، لكن هناك مؤشر آخر على حجم هذ ا الألم، والذي جاء من خلال استعانته بالمرأة، بالحبيبة "أكتب لك، اشتهيك معي" ليستمد منها القدرة على مواصلة تعليمه، وجاء ايضا من خلال الصور الشعرية "والأيام باردة كالصقيع" التي يريد بها أن يخفف عنه وعن القارئ حالة الألم، فرغم أن مضمون الصورة مؤلم، إلا أن تحمل جمالا يخفف من حدة المضمون القاسي.
وكلما زاد حجم الغربة عند الشاعر نجده يستحضر المرأة، الحبيبة، ليتخلص من ألمه وغربته:
" ...
في الليل..
أحلم بنهديك
وبقصة شتوية قبل النوم
في النهار..
أبحث عن تفاصيلك المضيئة" ص36، فهنا يتحول الشاعر من حالة الحب العذري إلى الحب الصريح، فهو لم يعد يكتفي بالروح، بالحلم بالحبية والتفكير في جمالها والأثر الذي يتركه فيه، بل يحتاجها كجسد، وهذا التحول يشير إلى حجم الغربة التي تحاصر الشاعر، بحيث لم يعد يقوى على الاستمرار بالأدوات القديمة ليحصل على الطاقة، فتحول إلى أداة جديدة، فستعان بالجسد الذي يحمل تلك الروح الجميلة.
الإيمان
يستعين الشاعر بالثقافة الدينية ليواصل مسيرته التعليمة، فتراث الديني يحمل العديد من مشاهد الصبر وتحمل الصعاب والشدائد، في قصيدة "البحث عن مفقود" يقول:
"...
وحين استجوبوه، لم يبح بأكثر من عبارة:
"أحبوا بعضكم بعضا..
فتحوا صدره
فوجودا فيه صليبا ومصحف
فعرفوا أن الأمر متعلق بالمحرمات" ص56، الثقافة الدينية مهمة للإنسان في الحياة، فمنها يستمد ما يستقوي به على الشدائد التي يتعرض لها، والشاعر لا يكتفي باستخدام ثقافته الدينية وقت الشدة، بل نجده يستخدمها في المناسبات الدينية، يقول في قصيدة "بطاقة معايدة":
"...
أنتم هناك
وأنا هنا
وما بيننا هذا السفر..
تعالوا ننشد نشيد الظفر:
"المجد لله في العلى
وعلى الأرض السلام
وفي الناس المسرة" ص72، تضمين آيات دينية ـ دون تصريف ـ يشير إلى أن الشاعر يعيش حالة إيمانية صافية، بعيدا عن قسوة الغربية، وهذا ما يجعله قادر على مواصلة المسير حتى النهاية.
الديوان من منشورات دار المقدسية للطباعة والنشر والتوزيع، حلب، الجمهورية العربية السورية، الطبعة الأولى 1998.





http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن