موظف الطابو

طالب الجليلي
Talibahmed@yahoo.com

2019 / 2 / 24

موظف الطابو ..!

كان قد تجاوز الخمسين من عمره .. أمضى معظم أعوامه موظفا في دائرة الطابو في مدينته ؛ الحي .. كان ظريفا وصديقا للجميع وكان صاحب نكتة ويحفظ الكثير من ابيات الدارمي وأنواع الشعر الاخرى .. بل و ( احيانا) ! يتطرق بيأس للواقع السياسي والاجتماعي المتردي ! ثم يذكر ما يعرفه عن تجارب الشعوب خارج ( ارض الانبياء ) كما كان يصر على تكرار تلك التسمية ..!
يتردد أحيانا على نادي الموظفين ! وفي احيان اخرى يمر ( خلسة) حين يجن الليل على تلك الكوة التي تطل من النادي على الزقاق الخلفي ... يتناول ( ربعية) العرق ! يخفيها في جيب سترته الداخلي وينطلق الى داره ..اما في الضحى وحين يحتاج رأسه لان يهدأ بقدح من الشاي ، فانه وبدون استئذان من السيد المدير ، يترك ما أمامه من الملفات ويذهب مسرعا الى (زقاق البريد) الذي يتفرع من السوق المسقف ليشرب ثلاثة أقداح من شاي (جبار )الذي لا يروق له غيره .. يعود ليكمل بقية ساعات الدوام بصمت ..!
كان لا يروق له شيئا ، وان جلس العصر في مقهى ( عاگول) التي تقع على الشط، تجده يمسك برواية من روايات ديستويفسكي او همنغواي ويكاد ان يتقمص شخصية بطل الرواية ! ويذوب فيها كليا .. !
اتقن اللغة الانگليزية بشكل عجيب بعد ان فصل في المرحلة الثانوية بسبب رسوبه المتكرر في درس تلك اللغة ! وحين حصل على وظيفة (كاتب طابعة) ؛ راح يمضي كل أوقات فراغه في دراسة الإنكليزي حتى تمكن من دحرها ! من خلال قاموسه ومسرحيات شكسبير التي سيطرت على عقله ، بل كيانه كله !! اخيرا راح يسخر من مدرسي الإنكليزي في ثانوية الحي التي راح يكمل دراسته المسائية فيها !!
بمرور الزمن اخذ يبتعد شيئا فشيئا عن الآخرين وأصبح صديقه الوحيد هو الكتاب الذي صار يصرف معظم راتبه على شراء ما لا يتوفر منه في مكتبة المدينة العامة والتي كانت تفتقر للكتب المطبوعة بلغتها الأصل الانكليزية!!

المناسبة الوحيدة التي كان يحتفل فيها هي ( راس الشهر ) ..!
بشتري قنينة كاملة .. ما ان ينام الأهل على سطح الدار، حتى يبدأ بممارسة طقوس ( رأس الشهر ) !! يجلس في الباحة لوحده ..! بضع القنينة على الطاولة وحولها ماعون اللبلبي واخر تتوجه ليمونتان ..! بين حين واخر يتناول قدحا كاملا ثم يشبك أصابع كفيه ويسند بهما كرشه ! ويظل يحدق في القنينة ..! هكذا كان يصفه شقيقه الذي كلما تطلع اليه من السطح طوال الليل ؛ يجده جالسا بتلك الصورة ويمارس الطقس ذاته .. بم كان يفكر ؟! لا يعلم ذلك غير الله واحيانا الشيطان !!
عند الفجر ؛ وفي احد الأيام وجده اخوه وهو لا زال يجلس بنفس الصورة ، لكن كفاه لم يعودا يحتضنان بطنه ! كانتا ذراعاه متدليتين ، وكان رأسه يستند على كتفه الأيسر ..!!

23 شباط 2019



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن