العلمانية ببساطة

وليد عبدالكريم
howorsh89@gmail.com

2019 / 3 / 1

يعتبر مصطلح العلمانية من أشد المصطلحات إثارة للجدل والنقاش فلن تجد خلال بحثك وقراءتك في منشورات وصحف الإعلام العربي الذي يتحدث عن العلمانية غالبا إلا رأيين إثنين يهيمنان ويسيطران على الساحة الثقافية .

الرأي الأول وهم الإسلاميون بكافة أطيافهم الذين كانوا ومازالوا مصدرا للتشويه أو سوء الفهم ضد هذا المصطلح ، حينما جمعوا بين الإلحاد والعلمانية وأكدوا على أن هذين المصطلحين مترادفان ويؤديان إلى معنى واحد ، كذلك ترويجهم بأن العلمانية هي مؤامرة غربية لتدمير الإسلام أو أنها عملية لتخريب وتدمير هويتنا وثقافتنا وتاريخنا .

أما الرأي الثاني فهم غير المنتمين للإسلام السياسي بكافة فروعهم ، وهؤلاء أيضا شوَّهوا عمدا أو سهوا العلمانية كما فعل الإسلاميون ، حيث أنك تجد في أحاديثهم وكتاباتهم سوء فهم كبير جدا للعلمانية ، فترى الليبرالي مثلا يجمع بين العلمانية ومصطلح الديمقراطية والحرية والمواطنة وسيادة القانون والرأسمالية إلخ ويجعل هذة المصطلحات مترادفة أو يزعم أنها تؤدي إلى بعضها بعضا ، وقد ترى بعض اليساريين أيضا يجمع بين العلمانية والعدالة الاجتماعية والحرية والاشتراكية إلخ .

بينما لو قرأنا الكتب والمراجع العلمية والأكاديمية وأردنا أن نتعرف على مفهوم العلمانية ومعناها سنجد تعريفات كثيرة لكنني اخترت التعريف الأشهر لها مع بعض التعديلات وهو ( فصل الدين عن مؤسسات الدولة وسياساتها )، وهذا التعريف رغم بساطته واختصاره ووضوحه إلا أنه مايزال غير واضح عند كثير من الناس ، ولو حاولنا تحليل التعريف لو جدنا أنه يحتوي على أربع مفردات ألا وهي دين و مؤسسات الدولة و السياسة و فصل .

فلو بدأنا بكلمة دين ! فما المقصود بهذا المصطلح ؟ لا أريد أن أسرد النقاش والجدل بين علماء الاجتماع والانثربولوجيا حول تعريف دقيق وموحد للدين لكنني سأكتفي بتعريف ايميل دوركهايم للدين بأنه ( نظام موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدسة، وهذه الأشياء المقدسة يجري عزلها وتحاط بشتَّى أنواع التحريم ، وكل ما ليس بمقدس فهو دنيوي ومدنَّس ) ، وهذا التعريف خطوة مهمة جدا في سبيل التمييز والتفريق بين الدين وبين بعض الأفكار والايديولوجيات لأن بعض الناس لا يميز أو يحاول عمدا الخلط بينهما .

ماذا عن مؤسسات الدولة ؟ ولعلك لاحظت عزيزي القارئ عدم ذكري في تعريف العلمانية للدولة بل مؤسسات الدولة لأن تعريف الدولة أوسع ويشمل الشعب والإقليم والحكومة ، فلا يمكن أن نفصل الدين عن الشعب أو عن الإقليم ، لكن مقصودي أن نفصل الدين عن مؤسسات الدولة مثل الحكومة بوزاراتها وهيئاتها وكذلك المحكمة العليا أو الدستورية والمؤسسات القضائية وأيضا المجلس التشريعي أو النواب أو الشورى وكذلك فصل السياسات الداخلية والخارجية والقرارات والقوانين والتشريعات التي تتخذها الدولة والحكومة ومؤسساتها عن الدين .

أما الجزء الأخير من التعريف وهما كلمتا فصل وسياسات وتعنيان أن يكون التشريع والتقنين والسياسات والاستراتيجيات الداخلية والخارجية والقرارات منفصلان عن الدين وتكون التشريعات والسياسات مبنية إما على أسس علمية مثل العلوم السياسية وعلم الاقتصاد والاجتماع والنفس وكذلك علوم الحياة والكيمياء والفيزياء والفلك والجيولوجيا أو مبنية على المصلحة والمنفعة للدولة والشعب ، ففي السياسة الخارجية مثلا يكون الأمن والاستقرار والمصالح السياسية والاقتصادية هي المحرك لسياسة الدولة وكذلك التشريعات والسياسات الداخلية تكون مبنية على مصلحة المجتمع وتنميته سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتحقيق الأمن والاستقرار والرفاه للمواطنين ، ولا تعني علمانية الدولة أن تناكف الدولة الدين وتحاربه بل تسعى الدولة لمصلحة الوطن عموما
حتى وإن توافق هذا السعي مع الدين وتشريعاته أو تعارض معه .

ولعلي هنا بعد أن أوضحت تعريف العلمانية أن أبين بأن العلمانية هي بنت أو امتداد للحداثة فالأمم والشعوب التي دخلت في الحداثة ستكون الدولة فيها علمانية دائما ، فالدولة قد تكون ديمقراطية أو تكنوقراطية أو سلطوية أو ليبرالية أو شيوعية أو قومية أو رأسمالية أو اشتراكية وغيرها من الايديولوجيات السياسية أو الإقتصادية ، لكنها ستظل علمانية ، ودول العالم كلها تقريبا هي علمانية ماعدا الدول والشعوب التي لم تدخل حتى الآن في الحداثة .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن