تاجرُ موغادور: كلمة الختام من المحقق 5

دلور ميقري
dilor7@hotmail.com

2019 / 3 / 26

في المقهى، لحظ شقيقُ امرأتي المغربية ( واسمه بالمناسبة: حامي )، أنني شارد اللب، بالكاد أشارك في حديثه مع الأصدقاء. كانوا ثلاثة شبان مراكشيين، أحدهم يشارك قريبي في العمل بأحد الفنادق الفرنسية في الصويرة، بينما الآخران يعمل كل منهما بصفة الشيف في " المأمونية "؛ وهوَ من أقدم وأشهر نزُل المدينة الحمراء.
" هل بإمكاننا المرور خِلَل حي القصبة؟ "، فاجأتُ القريبَ بهذا الطلب الغريب فيما الدراجة النارية تتناهى في اندفاعها نحوَ جهة المدينة القديمة. الوقتُ، كان على حدّ منتصف الليل. وكنا في الطريق للمنزل، المنزوي في زنقة على مشارف حي باب أغمات، المتصل مع القصبة من جهة المِشْوَر. فما هيَ إلا دقائق، وكانت دراجتنا تمرُ مثل عاصفة من غبار ودخان، مخترقةً دربَ القصبة الرئيس، شبه المقفر من السابلة والمنار بشكلٍ جزئيّ هنا وهناك. كنتُ راكباً إذاً وراء قائد الدراجة، متشبثاً في حرص بمنكبيه. راضياً مغتبطاً، رحتُ أتلقف بعينيّ ما تيسّرَ من مشاهد حي القصبة العريق هذا، أينَ أقام في أحد رياضه بطلُ السيرة، التي كنتُ آنذاك عاكفاً على مراجعتها وتنقيحها.
" القصبة، كأنها وصيفةٌ خالدة، عالية المقام، تحتضنُ سلالاتٍ من ساكني القصر الملكيّ "، خاطبتُ عندئذٍ نفسي لا رفيق الرحلة بطبيعة الحال. شأن أفراد أسرته، ومنهم قرينتي، كان مألوفاً من " حامي " ألا يأخذ أفكاري على محمل الجدّ. كان يُخفف من وطأة ما يرون أنها نزواتٌ لديّ ( أي الكتابة والقراءة! )، أملهم في أن تعود عليّ يوماً بمردودٍ ماليّ. أخوهم الكبير غير الشقيق، " إدريس "، وكان أيضاً يحفظ لي مودة خاصة، دأبَ آنذاك على الذهاب أبعد من ذلك؛ مؤكداً للآخرين أنني بصدد وضع كتاب عن مراكش، سيُهدى يداً بيد لصاحب الجلالة. في حقيقة الحال، أنه هوَ مَن كان قد اقترح عليّ تلك الفكرة الطريفة، ثم عاد فيما بعد ليتبناها كأنها أمرٌ مفروغ منه. في المقابل، أنا مدينٌ لنسيبي هذا في اهتدائي لأحد أسباط " جانكو بوتاني "، وكان ذلك حين وضعته في فترة لاحقة بصورة تقريبية لعملي في المخطوط. إذاك، كنتُ قد تورطتُ في سيَر أخرى متصلة بشكل ما مع سيرة تاجرنا الدمشقيّ، العائدة لمنتصف القرن التاسع عشر. ما لم أكن لأتوقعه أيضاً، أن هكذا لقاء مع سليل " تاجر موغادور " سيكون في غيليز لا في القصبة ـ كما سبقَ ووطنت أملي على الأمر.
خمسة أعوام، عقبَ استلامي مخطوطة السيرة، كانت كافية لإفقادي الأمل بإمكانية العثور على أيّ من أخلاف بطلها، ولتتركني أمام إحساسٍ مبهم بعدم وجودهم أصلاً. ولكننا في الواقع كنا قريبين لبعضنا البعض، طالما أن العنوان المطلوب يبعد عن ذلك المقهى بمسافة تقل عن المائة متر. أتحدث عن شقةٍ في غيليز، أقام فيها " آلان " مع شقيقته " زين "؛ وهما من شخصيات أجزاءٍ جديدة من السيرة المراكشية، سيحيط القارئُ في حينه بأمرها. طبيعتي، المتسمة بالخجل والإحجام عن نسج علاقات اجتماعية، كانت سبباً في تأخر وصولي للشقيقين. ما ثبّط من عزيمتي على أيّ حال، معرفتي مسبقاً بأنّ أحدهما أنهى حياته انتحاراً. بينما الشقيقة قبعت في شرنقة الترف والرفاهية، بزواجها من شيخ خليجيّ فاحش الثراء. وإنه ابن أخيهما الكبير، مَن التقيت معه في آخر المطاف، ومنه حصلت على بعض المعلومات المهمة عن الجدّ الأول للسلالة. إلا أن سيرة بطلنا في المدينة الحمراء، أين استقر على أثر مغادرته موغادور، لم تكن مبنية فقط على تلك المعلومات. أو لنقُل، أنه بناءٌ قمت بترميمه بوساطة قراءاتي لبعض المراجع التاريخية، التي ورد فيها شذراتٌ من السيرة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن